aren

الأب”رويس الأورشليمي”:متمسكون بأرضنا ولا هجرة الا الى السماء..ومن يحمي المسيحيين في مصر،هم المسلمون
الثلاثاء - 11 - أبريل - 2017

تعريف :

الأب رويس الأورشليمي ، رئيس طائفة الأقباط الأرثوذكسية في لبنان.

هو، كاهن أبرشية الأقباط الأرثوذكس في لبنان – كنيسة سيّدة العذراء والقديس مار مرقس الرسول

مكتب التجدد – (بيروت)

اعداد : أورنيلا سكر

  • نص الحوار

بدايةً ، هل لكم تعرفوا لنا من هم ” الأقباط ” ؟

ان كلمة (الأقباط ) ، اشتقت من كلمة القبط ، والأقباط هم أبناء “مصر ايم أبن حام أبن نوح ” سكان الأرض ، التي تتعبد للاله (هيكوبتاح) ، وبحذف الحرفين الأولين والأخيرين ، تظهر كلمة “كوبت” ، وتطورت إلى كلمة ” قبط ” ، ومنه أخذ الأغريق يطلقون على مصر ” إيجبت “.

وأطلق العرب على مصر “دار القبط” ، إذاً الأقباط هم سكان الأرض الأصليين ، وسلالة الفراعنة ، حيث إن اللغة القبطية ، قد تطورت من اللغة (الهيروغليفية) ، والتي هي لغة الفراعنة، وأحب أن أشير الى أن للأقباط ، وصية من الرسول الكريم ، حيث قال: ” أوصيكم بأقباط مصر خيراً لأن لكم فيهم صهراً ونسباً “.

ما كان دور الأقباط على مر العصور ؟

يشير التاريخ ، إلى أن المصريين كانوا قد استقبلوا ( أبو الآباء ) النبي “إبراهيم” ، الذي تزوج بـ”هاجر” هناك ، ومن بعده “يوسف” ، الذي أصبح عزيزاً ـ أي وزيراً ـ في مصر، كما استقبلوا النبي (يعقوب ) ، حين كان الجوع يعم الأرض ، وأيضا في مصر تربى (النبي) موسى.

عرف المصريين ديانة التوحيد قبل ” اليهودية والمسيحية والإسلام ” ، ففي جبل سيناء ” كلم ” الله موسى ، وأعطاه الوصايا العشر، وكانت العائلة المقدسة توجهت إلى مصر ، هرباً من “هيردوس” في فلسطين ، وعاشوا في مصر ما يقارب 4 سنوات.

وفي مصر ، بشر “مرقس” الرسول وانتشرت المسيحية ، حتى مطلع القرن السابع ، حين دخل العرب (مصر) دون حرب ، بعد مساومة (المقوقس). لقد قاوم الأقباط ، الافرنجة (الصليبيين) ، حتى أنهم اشتركوا مع “صلاح الدين الأيوبي” ضد الافرنجة ، وكان من قادة جيوش صلاح الدين ، القائد “عيسى العوام” ، وهو الذي فتح “عكا” ، وكان قبطياً.

وتخليداً لهذه الذكرى ، أطلق الأقباط على أحد أديرتنا في القدس ( دير السلطان ) ، وكان اسمه دير ” قبة مغارة الصليب ” ، كما قاوم الأقباط أيضاً ، الحملات الفرنسية والانجليزية على مصر

ما هي رؤية الأقباط ل(مصر) والوطن العربي ، في ظل هذا الاعصار التكفييري ؟

نؤكد على الروح الوطنية في الرؤية التي يحملها الأقباط ، وذلك من خلال رفضهم للفرنسيين والانجليز لقناعتهم بأن كل دخيل هو (مستعمر) ، لم يأتِ إلا طمعاً في خيرات البلاد ، حتى لو أتى باسم الدين .

فما الشعارات الدينية بالنسبة لهم ، إلا ستار يختبئ وراءه لصوص لهم أهداف أخرى ، ولا يهمهم حال الناس بل مصالحهم فقط ، فلا يعرفون الديمقراطية ، ويتكلمون عنها ويتاجرون بها ، مصدرين لنا بضاعاتهم الفاسدة ، في علب الحرية الزائفة.

وكذلك ، رفض الأقباط التطبيع مع إسرائيل ، فاختلفوا مع الرئيس الراحل “أنور السادات” برفض البابا ” شنودة ” أن يزور الأقباط  للقدس وهي تحت الاحتلال الإسرائيلي .

فدفع الأقباط الثمن في كلا الدولتين ، ففي مصر قام الرئيس (السادات ) بوضع قداسة البابا ” شنودة الثالث ” تحت الإقامة الجبرية ، كما قام أيضاً بحبس المطارنة والكهنة والأرخنة الأقباط ، في السجون .

أما في إسرائيل ، فقد قامت سلطات الاحتلال الإسرائيلي باحتلال “دير السلطان” ، وما زال تحت الاحتلال حتى اليوم ، عقاباً لرفض الأقباط التطبيع ،إلى جانب التضييق على الطائفة في إعادة ترميم وتعمير الأديرة ، هناك.

وأريد لفت الانتباه إلى إن المشاريع ، التي يُخطط لها في بلاد المشرق كبيرة ، فمنها التكفيري ومنها التهجيري ومنها التقسيمي ، وكل هذه المشاريع برعاية العدو الإسرائيلي ، وحتى لو كان من ينفذ هذه المشاريع ، ليس هذا العدو ، لكنه يستخدم أيادٍ أخرى رخيصة الكلفة ، وأحياناً دون أدنى كلفة وأدعو إلى التصدي لهذه المشاريع من خلال :

أولاً ، الثبات في أوطاننا ، وتعليم أبنائنا ، بأن هذه الأرض قد رويت بدماء أجدادنا وقديسينا وأبرارنا ، وترابها يفوح بعبق رائحتهم الزكية ، ولا يمكن أن نفرط في تراب أرض أجدادنا ، مهما كانت التحديات .

ثانياً ، أخذ العبرة من الماضي ، فجميع الامبراطوريات التي احتلت بلادنا ، قد مضت إلى غير رجعة ، وكل الغزاة قد عادوا إلى بلادهم خائبين ، وكذلك فإن الجماعات التكفيرية ، ليس لها مكان وسطنا ، طالما أننا متمسكين بوحدتنا الوطنية ، وعيشنا المشترك ، وكما قال البابا شنودة : ” إن مصر ليست وطناً نعيش فيه ، بل وطن يعيش فينا”.

ثالثاً ، إن لقاءاتنا الأخوية ، هي السبيل لإفشال كل مخططات الفتنة ، وكشف وجهها القبيح وتعرية كل من يثير هذه الفتن ، وتعزيز روح الأخوة من خلال مؤسسات دينية مشتركة مثل ” بيت العائلة ” الذي يضم ( الأزهر ) و ( الكنيسة )

رابعاً ، معرفة العدو الأساسي وتوجيه البوصلة صوبه ، فهو الذي يريد إضعاف جيشنا الوطني وتقسيم بلادنا لإضعافنا ، ومن ثم الانقضاض علينا تحت شعار الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان وما شابه ذلك.

لذلك ، قال البابا ” تواضروس الثاني” حين حرق (الأخوان المسلمين ) كنائسنا في مصر : ” نريد “وطنا بلا كنائس ، أفضل من كنائس بلا وطن “.

لقد شهدنا عمليات تفجير كنائس وتعدّي على المقدسات ، برأيكم ما هي المخاطر التي تحيط حقيقةً بمسيحيي الشرق وكيف تؤثر في حضورهم ودورهم أكان في مصر أم في المشرق العربي؟

ان المخاطر التي تحيط بنا اليوم ، لا تشكل تهديد وجودي فقط لمسيحيي الشرق ، بل لمسلميه أيضاً ، وبفضل هؤلاء العقلاء والمتنورين ، فانهم سيسهمون في تحسين ظروف هذه المنطقة ، والحدّ من هذا التطرف والتكفير على يد هذه الجماعات الظلامية .

هناك نوعان من المخاطر ، وهي تتوزع بين غياب الديمقراطية ، والظروف الاقتصادية الصعبة والعقليات المتخلفة والهجرة ، الى جانب انعدام سيادة القانون ، هذه الامور هي التي دفعت أهل هذا المنطقة الى الهجرة.

امام هذا المشهد العربي، الذي يعكس حالة التهجير المنظم والقتل والخوف… برأيكم  كيف ينعكس هذا الصمود كله الذي تحدثتم عنه ، على جحم وجود ودور الاقليات بمختلف مسمياتها؟

ان الوطن ، ليس أن نعيش فيه ، بل يعيش فينا ، وهذه مدرستنا ومبادئنا ، نحن متمسكون بارضنا وهويتنا وتاريخنا ولنا قومية ، ووجودنا من وجود المسلمين وأمنهم .

ان أي حديث عن الاستقرار والسلام ، يتطلب أن نكون وطنيين ومخلصين ، وأن ندرك ما هي حقوقنا و واجباتنا ، فنحن متمسكون بارضنا ، ولا هجرة الا الى السماء.

لقد شهدنا في الآونة الأخيرة ، حملات احتجاج للاقباط في واشنطن ، ودعوات من اجل حماية اقباط مصر . برأيكم هل الاقباط اليوم يطمحون الى الوحدة الوطنية أم الى الانفصال ، كيف تفسرون ذلك ؟

بالتاكيد نحن متجذرين ومتمسكين بالوحدة الوطنية ، ونعيش بوطن واحد ونعمل على بناء وحدة مشتركة.

ان هذه الدعوات لا تعبر عن جميع الاقباط في مصر ، فالرئيس (السيسي) وعد أنه سيبني كنيسة الى جانب أكبر جامع في الشرق الاوسط ، فعلاقتنا جيدة بالمسلمين ، وما يجري في الخارج من احتجاجات ، فانها مجرد تعبير عن حرية الرأي ، فمن يحمي المسيحيين في مصر ، هم المسلمون قبل المسيحيين ، فهم شركاء في الوطن ، وهذا شهدناه .

ونحن لا نعتمد على ما يقال ، لاننا قد شاهدنا بأم أعيننا ماذا حدث في مصر ، ما أقصده تحديداً ان المسلمين لهم دينهم ولنا ديننا ، ونحن شركاء في الوطن .

لماذا برأيكم الكنيسة في مصر لم تستجب لصوت الاقباط  سواء كان في الخارج أم في الداخل ، ألا تعتقدون بضروروة ذلك في ظل هذه التحديات والنزيف الذي تتعرض له مجتمعات العالم العربي ؟

ان هذا الصوت ، لا يعبر عن الأقباط كلهم ، فذلك مجرد تعبير عن حرية رأي بعض محدودي العقل ، وأنا أريد أن أتساءل معكم ، هل الاميركيون ، قد حموا مسيحيي العراق ، سوريا ، فلسطين ، ولبنان عندما تم الاعتداء عليهم من قبل  ( الاخوان المسلمين ) .

ان الدور الغربي لا علاقة له بنا ، المشكلة ليست بالدين ، فهناك أطماع سياسية تستهدف مصلحة (اليهود ) لكي يعود هناك كنيسة مشرقية تطالب بحقها في كنيسة القيامة بالقدس ، وذلك من خلال زرع الفوضى الخلاقة ، وتفتيت المنطقة الى طوائف ومذاهب متناحرة ، ودخولها في صراعات انفصالية .

فعلى سبيل المثال ما حدث في (ليبيا ) ، لو لم يتدخل الغرب لما حدث ما حدث ، الغرب بعقله الصهيوني المُسيطر،  يجهد لتهجير وتخريب وتقسيم المقسم ، فتصبح منطقة ( ولادة المسيح ) بلا مسيحيين ، فيُعمم مقولة : ” الفاتيكان مرجعية المسيحيين ، ومكة مرجعية المسلمين ، و أورشليم القدس مرجعية اليهود” .

وبالطبع ، يجب على الصوت المسيحي أن يتوحد ، ولكن دون الاعتماد على الغرب ، فالغرب لم يعد مسيحياً عقائديا ، ولا حتى على مستوى السلطات الحكم السياسية .

الغرب خرج عموماً عن الاطار الديني بما يخص أنظمة الحكم والمراجع الدينية ، لذلك لانرى له دور فاعل بالنسبة لحماية مسيحيي المشرق ، وبالتالي فان المطلوب توحيد صوت مسيحيي الشرق ومسلميه مع بعضهما ، وحتى ضمن (الطائفة ) الواحدة ، لتحقيق الاستقرار والسلام ، والتلاقي في المجال التسامحي .

كيف تقرأ دور الغرب في ما يتعرض له (المسيحيون) في العالم وتحديداً في المشرق العربي ؟

ان الغرب مسؤول عن جرى ويجري في منطقة العربية والمشرقية ، عبر تفريغ الشرق من مسيحييه ، وذلك بتوظيف المشاعر الانسانية ، لتشجيع أو تبرير تهجير المسيحيين .

فهي ليست شريكة بالتهجير ، بل بالتشجيع على استيعابهم تحت غطاء الانسانية ، وهذا يعد بمثابة وجهان لعملة واحدة ، فمثلا مسيحيي فلسطين ، هجرتهم اسرائيل ، وشجعهم الغرب الأوروبي عبر استيعابهم في مجتمعه.

أين يقف (الفاتيكان ) و( الأزهر) من التطرف الذي يغزو عموم المنطقة  ؟

نحن لدينا كنيستنا في مصر ، ولا نستطيع أن نحمل الفاتيكان مسؤولية أكبر من طاقتها . نحن نشجع وندعم مواقف البابا فرنسيس على شجاعته وانسانيته ومواقفه الداعية الى العيش المشترك ، والحفاظ على الوجود المسيحي ، ونشر ثقافة حوار الحضارات .

وأخص بالذكر ، أنه عندما جاءنا وزير خارجية اميركا (جون) كيري ، لم تستقبله كنيستنا ، لأنه لا يملك شيء نقوله له ، فنحن كنيسة مستقلة وطنية ، أما بما يخص (الأزهر ) ، فالأزهر يتعاون ويطرح نفسه وسيطاً من اجل محاربة الارهاب والفكر التكفيير ، لكن هناك جماعات متطرفة ، تحتاج الى الكثير من الوقت والصبر ، لعبور منطق الظلام والتكفير والتعصب ، والالتقاء في المجال الانساني التسامحي .

ان الفاتيكان والازهر ، يقومان بدورهما من أجل حفظ السلام ، لكن لا يرتقي الى مستوى قيادي عالمي ، وهذا بفضل عقلية النخبة الحاكمة ، التي انصرفت الى (اللاهوت ) بدلا من التخطيط السياسي .

والبعض ، يرى أن تفريغ الشرق من مسيحييه ، سيعزز مصلحة الفاتيكان ، لكي تكون السكة الوحيدة الحاكمة في العالم ، والغاء الكنيسة المشرقية ، أنا حقيقةً لا اعتقد بهذا ، ولكن هذا هو المتداول اليوم ، والسؤال هنا ، هل الفاتيكان يثبت العكس ؟ .

أما بما يتعلق بمؤسسة الازهر ، فعليها أن تكون أكثر جرأة في حل مسائل متعلقة في الفقه والاصلاح الديني ، ليكون في خدمة التنوير ، وتأويل معاصر ، وأكثر انساني ، يثبت من خلال ذلك أن (الاسلام) ، يستطيع التعايش مع أهل الأديان ، وأن الصراع مفتعل ، يستهدف المنطقة ومكوناتها على أساس أنهم قنابل موقوتة.

فالأزهر ، لديه مسؤولية اعلان موقف واضح من (الاسلاموية) و(الاسلاموفوبيا) ، لان ذلك يضر بالمسلمين.

ما هو دور اسرائيل في الصراع الاثنية والمذهبية في العالم العربي  ؟

ان اسرائيل ،هي سبب كل مآساتنا ومعناتنا ، فهي من ساهمت بهذا المشروع التدميري ، وانشاءت هؤلاء الجماعات التكفيرية ، والتصدي لهذه المخططات ، لا يتم الا عبر الوحدة والتلاحم.

ان اسرائيل ، هي التي جعلت الجميع مستهدف في دينه ووجوده ، سواء أكان على المستوى جماعة دينية ، باسم دين معين أو باسم العلمانية ، أم بخلق صراعات اثنية وطائفية ، وعدوان واستعمار عبر سياسة فرق تسد.

لقد استطاعت اسرائيل أن تتفادى عبر التاريخ ، الصراعات الكبرى في العالم ، أمثال الحرب العالمية الاولى ، الذي انتج لها (وعد بلفور) ، والحرب العالمية الثانية ، التي انتجت توسع الكيان الاسرائيلي ، وحتى عندما انهار الاتحاد السوفياتي ، قامت اسرائيل بلعب دورها الاستراتيجي ،  فكانت حرب الحضارات بين الشرق بأكثريته الاسلامية والغرب بأكثريته المسيحية .

كيف ترون افرازات الربيع العربي على مصر ، وانعكساته على سيرورة المجتمع المصري في تجربته الديمقراطية بحثا من اجل التعددية والمواطنة ؟

هذا الربيع كان (عبرياً) ، وساهم في تقوية اسرائيل من خلال اختصار تجربة ثورة يناير 25 فقط بالاخوان المسلمين ، الذين استغلوه و قطفوا ثماره في الحكم لمة (سنة ) ، وضعوا خلالها مصر في حالة عجز اقتصادي ، وتقديم الولاء لاسرائيل ، ولدول أجنبية .

مع العلم ان مصر ، قد حكمها الرئيس حسني مبارك أكثر من 40سنة ، فان تختصر أدبيات وشعارات الثورة ب(الاخوان) فهذا افتراء ومؤامرة ، والدليل ان مصر ، كان حجم احتياطها النفطي 36 مليار$ سنويا ، واليوم وصل احتياط النفطي الى 17 مليار ، وخو دليل سوء ادارة ، وتخطيط وعمل . هذا ليس ربيعاً عربياً ، بل شتاءاً عبرياً .

التجدد : شكرا جزيلا . 

الأب رويس : شكرا لكم .

……………………………………………………………………………………………………………………………………..

التجدد : هذه المقابلة جرت على هامش مشاركة (الأب ) رويس الأورشليمي بمنتدى الأربعاء في مؤسسة الإمام الحكيم ، تحت عنوان: “الأقباط في المشرق : الدور، الرؤية والمشروع ” .