aren

استهداف امريكا لدمشق مجددا .. لماذا؟ \\ كتابة : د.حسام العتوم
السبت - 27 - يونيو - 2020

سورية

بداية اسجل هنا عدم مقدرتي على استيعاب الدور الامريكي السلبي في العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 التي شاركت فيها الى جانب السوفييت و الحلفاء , و ساهمت في نهاياتها بتأسيس الامم المتحدة , و الذهاب الى الامام لقيادة القطب الواحد العالمي بعد الاختلاف على تقاسم النصر , وهو الدور الواجب ان كان ايجابيا و استمر بعد ذلك و حتى الساعة.

ولقد ارتكبت امريكا خطيئة بشرية لاتغفر بضربها مدينتي ناكازاكي , و هوريشيما اليابانيتين بقنبلتين نوويتين لازال تأثيرهما المأساوي حاضرا . واعلنت بعد ذلك قيادتها للحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي لعدم قبولها سرا النصر الكبير الذي حققه اثناء مطاردة النازية الالمانية الى عمق برلين , و رفع العلم السوفييتي وقتها فوق الرايخ ( البرلمان الالماني) .و استمرت حتى يومنا هذا تتموج في حربها الباردة لمواجهة صعود نجم الفيدرالية الروسية كقوة عظمى رديفة لقوتها تتوازن معها علنا , و ربما تتفوق عليها وعلى حلفها الناتو في الشأن العسكري النووي سرا على الارض و في الفضاء ومن دون حلف عسكري . وتستمر امريكا اليوم في مواجهة صعود نجم الصين الاقتصادي ,و توجيه تهمة تصنيع فايروس كورونا COVID19 لها.

وصولات لأمريكا في مواجهة القوة النووية لكوريا الشمالية , ولمنع ايران من الاقتراب من الصناعة النووية سرا خوفا على امن اسرائيل بعد التظاهر من الخوف على امن العالم . و تحرش امريكي مستمر بأفغانستان قبل و بعد سقوط الاتحاد السوفييتي انعكس سلبا عليها في احداث 11 سمبتمبر بعد تصدير ارهاب تنظيم القاعدة الى عمقها في النيويورك وواشنطن . و اجتياح سافر للعراق عام 2003 , و التسبب في انهيار نظامه , و اعدام رئيسه المنتخب الزعيم العربي الشهيد صدام حسين بعد تسليمه و العراق لايران , و التحجج بأمتلاكه للصناعة النووية التي ثبت فشلها و دحضها ,و فتح سجن ابوغريب للتعذيب ذائع الصيت فيه . و فتح سجن دولي اخرمثيلا له في عمق امريكا نفسها اطلقت عليه اسم ( غوانتينامو ) .

وتدخل امريكي في ليبيا , و التسبب بالتعاون مع حلفها الناتو بأعدام معمر القذافي بطريقة وحشية خارج العمل على محاكمته علنا . وعبث بالورقة اليمنية و ترك اليمن لحوثيين ايران , و التسبب في اعدام الرئيس اليمني علي عبد الله صالح خادم استقرار اليمن اكثر من 30 عاما . ودخول امريكي الى الازمة السورية منذ انطلاقتها وسط الربيع العربي عام 2011 من دون دعوة رسمية , و تحريض للعرب على النظام السوري في دمشق بحجة ممارسته للدكتاتورية ضد شعبه السوري , ولممارسته قتل شعبه حسب رأيهم و موقفهم .

والتسبب في شرخ عميق بين العرب و النظام السوري و بالعكس لا زالت اثاره ماثلة حتى اليوم . و رغم المساعدات الانسانية التي قدمها و يقدمها العرب للشعب السوري وعبر منطقة خفض التصعيد في الجنوب السوري خاصة , الا ان دمشق الرسمي غير مقتنع بالورقة العربية الى جانبه حتى الساعة . و في المقابل للدولة السورية علاقات خاصة مع ايران مزعجة للعرب من وسط هلالها الشيعي الصفوي الضارب في عمقهم , و المحتل لجزر الامارات , و المحرك لحزب الله . ولم نلاحظ في المقابل اي جهد لايران هدف لتحرير فلسطين , او الجولان – الهضبة السورية المحتلة منذ عام 1967 , و لا لمزارع و تلال شبعا اللبنانية .

وعندما تحركت امريكا بداية صوب سوريا ومن دون دعوة رسمية من دمشق عام 2011 كما اسلفت , وسعت الازمة السورية , و حولتها الى سورية عربية من دون الحاجة هنا لذكر التفاصيل تجنبا للاحراج . و لم تتمكن من السيطرة على ملف الارهاب الذي تم الزج به وسط ربيع العرب لابعاده عن هدفه الاصيل , وهو الربيع الذي نادى بتفكيك الاستبداد , و الديكتاتورية , والظلم عن الشعوب العربية المتضررة . و تحركت لاحقا لنقل الارهاب المنشطر عن تنظيم القاعدة و المتحول الى عصابات شريرة على شكل ( داعش و نصرة ) , و المتحرك من افغانستان عبر العراق و سوريا الى ليبيا و اليمن و ,الى سيناء, والى غير مكان حسب الحاجة القتالية و السياسية لامريكا نفسها . وبدلا من تفكيك تواجد الترسانة الكيماوية الرسمية للجيش السوري التي باتت تشكل خطرا على الدولة السورية و على المنطقة ,ومنها العربية , عقدت المسألة و شنجت موضوع الترسانة , و حولتها الى حالة تهديد حقيقية لدول الجوار السوري , و حركت منصات الباتريوت من الخليج لتتمكن من الدفاع عن اقطار العرب .

وقابل هذه المعادلة الامريكية و بكامل كيميائها المعقدة الدخول الروسي الى سوريا عسكريا و بقوة لمطاردة الارهاب بشجاعة ووضوح عام 2015 , وهو ما حصل فعلا , و تم بجهدها اخلاء سوريا من الارهاب بكافة اصنافه الى جانب الجهد الامريكي و قوات التحالف بكل تأكيد , و قوبلت روسيا في المقابل بدعاية مضادة يمكن تصنيفها بالفوبيا الروسيا , و الرهاب الذي ثبت بأنه غير مبرر .

وكتابي الاخير ” الرهاب الروسي غير المبرر ” الصادر هذا العام 2020 , يسلط الضوء على الدعاية الرمادية التي حركتها الحرب الباردة بقيادة امريكا و اعلامها , و بعض اعلامات العرب . وخير من انصف الدور الروسي في المنطقة المرحوم كامل ابو جابر وزير خارجيتنا الاسبق عندما وشح مقدمة كتابي قائلا بأن ” الوجود الروسي على صعيد المنطقة و العالم ضروري و سلمي , و الاستشعار بالرهاب الروسي مفتعل وغير واقعي وغير مبرر” .

والهدف بعيد المدى وكما اعتقد شخصيا كمراقب لاحداث المنطقة , هو اخراج روسيا من سوريا ,وكذلك ايران , و ابقاء الميدان السوري مفتوحا للخيار الامريكي الذي ينادي و لازال بالتخلص من نظام دمشق المتهم من طرفها بقتل شعبه . وهنا بأمكان المراقب ان يسجل , و يلاحظ , و يقارن بين عدد سكان سوريا الذي تجاوز ال 18 مليون نسمة , و بين المتضررين من المدنيين قتلا و تشريدا جراء التدخل الخارجي , و جراء الارهاب الذي استوطن في سوريا بعد اندلاع ازمتها الدموية. و ان يقارن بين العقلية السياسية الروسية المعاصرة الداعية لتحرير سوريا من الارهاب , و بين الدور الروسي و السوفييتي التاريخي الذي حر بلاد السوفييت من ارهاب نازية هتلر عام 1945 , وانقذ شعوب العالم كمثل , ودفع فاتورة من الشهداء و صلت الى حوالي 27 مليون شهيدا . ولاتخلو اية حروب في التاريخ و منه المعاصر, و منها الروسية من وقوع الاخطاء بطبيعة الحال , وهو الامر الذي الذي اشار اليه الرئيس بشار الاسد اكثر من مرة.

ولا وجود لتفكير داخل العقلية السياسية و العسكرية الروسية اسمه البحث عن الاطفال , و المدنيين في سوريا مثلا لقتلهم . لكنها ماكنة الاعلام الغربية المغرضة , والى جانبها بعض القنوات العربية دون الحاجة لذكرها هنا . وروسيا ليست بحاجة لدعاية لتثبت دورها الانساني الى جانب التحريري , و مساعداتها الانسانية لسوريا شاهدة عيان , ومن وسطها معسكرات في داخل روسيا لشباب سوريا , و سحب لابناء الامهات الروسيات تجاه الداخل الروسي , اللواتي غرر بهن الارهاب , وتنظيف للالغام في تدمر و في غير مكان سوري.

وفي المقابل ايضا لاحظنا كيف تمكنت روسيا من استدراج امريكا عبر حوارات و مفاوضات جنيف , و الاستانا , و سوتشي , لتفكيك الترسانة الكيماوية السورية للجيش السوري عام 2015 بالتعاون مع مجلس الامن , و الامم المتحدة . و كيف تمكنت روسيا من استقطاب امريكا للمشاركة في مناطق خفض التصعيد بهدف اعادة اللاجيء السوري الى وطنه سوريا طوعا . و شتان بين المطالبة الامريكية بأسقاط نظام دمشق , و بين مناداة روسيا بالدعوة لاستبدال سلطة دمشق عبر صناديق الاقتراع , و عبر تعديل الدستور لضمان تداول السلطة بطريقة ديموقراطية تقبلها الموالاة و المعارضة الوطنية معا.

وبطبيعة الحال ثمة فرق بين الاسد و نظامه , وان كان بقاء الاول يصب في مصلحة ثبات الثاني, والعكس صحيح ايضا . ومشروع    (قيصر) الامريكي الجديد جزء لا يتجزء من صفقة القرن المشئومة , ويهدف الى زعزعة استقرار سوريا عبر تشكيل لائحة اتهام مالية لأهم اسماء رموز النظام السوري تماما كما فعلت امريكا مع العراق قبل هدمة كليا . و امريكا بدأت صفقة قرنها و بالتعاون مع اسرائيل من خلال اسرلة الجولان – الهضبة السورية العربية في الموضوع السوري . و سبقت خطوتها تلك بالدعوة لترحيل سفارتها و سفارات العالم الى القدس . وتبعت ذلك بأسناد اسرائيل لضم غور الاردن و شمال البحر الميت من الضفة الغربية ضاربة بعرض الحائط قواعد القانون الدولي عبر الامم المتحدة , و مجلس الامن و , المحكمة الدولية . و ذاهبة الى اعتماد شريعة الغاب و سياسة الكاوبوي المعروفة . و من اهداف مشروع ” قيصر ” اجتثاث الوجود الروسي, و الايراني , و وجود حزب الله فوق الاراضي السورية وتجريد سلاحه لاحقا , لتخلو الساحة لمشروع امريكا الخادم مباشرة لاسرائيل الاحتلالية التوسعية الاستيطانية و بالتدريج , و التاريخ المعاصر شاهد عيان .

وقصة و قضية الجندي السوري المنشق منذ عام 2013 (قيصر) التي نقلها الى امريكا على شكل صور فوتوغرافيه تدين النظام السوري , و تتحدث عن جريمة حرب ,هي من اختصاص حقوق الانسان و المحكمة الدولية , وليست من اختصاص الولايات المتحدة الامريكية الغارقة اصلا في داخلها بقضية ( العنصرية – ابيض اسود ) التي لازالت حاضرة حتى الان و متفاعلة منذ خنق و اغتيال الامريكي من اصول افريقية جورج فلويد George Floyd بتاريخ 25 ايار 2020 , ,والعنصرية متجذرة في التاريخ الامريكي منذ الاستعمار البريطاني , و تجارة العبيد بعد القرن السادس عشر , و الاولوية في امريكا للبروتستانت الانجلو – سكسونيون البيض الاغنياء . ومصائب امريكا في الخارج كبيرة تكرر في وقتنا المعاصر امام شعوب العالم.

والان مستشار الرئيس دونالد ترمب جون بولتون يفجر قنبلة سياسية كبيرة بوجه رئيسه , وفي حضن امريكا . فلماذا تعين امريكا نفسها محاميا عن الشعب السوري , و شعوب العالم ؟ اليس الشعب الفلسطيني مظلوما الان من سلوك امريكا المنحاز لاسرائيل المحتلة لارضه و قدسه , و المانع لقيام دولته المستقلة على تراب وطنه التاريخي المرتبط بالعهد الكنعاني العريق قبل اكثر من خمسة الاف عام ؟ ولماذا غاب الرئيس الامريكي دونالد ترامب في المقابل عن احتفالية موسكو و عرضها العسكري المهيب الذي دعاه له رئيس الفيدرالية الروسية فلاديمير بوتين بمناسبة الذكرى 75 على النصر السوفييتي على الفاشية الالمانية , بهدف تقريب امريكا من روسيا , ولسد فجوة الحرب الباردة التي يصر الغرب الامريكي على استمرارها , و لمواصلة سباق التسلح , في زمن الحاجة للسلام و الاستقرار , و لمكافحة جائحة كورونا التي هددت البشرية هذا العام 2020 , ولازالت تهدده في قادم الشهور ربما ؟ دعونا نتأمل الدور الامريكي السياسي في العالم اكثر و نقارنه بغيره , و نحدق النظر بالاعلام الرمادي الاسود الذي يمارس الدعاية المضادة التي لا تعكس الواقع , ويعمل على تزييف و تظليل الحقائق . وفي نهاية المطاف لا بد لشمس الحقيقة ان تظهر في سوريا ليعرف الرأي العام من هو الظالم , ومن هو المظلوم وسط زوبعة ازمة دموية اريد لها ان تطول عن سبق اصرار و ترصد .

“عمون”