aren

الأزمة الخليجية وتداعياتها(2) \\ بقلم : توفيق المديني
الخميس - 10 - أغسطس - 2017

قراءة في جذور وتداعيات الازمة الناشئة (حاليا) في الخليج بين ( السعودية الامارات البحرين ، ومصر ) من جهة ، وامارة قطر من جهة أخرى، أعدها وكتبها الباحث والكاتب التونسي ” توفيق المديني ” واختص بها موقع “التجدد الاخباري”.

 –  الجزء الثاني- 

حرب الخليج الثانية وانقلاب السحر على الساحر

جاءت أزمة الخليج الثانية ،عقب الاجتياح العراقي للكويت في 2آب/أغسطس1990، لتجسد بداية القطيعة بين الإخوان والعائلة المالكة السعودية. ففي خلال أزمة الخليج في العامين 1990-1991،استقبل وزير الداخلية السعودي البالغ النفوذ في تلك الحقبة، الأمير (نايف) ، وفداً ضمّ بنوعٍ خاص التونسي الشيخ راشد الغنوشي (الرئيس الحالي لحزب النهضة)، والسوداني حسن الترابي، واليمني عبد المجيد الزنداني والتركي نجم الدين أربكان، وكلّهم ينتمون إلى حركة الإخوان.

وطرح عليهم السؤال التالي:« هل تقبلون بغزو دولة لدولة؟، وهل الكويت تهدّد العراق؟»، فقالوا والله نحن أتينا فقط لنسمع، ونأخذ الآراء، بعد ذلك وصلوا إلى العراق، وتفاجأ الجميع بإصدارهم بياناً يؤيّد الغزو العراقي للكويت..

إذا كانت أزمة الخليج الثانية ، شكلت سبباً رئيساً للقطيعة بين الإخوان المسلمين والعائلة الحاكمة في السعودية ،فإن الأمير تفادى الإشارة إلى سببٍ آخر من أسباب غضبه، الذي يشاركه إيّاه أمراء آخرون في المنطقة: وهو انخراط الإخوان المسلمين في العمل السياسي في مجتمعات الخليج، ومشاركتهم منذ ما بعد حرب الكويت في حركات الاحتجاج التي ضربت المملكة.

ذلك أنّ نظرتهم السياسية – حول دولة إسلاميّة بالطبع، إنّما تتأسّس عن طريق الانتخابات – تختلف عن الملكيّة القائمة على الولاء الثابت للعائلة المالكة السعودية.

وبالتالي فضّلت هذه العائلة أن تموّل التيارات السلفية، التي كانت تشعرها بالاطمئنان بسبب رفضها التدخل في المجال السياسي، ودعوتها إلى دعم أولياء الأمر، مهماً كانوا.ثمّ تعمّقت الهوّة أكثر بين الرياض والجماعة في أعوام الألفين مع مشاركة الإخوان المسلمين،عبر حركة حماس الفلسطينية، في «محور المقاومة» في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل إلى جانب إيران وسوريا وحزب الله اللبناني.

عقب انهيارالإتحاد السوفيتي وحرب الخليج الثانية انقلب السحر على الساحر،ذلك أن الولايات المتحدة الأميركية وأطرافا عربية دعمت حركة الإسلام السياسي في العالم العربي والإسلامي ،اكتشفت إبان أزمة الخليج أن هناك تغييراً جذرياً طرأ على الإسلام السياسي ، إذ برزمظهر جديد احتجاجي مناهض للسياسة الأميركية في المنطقة.

وقد وجد هذا الإسلام السياسي الراديكالي المناهض للغرب و للدول العربية الصديقة له ، سنداً قوياً في الجمعية الإسلامية الباكستانية و حكمتيار، والثري السعودي المنشق أسامة بن لادن ،والذين أصبحوا جميعاً ينادون بالجهاد ضد الأميركيين .

السياسة الخارجية القطرية والبحث عن دور إقليمي

في ظل العولمة و ثورة المعلومات و الاتصالات تنامى الدور الإقليمي و الدولي لدولة قطر، بفعل القوة الناعمة التي تعتمدها في سياستها الخارجية ،كانت قناة الجزيرة إحدى أهم- إن لم تكن أهم- أدوات تلك القوة التي اعتمدت عليها السياسة الخارجية لقطر في تعزيز مكانتها إقليمياً ودولياً.و لذلك فإنه يصعب فهم السياسة القطرية من دون النظر إلي أداء وتوجهات قناة الجزيرة، نظراً للعلاقة التعاضدية بينهما.

فبينما دعمت قطر القناة وأمدتها بالتمويل، عززت الجزيرة دور الدولة القطرية، ومكنتها من اكتساب مكانة إقليمية وعالمية تفوق الوزن السياسي لدولة بحجمها.

تعتبر قناة الجزيرة الحزب السياسي الوحيد المعترف به في دولة قطر، فهو حزب السلطة القطرية ، إذ كان الهدف من قناة (الجزيرة) كسر طوق العزلة الذي ضربته حول الإمارة دول الجيران التي لم يقبل حكامها انقلاب 26 حزيران/يونيو1995 الذي أطاح بالشيخ خليفة آل ثاني.

لكن النتائج فاقت التوقعات ولم يمض وقت طويل حتى تمركزت قناة الجزيرة في قلب اهتمامات المشاهد العربي ونتج عن ذلك أن ظهرت قطر للعيان بسرعة فائقة وبدأت تحتل مكانا رئيسيا في المشهد السياسي الإقليمي العربي، وفهم الأمير أنه وضع يده على سلاح خطير سيمكّنه من إضفاء كامل الشرعية على حكمه للإمارة وإنساء الانقلاب تحت غطاء التعاطف الذي بدأت تجلبه له ولبلاده هذه القناة بنوعية برامجها ومستوياتها المهنية العالية.

لقد مكّن تفتح (الجزيرة) على المعارضين في البلاد العربية من إبراز قوة الاسلام السياسي «النائمة» التي يمثلها تنظيم الاخوان المسلمين في الأردن ومصر وتونس أو حماس في فلسطين أو طالبان في أفغانستان وأصبحت قطر الوسيط بين هذه القوة السياسية المنشقة عن الأنظمة الرسمية وبين المنظمات الدولية معتمدة في ذلك  على علاقاتها القريبة من الولايات المتحدة وتفتحها على إسرائيل.

وكرّست قناة الجزيرة في السنوات 2000 دور قطر الريادي فيما أصبح يسمى بـ«الديبلوماسية  الإعلامية»وصارت الدوحة ملتقى لكل اللاعبين السياسيين وأصحاب القضايا وفضاء مفتوحا للقاءات السرية والمعلنة وحصدت قطر بذلك اعترافاً واحتراماً جعلاها عصيّة على مطامع جارتيها العملاقتين إيران والسعودية وهو ما كان يصبو إليه الأمير من وراء انقلابه على أبيه(7).

التحالف بين قطروالإخوان المسلمين في «سيرورة الربيع العربي »

تبلورت ملامح التحالف الاستراتيجي بين قطر و الإخوان المسلمين في ظل «الربيع العربي»، حيث دعمت قطر مالياً وإعلامياًحركات الإسلام السياسي في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن، وأخيراً سوريا.

كما قامت الجزيرة بتوثيق وتغطية نشاط الحركات الاحتجاجية  في بلدان الربيع العربي ، ولكن مقابل هذا الدعم المعنوي الذي قدمته قناة الجزيرة  للثورات العربية، جاءت تغطيتها لأحداث البحرين في مارس 2011 ضعيفة إلي حد كبير، مما لفت النظر إلى أن السياسة القطرية تنطلق من منطلق عقائدي يتعلق بتعزيز مصالح الإسلام السني.

ويدلل أصحاب هذا الرأي على ذلك بصمت الجزيرة عن الاضطرابات التي حدثت في الجزء الشرقي من السعودية (ذات التركيز الشيعي) وتغطيتها الهزيلة لتوترات البحرين، بينما سلطت الضوء علي سوريا ، وكذلك ما يثار حول تمويلها لجماعات الإسلام السياسي في مصر (8).

وعندما انفجرت ما يسمى انتفاضات «الربيع العربي  »، لام  الزعماء الوهابيّون في المملكة السعودية الإخوان المسلمين  لأنّهم عملوا على إسقاط النظامين في كل من مصر وتونس، كما لاموا الولايات المتحدة الأميركية ، لأنّها تخلّت عنهما.

هكذا وقف النظام السعودي موقفاً مركزياً في الثورة المضادّة، وسحق انتفاضة البحرين في مارس العام 2011. كما أن الرياض قدمت الدعم للملك عبد الله الثاني في مواجهة حركة الاحتجاج في الأردن والتي شارك فيها الإخوان بقوة.

ورغم أن قطر تنتمي مثل السعودية إلى المذهب الوهّابي ، فإنها تميزت في مواقفها عن المملكة السعودية،و اختارت منذ  قيام «الربيع العربي» ، المراهنة على انتصار حركات الإسلام السياسي من الإخوان المسلمين. فإمارة قطر تعتقد أنّها وجدت في الإخوان المسلمين امتداداً لسياساتها، لأنّها لا تملك لا جيشاً ولا دبلوماسيين ولا عددا من الجواسيس كافٍيا للعب دورٍ فعّال في المنطقة.

ازدادت التدخلات القطرية في بلدان الربيع العربي  من خلال تغطية قناة الجزيرة المتحيزة للإخوان المسلمين ،الأمر الذي اعتبره البعض نوعاً من التدخل في شؤون تلك الدول.

ويصف مراقبون قطر بأنها رأس حربة المشروع الأميركي المعروف باسم «الشرق الأوسط الجديد» عبر مساهمتها في إسقاط القيادات العربية غير المرغوب فيها.ونظرا لتحالف الولايات المتحدة الأميركية مع حركات الإخوان المسلمين مع بداية الربيع العربي ، تحولت قطر إلى رأس  حربة أميركا في التعامل مع الإسلام السياسي في المنطقة، فهي تخدم النفوذ الأميركي وتعمل لصالحه.

إذن الأزمة في الأساس لا علاقة لها بدعم قطر للإرهاب إذا أن هذا الأمر لا يتفق مع السياسات التي تنتهجها دول الخليج الثلاثة التي تدعم الجماعات المسلحة التي توصف بالإرهاب في سوريا والعراق وليبيا، بل تسنتد الأزمة إلى اختلاف في رؤية الحكم في قطر (الإمارة الصغيرة) إلى دوره في الإقليم الذي يتنافس مع دور السعودية (الدولة الأكبر) والإمارات.

فقطر منذ انقلاب جوان 1995 والحكم فيها رغم أنه ينتمي إلى التيار المحافظ في الخليج فإنه ينتهج سياسة أقل تزمتا مقارنة بالسعودية التي يسود فيها مذهب سلفي مغرق في رجعيته ويتطلع إلى دور ونفوذ في الإقليم والعالم لا يسمح له حجم بلده.

وقد وجد حاكم قطر أن الإقليم يعيش حالة فراغ سياسي قيادي إذ يفتقد إلى قادة وزعماء أقوياء ولديهم النفوذ والشعبية فلا عبد الناصر ولا بومدين ولا الحسن الثاني وصدام محاصر مع تراجع الأحزاب القومية واليسارية لصالح التيارات الإسلامية الصاعدة، ووجد أن لديه فوائض مالية ضخمة من عوائد الغاز والنفط وإعلام (جزيري) طاغ في المنطقة ولكن ليس لديه تنظيما سياسيا أو دعويا فاتجه إلى تبني جماعة الإخوان المسلمين واعتبارها حزبه الذي سيخوض فيه معركة النفوذ في الإقليم وهذا ما حصل.

وقد جاء تبنيه للإخوان المسلمين في وقت بدات الولايات المتحدة فتح باب التواصل معهم في الوقت نفسه وجد أن الولايات المتحدة هي من سيوفر الحماية له من جاره القوي السعودية فأقام في بلاده قاعدتين عسكريتين للولايات المتحدة على نفقة قطر ولم يوقف علاقته بإسرائيل.

هنا التساؤل المطروح  لماذا تقف السعودية التي كانت حاضنة لجماعة الإخوان المسلمين في عهود سابقة إلى تغيير موقفها والانقلاب على الجماعة ؟والجواب على ذلك

، هو أن سبب هذا الموقف ، وصول الجماعة إلى الحكم في مصر ، وقبلها في تونس (النهضة) ، فمصر الدولة (السنية) الأكبر في الإقليم رغم كل الضعف البنيوي الذي تعيشه بوجود جماعة الإخوان المسلمين في الحكم ، هي أكبر وأعرق تنظيم إسلامي دعوي – سياسي ليس في الإقليم فقط ، ولكن على امتداد العالم الإسلامي .

سيعني أن مصر ، هي من سيمسك بزعامة الإقليم ، التي كانت تاريخيا موضع تنافس بين مصر والسعودية منذ عهد (أسرة ) محمد علي في مصر وتعززت في عهد جمال عبد الناصر ، لذلك مع تبين توجه الإخوان المسلمين إلى إدخال مصر في محور مع تركيا فقد تم التأمر حيث أطاح جنرالات مصر بحكم الإخوان واعتقلوا قياداتهم وشنوا حملة أمنية استئصالية لاجتثاثهم.

أما علاقة قطر المتأزمة مع دولة الإمارات و(أبناء ) زايد بن سلطان ، فقد تفاقمت منذ أن قررت الدوحة التصدي لعناوين «إصلاحية» ونقدية تصيب الإمارات وكل أدوارها (9).

من تداعيات الأزمة الخليجية

أعلنت المملكة العربية السعودية عن جملة من الشروط لعودة العلاقات مع قطر الى طبيعتها ، وأول تلك الشروط ان تعتذر الدوحة رسميا لجميع الحكومات الخليجية، ودول عربية، عما بدر من إساءات من قناة الجزيرة، وأن تتعهد بعدم ممارسة حكومتها لأي دور سياسي يتعارض مع سياسات دول الخليج المتحدة.

كما انه عليها أن تتخلي قطر عن سياستها الداعمة «للإخوان المسلمين » والجماعات المتطرفة في المنطقة، والتراجع عن علاقتها المتنامية مع إيران وحزب الله .ومن بين الشروط المعلنة ايضا تخلي قطر عن جميع أعضاء حركة حماس من أراضيها، وتجميد حساباتهم البنكية وحظر التعامل معهم..

من الواضح من الأزمة الخليجية  القائمة ودوافعها و أسبابها ، أنّ المعركة إنما هي على دور قطر الإقليمي وسياساتها الخارجية، وهي محاولةٌ مكشوفة من الإمارات والسعودية لفرض سياسة خارجية معينة، تلتزم قطر بها.

وفي انتظار ما يمكن ان تؤول اليه جهود الوساطة الكويتية من جهة والتركية من جهة اخرى بعد عرض (أردوغان) التدخل بين الاطراف المعنية فان الارجح ان الدور القطري على مدى السنوات الماضية لم يكن صناعة قطرية ، بل أريد لها ان تضطلع بدور البطولة فيه قبل أن تنتهي المهمة بانتهاء الحاجة إلى ذلك وليس بانتهاء الاسباب التي أدت الى هذا الدور..

فقد كان التعويل على الإخوان المسلمين مع بداية «الربيع العربي»منذ نهاية 2010 ، خيارا واضحا لإدارة الرئيس باراك (اوباما ) ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون، فإنه مع مجيء الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب ، تغيرت الخيارات الأميركية ، إذ إن كفة الاخوان التي استفادت من دعم الدوحة لم تعد الخيار المطلوب أميركيًا في المنطقة.

وهذا ما يؤكد عن نهاية مرحلة قطر، ودورها الإقليمي ، ولكن قد يتحدد لاحقا من سيتولى مواصلة الدور في ثوبه الجديد عندما تتضح الخطة القادمة لتغيير المنطقة مع انتهاء دور «الدواعش » في العراق وسوريا .

من الواضح أن ارتفاع مستوى التعارض بين المحورين التركي-القطري وبين المحور السعودي-الإماراتي معززا بمصر ، يعود سببه التقارب بين المحور التركي-القطري مع إيران المتحالفة مع سوريا.

وهو ما يعكس أيضا حالة الاصطفاف داخل المؤسسة الحاكمة في الولايات المتحدة إزاء كيفية العمل مع روسيا وإيران حيث يتعزز دور روسيا بوصفها طرفا مقبولا لا يرغب أحد في تجاوزه في الوقت الراهن ، لذلك كما يبدو ، فإن أمير قطر تميم بن حمد قد اختار الاصطفاف إلى جانب روسيا- تركيا-إيران وهو ما رفع من مستوى نقمة الحكم السعودي ، وتحديدا محمد بن سلمان على قطر وتبني سياسة تغيير النظام في الدوحة.

وقد ذكرت تقارير استخبارية أن محاولة انقلاب فاشلة للإطاحة بالأمير تميم بن حمد يقوم بها مرتزقة (بلاك ووتر) المقيمين في الإمارات في النصف الأول من شهر جوان \ حزيران الفائت ، لكن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) (التي يعمل لصالحها رئيس بلاك ووتر إريك برنس) تدخلت لإفشال الخطة في مهدها.

وقد أسفرت المحاولة الفاشلة عن رد (محمد) بن سلمان بالعمل بدعم من والده الملك سلمان على الإطاحة بولي العهد السعودي وزير الداخلية محمد بن نايف ، الذي يوصف بأنه صديق لأمير قطر وضد سياسة العداء لقطر، كما أن “سي آي إيه” كانت عارضت الإطاحة بمحمد بن نايف لأنها كانت ترى فيه الأقدر على مكافحة ما تصفه بالإرهاب(10).

لا شك أن من تداعيات الأزمة الخليجية ، سيكون وقف الدعم المالي و العسكري واللوجستي من جانب قطر ، للحركات الإرهابية و التكفيرية في سوريا ،وليبيا، وهذا ما سيفسح في المجال للجيش العربي السوري و حلفائه ، وعوموا كل محور المقاومة ، من كسب الحرب على الإرهاب في المنطقة.

ويلاحظ المتابع  المدقق أن السياسات الخليجية ، تعيش مأزقًا متفاقمًا، كلما عالجت جانبًا منه، انفتحت الجوانب الأخرى على إشكالات معقدة، وطبيعي ألاّ تكون الأزمة الخليجية و ليدة هذه اللحظة التاريخية ، و ألاّ تكون عابرة.

إنها نتيجة لمأزق الكيانات القائمة، التي قامت على أساس التخلف و التجزئة و في ظل التبعية للإمبريالية الغربية، و على رأسها الولايات المتحدة الأميركية.

لقد قامت الكيانات السياسية الخليجية الحديثة( 1926-1971) على أساس الخريطة الاستعمارية ، وكانت هذه الخريطة الاستعمارية تستهدف منذ البدء ، ترسيخ أقانيم الواقع العربي الثلاثة : التخلف و التجزئة و التبعية للغرب الاستعماري و الإمبريالي.

ولذلك قامت الدول الخليجية على أساس هذه الخريطة، من دون أن يكون لها مقوّمات الدول القادرة على الحياة السليمة في العصر الحديث.وظل واقع  القصور و العجز يؤكد هذه الحقيقة، منذ قيام هذه الدول الخليجية. وتمثل هذافي  ميادين عدة:منها:

أولاً: عجز الدول المستقلة الحديثة النشأة من تأكيد استقلالها أمام تحديات الإمبريالية الأميركية الخارجية، فكيف تستطيع دول خليجية صغيرة أو صغيرة نسبيا ، ومتخلفة، وتابعة، أن ترسي دعائم استقلال حقيقي، في ظل صراع الدول الإمبريالية الكبرى على الأسواق و النفط و الغاز، وصراع هذه الدول الإمبريالية والكيان الصهيوني مع محور المقاومة ، المتكون من الجمهورية الإسلامية و(حزب ) الله وسوريا.

ثانيًا: عجز هذه الدول الخليجية عن حماية أمنها الوطني ، فكانت تبحث دائما عن حماية من جانب الإمبريالية الأميركية ، لا سيما أن العائلات الحاكمة في الدول الخليجية ، تستهلك معظم الدخل من الريع النفطي لمصالحها و في مشاريعها.

ولذلك ، بات الاعتماد على الأسواق الإمبريالية الأميركية رئيسًا، لا في ميدان السلع المصنعة فحسب، بل في ميدان الزراعة ، وعقد صفقات شراء السلاح،من المركب الصناعي العسكري الأميركي ، الذي تهيمن عليه كبريات الشركات المساهمة العملاقة الأميركية.

ثالثًا: لقد قامت الدول الخليجية  ضمن إطار التخطيط الإستعماري، ولذلك فإنها كلها دول مصطنعة، صغيرة، قليلة السكان، وليس لها مقومات وجود الدولتين ذات الشأن في الجزيرة، وهي المملكة السعودية، واليمن.

فمعظم الدول الخليجية التي استقلت بعد سنة 1960، تعيش منذ ولادتها إشكالية الخشية من جيرانها الأقوياء: إيران، العراق، المملكة السعودية ، ولذلك ، فإن هذه الدول الصغيرة، التجأت إلى حماية الدول الكبيرة الأقرب إليها، وهي المملكة السعودية، وكونت معها مجلس التعاون الخليجي في سنة 1981،مستثنية اليمن ، والعراق حين كان  يخوض حربه نيابة عن الإمبريالية الغربية والرجعية العربية ضد إيران.

إلاّ أن دول مجلس التعاون الخليجي، لم تكن فرادى وجماعة، واثقة من القدرة على الاعتماد على قوتها…ولذلك، فإنها ظلت تراهن على حماية الإمبريالية الأميركية .

وتحاول الإدارات الأميركية المتعاقبة، لا سيما إدارة دونالد ترامب الحالية، استثمار هذا الخوف  في دول مجلس التعاون الخليجي ، لتدفع أنظمة الخليج إلى طلب المزيد من الأسلحة الأميركية ، ولتستنزف المزيد من مدخرات الدول الخليجية .

وفي هذا الوقت تتدنى أسعار النفط إلى حدود 40 دولار للبرميل الواحد،ويخف الطلب عليه، فتتدني مداخيل هذه الدول الخليجية، ويدخل الجميع في أزمة خانقة.

في واشنطن هناك رؤى مختلفة في كيفية التعامل ومعالجة الأزمة الخليجية إذ ينتشر حديث عن صراع يدور بين البيت الأبيض ودولة الأمن القومي التي توصف بالدولة العميقة إزاء معالجة الأزمة وكيفية التعامل مع حكام يصفونهم بقلة الخبرة والتهور في السعودية والإمارات.

ما تسعى إليه (حكومة ) ترامب هو العمل على توحيد دول مجلس التعاون الخليجي وراء خططها ضد إيران . لا توجد سوى فرصة صغيرة أمامها لتحقيق. إذ تعتبر إيران شريكا تجاريا مهما في الكويت وقطر والإمارات وسلطنة عمان ، وهذه البلدان ليس لديها ما تكسبه من أي حرب مع إيران.

لذلك ينظر إلى إيران بوصفها الفائز الوحيد في الأزمة التي تعصف بمجلس التعاون الخليجي، وفي حالة استمرار الحصار السعودي على قطر، فإن المزارعين الإيرانيين سيبيعون أكثر من 400 ألف طن من الأغذية سنويا إلى قطر. الحديد والصلب والخرسانة ، هي منتجات الصادرات المحتملة الأخرى لإيران. كما ازدادت حركة النقل الجوي المريحة في المجال الجوي الإيراني بنسبة 17٪ منذ أن حظرت السلطات السعودية رحلات الخطوط الجوية القطرية عبر أجوائها. وسوف تبيع ايران المزيد من الغاز الطبيعي فى حالة تضرر صادرات الغاز القطري.

وتدرس حكومة ترامب عقد قمة في (كامب ) ديفيد لحل الأزمة الخليجية تشارك فيها الدول الخليجية الست ومصر إلى جانب دول أخرى ، لم يجر بعد الكشف عن أسمائها وطبقا لما رشح من معلومات ، فإن البيت الأبيض يريد أن يعلن المجتمعون تنصلهم من جماعة الإخوان المسلمين بدعوى أن ذلك سيساهم في استقرار المنطقة بشكل عام، كما يتوجب على المجتمعين أن يتعهدوا بالعمل بمن فيهم قطر بوقف اي تمويل ودعم للجماعات المتطرفة(11) .

الهوامش:

(7)- محمد الوافي، قناة الجزيرة، كساحة سياسية بديلة ،مجلة لوموند ديبلوماتيك، النسخة العربية، آيار/مايو 2011.

(8)- المرجع السابق عينه.

(9)- ماتياس زايلَر،محاولة عزل قطر:هل تتعافى المنطقة العربية من عدوى ترامب؟ ترجمة: رائد الباش،حقوق النشر ،موقع قنطرة15حزيران/يونيو 2017،ar.Qantara

(10)-المصدر السابق عينه.

(11)-المصدر السابق عينه.