aren

اجعلوا أميركا منيعة من جديد \\ كتابة : توماس فريدمان
الإثنين - 25 - مايو - 2020

إذا كان جو بايدن يبحث عن شعار لحملته ضد دونالد ترامب، فإنني أقترح عليه هذا الشعار: «اجعلوا أميركا منيعة من جديد»، ذلك أن هذا الوباء كشف وفاقم في الآن نفسه حقيقة أننا أضعفنا كبلد الكثير جداً من مصادر قوتنا خلال العشرين عاماً الماضية. إذ قوّضنا أنظمتنا المناعية المعرفية والبيئية والاقتصادية والاجتماعية، وكذلك تلك المتعلقة بالحكامة والصحة العامة والشخصية، أي كل مصادر القوة التي نحتاج إليها من أجل تجاوز هذا الوباء بأقل الخسائر في الأرواح والأرزاق.

وتُعد كل أنواع نقص المناعة هذه النتيجة المنطقية للطريقة التي سمحنا بها لأنفسنا بالعمل كبلد، وكيف سمحنا لأنفسنا بأن نكون «أغبياء كما نريد»، فقلّلنا من قيمة العلم والقراءة، وحوّلنا السياسة إلى مجرد ترفيه وتسلية، ناهيك عن تبني عادات أكل سيئة جعلت 40 في المئة من الأميركيين مصابين بالسمنة.

لقد كان «وارن بافيت» محقاً عندما قال: حينما ينحسر المد، تستطيع أن ترى من يسبحون عراة. والآن نحن العراة. إننا ما زلنا استثنائيين، ولكننا استثنائيون الآن في حقيقة أننا نتزعم العالم في مجموع حالات الإصابة بفيروس كورونا والوفيات جراء كوفيدـ 19.

تقول «غلوريا جاكسون»، وهي متقاعدة في الخامسة والسبعين من الولاية التي أنحدر منها، مينيسوتا، لصحيفة «واشنطن بوست»: «لقد كنا البلد المتزعم في كل شيء عندما كنت شابة»، مضيفة «ولكن ما هو حالنا الآن؟ إننا أفظاظ وأنانيون. كما أننا عنيدون بل وغير أكفاء أحياناً… ويبدو كما لو أن بعض البلدان الأخرى تشعر بالحزن من أجلنا… لا نستطيع تغيير عاداتنا وسلوكاتنا… ليست هناك زعامة ولا تضامن، وبالتالي، فإن الجميع يفعلون ما يريدون… ما يعني أن كل الأشخاص المعرضين للخطر سيخسرون كثيراً».

هذا التآكل لمناعتنا المجتمعية الجماعية غذّتها مصادر كثيرة على مدى السنين، ولكن أياً منها لم يغذّها أكثر من حزب «جمهوري» زاغ عن سكته. وانتخاب دونالد ترامب كان نتيجة فرعية لمناعتنا المفقودة.

ولكن ما الذي نحتاجه لجعل أنفسنا أكثر مناعة ضد كوفيدـ 19 بشكل جماعي؟ لا بد أن ندرك أولاً أن الشيء الوحيد الذي فعلته هذه الأسابيع من الإغلاق هو إبطاء انتشار الفيروس. فنحن ما زالنا في حاجة إلى خطة مستديمة لإنقاذ الأرواح والأرزاق إلى أن نكتسب مناعة القطيع، بشكل طبيعي أو بوساطة لقاح. وهناك ثلاث مقاربات أساسية.

إحداها هي المقاربة السويدية المتمثلة في إغلاق جزئي، وحماية الأشخاص الأكثر عرضة للخطر، والسماح تدريجياً للأصحاء باكتساب العدوى والتعافي ثم بناء مناعة القطيع بشكل طبيعي.

وهناك مقاربة أخرى وهي الاستراتيجية الصينية: إغلاق صارم تعقبه تدفقات العودة إلى العمل، مصحوبة بالكمامات والتباعد الجسدي والاستخدام الكامل لأنظمة المراقبة التابعة للدولة في الصين من أجل اختبار وتتبع وعزل أي أشخاص حاملين للفيروس من أجل الإبقاء عليه تحت السيطرة إلى أن يستطيع لقاح توفير مناعة القطيع.

ويبدو أننا أخذنا نتبنى نسخة أكثر ديمقراطية من النموذج الصيني – ولكن بطريقة خطرة تقوم على مبدأ «كل ولاية حرة في نفسها».

د. فيفيك مُرثي، وهو طبيب عام يقترح أن تقوم الحكومة الفيدرالية بنسخة مما فعلته الصين: استئجار فنادق فارغة لتوفير خيارات الحجر الصحي للأشخاص الأكثر عرضة للخطر وللمصابين بالفيروس، وتوظيف بعض من الأعداد الضخمة للعمال العاطلين عن العمل ليصبحوا جزءا من فرق التعقب والتتبع في كل ولاية تحت قيادة خبراء الصحة العامة.

باختصار، إذا كنا سننقذ أكبر عدد من الأرواح بينما نعيد أكبر عدد من الناس إلى العمل من أجل منع وباء البطالة والاكتئاب واليأس، فإن الأمر سيتطلب نسخة ديمقراطية ومنسقة فيدراليا من الاستراتيجية الصينية.

ولكن ترامب يقاوم هذا النوع من المقاربة المبنية على العلم والمنسقة وطنيا، لأن مصلحته السياسية تقتضي منه حث أنصاره على مقاومة القواعد والتوجيهات الصحية لإدارته.

ذلك أن ترامب يعتقد على ما يبدو أنه يستطيع قول الشيء ونقيضه في أوقات مختلفة، لكن الأمور لا تعمل بتك الطريقة مع الطبيعة. فهي ليست متسابقا في برنامج «ذي أبرنتيس» (المتدرب). إنها مجرد كيمياء وبيولوجيا وفيزياء. ونحن هم المتسابقون في برنامجها. إننا لا نطردها، بل هي من تطردنا.

إنها ترمي علينا الفيروسات والأعاصير والفيضانات والجفاف وموجات الحر والأوبئة من أجل فرز من هو الأصلح. والأشخاص الذين ينجون ويبقون لديهم شيء واحد مشترك: إنهم الأكثر تكيفا في توليد الكيمياء والبيولوجيا والفيزياء اللازمة لمواجهة التحدي.

وهذا هو كل ما يهم. وكل من لا يستطيعون ذلك يُطردون، أو بالأحرى، تتم إعادتهم إلى المصنّع.

“الاتحاد”الظبيانية