aren

اسئلة “المنطقة الآمنة” \\ كتابة: د. محمد نور الدين
السبت - 17 - أغسطس - 2019

أخيراً توصلت تركيا والولايات المتحدة الأمريكية إلى اتفاق أولي؛ حول إقامة منطقة آمنة في شرق الفرات في سوريا. نقول اتفاقاً أولياً؛ لأن الاتفاق تضمن عناوين عامة أساسية دون الدخول في التفاصيل، التي ربما هي أهم من المبادئ الأساسية له.

اتفاق السابع من أغسطس/آب الذي وقّع في أنقرة بين المبعوث الأمريكي جيمس جيفري ومسؤولي وزارة الدفاع التركية، بعد جولات عديدة من المفاوضات؛ شكل محطة فارقة في العلاقات (التركية – الأمريكية)، وخرقاً مهماً في الوضع القائم في منطقة شرق الفرات، التي تسيطر عليها «قوات حماية الشعب الكردية» و«قوات سوريا الديموقراطية»؛ (قسد)، برعاية مباشرة من أكثر من ألفي جندي أمريكي موزعين على كامل المنطقة.

الاتفاق جاء؛ بعد تهديدات تركية عالية النبرة بالتدخل العسكري؛ لضرب المقاتلين الأكراد هناك. وتركيا تعد أن تلك المنطقة تحولت إلى تهديد كبير لأمنها القومي، وترى أن الحالة هناك انفصالية، ويمكن أن تنعكس سلباً على وحدة الأراضي التركية. وكما قامت تركيا بعملية «درع الفرات» ضد «داعش»، واحتلت مثلث (جرابلس-أعزاز- الباب) فقد قامت باحتلال منطقة عفرين؛ حيث إن هناك وجوداً كردياً كثيفاً وهي في الأساس موجودة في منطقة إدلب الواسعة تحت مسمى «نقاط مراقبة» في منطقة «خفض التصعيد».

وبعد هذه المناطق الثلاث فإن الدور جاء اليوم على منطقة شرق الفرات التي هدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنه سيتم تنظيفها، وليس من خيار آخر ويجعلها «ممراً للسلام».

اتفق الأتراك والأمريكيون على إقامة غرفة عمليات مشتركة؛ لتقرير الخطوات بشأن شرق الفرات. قيل بداية، إن مقر الغرفة سيكون في أنقرة، ولاحقاً قيل إنه قد يكون في شانلي أورفة التي وصلتها هيئة عسكرية أمريكية من ستة ضباط، والتقت بمسؤولين عسكريين أتراك.

يحمل اتفاق المنطقة الآمنة من التساؤلات أكثر مما يحمل من إجابات:

1- تتحدث البيانات التركية والأمريكية عن عودة مئات آلاف النازحين السوريين من تركيا إلى منطقة شرق الفرات. وهذا يطرح تساؤلات عن هوية العائدين وعددهم وإلى أي المناطق سوف يعودون وهل هي مناطقهم الأصلية أم غرباء عنها. وسوف تحظى هذه النقطة باهتمام كبير ومتابعة وثيقة من جميع الأطراف؛ ذلك أن هذه الرغبة التركية لا تدخل من باب العودة الإنسانية للاجئين نزحوا عن ديارهم وهم بالملايين. فتركيا تتحدث دائماً عن تغيير في البنية الديموغرافية قام بها الأكراد؛ لكن التجربة التركية مع مناطق جرابلس وعفرين؛ تعكس قراراً تركيا بتغيير البنية الديموغرافية فيهما لمصلحة عناصر من أصول تركمانية أو عرب موالين لها. وهكذا ستحاول تركيا أن تلعب بالبنية الديموغرافية في شرق الفرات، وإسكان جماعات موالية لها في بعض المناطق. وسياسات التهجير والإسكان من ثوابت سياسات القوميين الأتراك منذ بدايات القرن العشرين وتكثفت بعد الحرب العالمية الأولى داخل الأناضول، واليوم تريد تركيا نقل التجربة إلى خارجها، وخصوصاً إلى المناطق التي كانت عام 1920 ضمن حدود الميثاق الملي التركي.

بطبيعة الحال هذه نقطة حساسة جداً وقد لا ترى النور في حال رفض السكان المحليون هناك من أكراد وعرب وسريان وغيرهم الخطط التركية.

2- المصادر التركية تتحدث عن دوريات عسكرية مشتركة (تركية – أمريكية) في المنطقة الآمنة. وهذا لا شك نقطة تسجل لمصلحة تركيا التي سيكون لها موطئ قدم للمرة الأولى في منطقة يسيطر عليها الأكراد؛ لكن ما حجم المنطقة الآمنة؟ هل هي بعمق 30 – 40 كلم كما يطالب الأتراك أم 15 كلم كما يقترح الأمريكيون؟وهل ستكون على امتداد الحدود السورية مع تركيا في شرق الفرات أم في بعض المناطق فقط؟.

3- ما مصير «قوات الحماية الكردية» في المنطقة الآمنة؟ هل ستنسحب منها بشكل كامل أم جزئي؟وما مصير الأسلحة الثقيلة وغير الثقيلة هناك؟ وهل ستشمل الدوريات المشتركة داخل المدن أم لا؟ ومن سيضمن الأمن داخل المدن؟ هل المقاتلون الأكراد أم من؟.

4- ما موقف الأكراد من كل هذا وهم الذين عملوا على إقامة بنية سياسية وإدارية وخدماتية وأمنية لمنطقة «روج آفا»، أي شرق الفرات؛ لتأسيس حكم ذاتي، وربما أكثر منذ خمس سنوات، وكانت أساس فشل المفاوضات مع دمشق؟

لا شك أن اتفاق المنطقة الآمنة سيكون خطوة لتطبيع العلاقات (التركية – الأمريكية) وستكون له انعكاساته على مجمل الوضع والتوازنات في سوريا، ومن ذلك ما يجري في إدلب. وسيكون على الجميع ترقب التطورات في الأسابيع والأشهر المقبلة؛ لمعرفة أي مصير ينتظر سوريا التي غرقت في لعبة الأمم.

“الخليج”