aren

احياء خط الغاز العربي بين “مصر – الأردن – سوريا ولبنان”
الإثنين - 18 - أكتوبر - 2021

وزير الخارجية السوري فيصل المقداد )الثالث من اليمين( في لقاء مع وزير الطاقة اللبناني ريمون غجر (اليسار)، ووزير الدفاع المؤقت ووزيرة الخارجية بالوكالة زينة عكر (الثاني من اليسار) ووزير المالية اللبناني غازي وزني (الثالث من اليمين)، في دمشق، سوريا، السبت 4 سبتمبر 2021 (سانا)

(خاص)

التجدد الاخباري – مكتب بيروت

الولايات المتحدة تقطع الطريق على النفط الإيراني

تعمل مصر منذ فترة على إحياء فكرة تزويد لبنان بالغاز المصري، من خلال أنابيب مشروع خط الغاز العربي، الذي يصل مصر بلبنان، مروراً بالأردن وسوريا. هذا المشروع كان قد وُضِع على الرفّ منذ اندلاع أحداث مايسمى “ثورات الربيع العربي”.

المشروع لايقتصر على ربط لبنان بأنابيب الغاز المصري عبر الأردن وسوريا، بل يشمل كذلك شبكة ربط كهربائي ، تنطلق من الأردن ، وتمرّ عبر سوريا ، وصولاً إلى لبنان ، ومن خلال هذه الشبكة، سيتمكّن لبنان من الاستفادة من التيار الكهربائي ، الذي سيولّده الأردن بالاستفادة من الغاز المصري.

وهكذا ، سينقذ المشروع ، قطاع الكهرباء اللبناني من ناحيتين: أولاً على المدى القصير من خلال الاستفادة من تيار شبكة الربط الكهربائي. وثانياً على المدى الأطول من خلال تحويل معامل الكهرباء تدريجياً لتعمل على الغاز الطبيعي المستورد عبر الأنابيب بدل الفيول والمازوت. ومن شأن عمل المعامل على الغاز الطبيعي ، أن يخفِّض كلفة توليد الكهرباء بنسبة 30 في المائة مقارنة مع كلفة توليدها باستخدام الفيول أو المازوت.

هذه المواقف فُسّرت، على أنها ضوء أخضر أمريكي للتواصل مع (دمشق رسميا)، وبحث سبل التعاون بين الدولتين لايصال الغاز من مصر إلى لبنان عبر سوريا.

قد يكون هذا التفسير في مكانه، لكن جزئيا، خصوصا إلى أن الآلية لتحقيق ذلك الربط ، لم تُقرّ أو تتضح معالمها بعد، رغم سرعة وصول الوفد الوزاري اللبناني إلى سوريا ، ولقائه بالمسؤولين المعنين هناك ، ليغدو السؤال : هل ان واشنطن قد تغض النظر عن تنسيق تقني (لا أكثر)، على غرار الاجتماع في الأردن لوزراء الطاقة المصري والسوري واللبناني، لبحث سبل تعزيز التعاون لإيصال الغاز المصري إلى لبنان عبر الأردن؟.

وفي هذا الاطار ، كان التطوّر الأساسي، الذي طرأ على الملف مؤخراً، هو ماظهر في اتصال السفيرة الأمريكيّة لدى بيروت ، (دوروثي شيا) برئيس الجمهوريّة اللبناني (ميشال) عون، معلنةً رغبة بلادها في تسهيل نقل الغاز المصري عبر الأردن وسوريا، وصولاً إلى شمال لبنان، عنى هذا الكلام ببساطة تجاوز إشكاليّة العقوبات الأمريكيّة، وتمكين لبنان من الاستفادة من هذا المشروع بعد صيانة الأنابيب ، وإصلاحها.

ووفق جهات متابعة للتطورات على هذا الصيد ، فان كلام السفيرة الأمريكيّة (تخطّى) ، إعطاء الضوء الأخضر لتجاوز موضوع العقوبات على سورية ، وأبدى حماسة ظاهرة لهذا الملف من خلال الحديث عن مفاوضات جارية مع البنك الدولي ، لتمويل ثمن الغاز المصري ، وإجراء الصيانة المطلوبة لأنابيب الغاز.

كل ذلك دلّ على وجود مصالح إقليميّة ودوليّة ، تتجاوز الحسابات اللبنانيّة المحليّة، وتدفع الولايات المتحدة إلى تسهيل ملف خط الغاز بشغف على هذا النحو، وهذه المصالح لا يبدو أنّها تختلف كثيراً عن المصالح الإقليميّة ، التي برّرت إنشاء خط الأنابيب هذا على دفعات منذ عام 2000.

وبحسب تلك الجهات ، تقاطعت هذه المصالح الكبيرة مع الضغط الذي مارسه الجانب المصري لإحياء الملف، ورغبة الأمريكيين في إبقاء حد أدنى من التماسك في أجهزة الدولة اللبنانيّة، وخصوصاً تلك العاملة في القطاعات الحسّاسة كالجيش والكهرباء والمحروقات، للحؤول دون الوصول إلى مرحلة الفوضى الكاملة.

وتضيف هذه الجهات ، أمّا خطوة إرسال إيران للمحروقات إلى لبنان عبر “حزب الله”، فزادت من خشية الأمريكيين من رمي البلاد اقتصاديّاً وماليّاً في ضفة “محور إيران” بشكل كامل في حال تفاقم تداعيات الأزمة على القطاعات الحساسة، بعدما مهّد حلفاء إيران لهذا الأمر من خلال الإلحاح على طروحات «التوجّه شرقاً» طوال الفترة الماضية.

عند هذا الحد، شكلا ومضمونا وحضورا، يفترض أن يتوقف التواصل اللبناني الرسمي مع دمشق، ويجب أن ينحصر بهذا الشق التقني لا أكثر، إذ يبدو أن ثمة من يحاول الاستفادة من قبة الباط الأميركية غازيا، لإحياء مشاريع قديمة جديدة دائمة الوجود على أجندته.. لكن حذار الذهاب بعيدا وتجاوز الخطوط الحمراء، فواشنطن لن تسكت لا عن تعاون اقتصادي يخرق قانون قيصر بين بيروت والشام، ولا عن سقوط لبنان نهائيا في المحور الإيراني…

تنوع الأهداف والغايات

تتوزع المصالح ، التي تدفع دول المنطقة، وخصوصاً (مصر والأردن)، للتحرك باتجاه إعادة تفعيل خط الغاز ، وصيانة أنابيبه، فيما وجدت الإدارة الأمريكيّة في الأزمة اللبنانيّة ، مناسبة جيّدة لتحريك الملف، خصوصاً أن لبنان -كما هو معلوم – يعاني من أزمة كهربائة كبيرة ، ناتجة عن عوامل عديدة ، أهمها : نقص في تأمين العملة الصعبة من أجل شراء الفيول ، وصيانة معامل الإنتاج . وما زاد الطين بلة ، عجز المولدات الخاصة المنتشرة في كل البلاد عن تأمين نقص الإنتاج ، كون الدولة تعجز عن شراء المازوت المدعوم من قبل (مصرف لبنان) بسبب الفرق الكبير بين السعر الرسمي للدولار الأمريكي وسعر السوق. من هنا برز العديد من الاقتراحات لإنقاذ لبنان من العتمة الكاملة ، التي قد يقع فيها قريبا جدا.

ومشروع تزويد لبنان بالغاز المصري، من خلال أنابيب مشروع خط الغاز العربي، كان قد وُضِع على الرفّ منذ اندلاع الحرب في سوريا ، إلا أنها اصطدمت في العام 2107 باللامبالاة اللبنانية . إذ ، إن العرض المصري لم يلقَ أي رد فعل من قبل الجانب اللبناني لأسباب مجهولة.

تجدر الإشارة إلى أن الغاز المصري ، سيستفيد منه معمل (دير عمار) ما يؤمن حوالي 400 ميغاواط نظيفة ومستدامة، مع إمكانية مستقبلية بربط خط (دير عمار) بمعمل (الذوق) بواسطة أنبوب، مما يمكّن من إنتاج الكهرباء من المعمل الجديد بواسطة الغاز أيضا، وهذا الأمر بغاية الأهمية لعوامل عديدة مالية ، وفنية ، وبيئية.

أما الطرح الإضافي ، المستجد ، المتمثل في استجرار الطاقة من الأردن، «فيؤمّن للبنان ساعات تغذية إضافية»، وعليه فانه على الحكومة اللبنانية أن لا تضيع مرة ثانية ، فرصة الاستفادة من منحة الاتحاد الأوروبي لتأهيل شبكات النقل»، وعليها «إعادة قرع الباب الأوروبي لهذه الغاية».

خطط على قائمة الانتظار

برزت الحاجة لاستخدام الغاز الطبيعي منذ العام 1996، ويومها أبدى (القطريون)، استعدادا لبيع لبنان الغاز بكلفة توازي 12 دولارا ، مقابل كل برميل من النفط. في الوقت الذي يدفع فيه ثمن برميل النفط ما بين 20 و30 و50 دولارا، وتجاوز مائة دولار في بعض السنوات، يضاف إليها 20 في المائة كلفة التكرير ، والنقل.

السؤال: لماذا لم ينجز الاتفاق مع قطر – حينئذ- ؟ بحسب عدد من الخبراء ، السبب هو (استيراد المازوت)، الأغلى كلفة ، حيث المافيات المسيطرة ، كانوا يعارضون كليا الانتقال إلى الغاز .

كما أن الخطط بتحويل الإنتاج الكهربائي إلى الغاز الطبيعي موجودة في لبنان، وقد عرض الوزير السابق للطاقة (أرتور نظريان)، بعض ملامحها حين تسلم مهام وزارة الطاقة مطلع سنة 2014، وأكد أهمية هذا الخيار الذي يساهم في زيادة إنتاجية معامل الكهرباء الموجودة بنسبة 15-20 في المائة، ويوفر حوالي مليار و91 مليون دولار على الخزينة، أي أقل من نصف كلفة الطاقة التي تدفعها مؤسسة كهرباء لبنان، في ظل وجود مشروعين في هذا الصدد:

– مشروع إنشاء محطة عائمة لتخزين وتغويز الغاز السائل، ثم تحويله إلى غاز طبيعي ، لتشغيل كل المصانع الحالية، وقد أنجزت الوزارة مناقصتها عام 2014 بالتعاون مع البنك الدولي ومجلس الإنماء والإعمار، وأتت النتائج مشجعة لجهة مستوى الشركات المشاركة (12 شركة أجنبية) ، أو الأسعار التنافسية.

وأظهر تقرير المناقصة (الذي أحيل على مجلس الوزراء وقتها) ، أن الفارق بين سعر الفيول ، الذي يستخدمه معمل “دير عمار” حينها ، وسعر الغاز ، هو حوالي 160 مليون دولار سنويا ، بينما يبلغ التوفير في معمل (الزهراني) نحو 150 مليون دولار.

– مشروع خط الغاز الساحلي لربط كل معامل إنتاج الكهرباء والمجمعات الصناعية الساحلية بخط الغاز العربي ، الواصل إلى البداوي (كلفة المشروع 445 مليون دولار)، والذي يسمح في المستقبل عند استخراج ، واستثمار الغاز اللبناني بتصدير فائض الإنتاج إلى أوروبا براً من دون كلفة إضافية.

المصالح

هذه المصالح ، تتوزّع على الشكل التالي:

– عادت (مصر)، لتكون دولة مصدّرة للغاز منذ فترة، في ضوء الاكتشافات التي حصلت في حقولها البحريّة. وبينما تسعى الولايات المتحدة لإحاطة مسار التعافي الاقتصادي لمصر بأكبر قدر ممكن من الدعم الدولي، من شأن خط الغاز العربي ، أن يفتح باب تصدير الغاز الطبيعي لمصر بكميات أكبر وكلفة أقل، خصوصاً إذا تم ربط هذا الخط في المستقبل بخط نابوكو المفتوح على الأسواق الأوروبيّة، كما كان مخططاً في بداية المشروع.

– من شأن ربط خط الغاز العربي بـ(العراق) لاحقاً، وفقاً لصيغة المشروع الأولى، أن يزيد من ترابط العراق الاقتصادي والمالي بمحيطه العربي، ويبعده عن الاعتماد على إيران في قطاعيْ الكهرباء والغاز المُعالج بالتحديد، كما يجري حالياً. وهذه المسألة تشكل أولويّة استراتيجيّة بالنسبة للأمريكيين.

– يهتم الأمريكيون بإعادة صيانة خط الغاز العربي ، كخطوة على طريق ربطه بحقول الإنتاج في السعوديّة والخليج عموماً، بعد ربط الخط بالسوق الأوروبيّة بحسب الخطة الأساسيّة، لفتح أبواب التصدير بكميات أكبر وكلفة أقل بالنسبة لدول الخليج، وتقليل مخاطر الصراع على مساحات النفوذ البحريّة على طرق إمداد المحروقات.

– من شأن ربط الخط بالسوق الأوروبيّة ، أن يزيد من تنوّع مصادر الغاز الذي تستهلكه الدول الأوروبيّة.

كل هذه الأسباب الإقليميّة والدوليّة ، زادت من حماسة الولايات المتحدة لتنشيط البحث في ترميم الأنابيب القائمة حالياً، بالتوازي مع الاهتمام المصري، على أمل استكمال المراحل اللاحقة وفق تفاهمات منفصلة في المستقبل، على قاعدة المصالح المتبادلة.

أمّا الظروف والعوامل اللبنانيّة المحليّة، فشكّلت دافعاً إضافياً، وحجةً يمكن استعمالها لتبرير تجاوز العقوبات المفروضة على الدولة السورية. وفي النتيجة، سيكون بإمكان لبنان الاستفادة من تضافر كل هذه الأسباب ، لإعادة إحياء شبكة كهربائية، بعدما باتت تنازع بسبب انقطاع الفيول عن المعامل.