aren

إيران.. والنتائج العكسية لإلغاء الاتفاقية النووية \\ كتابة : دينيس روس
الثلاثاء - 10 - أبريل - 2018

 

لم أكن في أي يوم من الأيام من مؤيدي الاتفاقية النووية مع إيران. وبالرغم من أنها تفرض الكثير من القيود على البرنامج النووي الإيراني، إلا أنها تشرعن أيضاً وجود البنيات التحتية النووية الإيرانية لأنها لم تنصّ على تقييد تلك المنشآت بأحجام أو إمكانيات محددة بعد حلول عام 2030.

وبدلاً من أن تعمل الاتفاقية على وضع حد نهائي لسعي إيران لحيازة الأسلحة النووية، فقد أجّلت هذا المسعى زمنياً فقط. صحيح أن الإيرانيين التزموا بعدم حيازة أو تطوير الأسلحة النووية، ولكنّهم أعلنوا أيضاً أنهم لم يحاولوا ذلك على الرغم من توفر الأدلّة الدامغة على أنهم يفعلون عكس ما يقولون.

ولهذه الأسباب، يمكننا القول إن الخطر الحقيقي سيحلّ بعد 12 عاماً عندما ينتهي العمل ببعض الشروط الأساسية للاتفاقية. إلا أن هذا لا يعني بأن على الرئيس دونالد ترامب أن ينفض يده من الاتفاقية في شهر مايو المقبل. وإذا انسحب منها من جانب واحد، فإن الأوروبيين لن يقفوا معه، خاصة بعد أن أعربوا عن رغبتهم في التفاوض مع إدارته والاتفاق على فرض عدد من التنازلات على إيران، منها:

فرض عقوبات جديدة على برنامجها لتطوير الصواريخ الباليستية، وصياغة بيان مشترك (أميركي أوروبي) يحدد ما يمكن لإيران أن تفعله بعد عام 2030، والاستعداد لرفع سقف العقوبات على الإيرانيين بسبب ممارساتهم العدائية ضد دول المنطقة وعملهم على نشر الفوضى وعدم الاستقرار فيها.

وحتى لو كان البريطانيون والفرنسيون والألمان غير مستعدين للذهاب في هذه القضية بعيداً إلى الحد الذي تريده إدارة ترامب، فقد عبروا لترامب عن تفهمهم لأسباب قلقه من الاتفاقية ورغبتهم في التفاهم معه بشأن بعض شروطها على أقل تقدير.

ويتضح من كل هذا أن الانسحاب التام من الاتفاقية يمكن أن يضع حدّاً لكل هذه الجهود. وسيؤدي هذا الإجراء إلى عزل الولايات المتحدة ذاتها وليس إيران، سياسياً. وقد أثبتت الظروف دائماً أن الضغوط المفروضة على الإيرانيين لا تكون فعّالة إلا عندما تضمن الولايات المتحدة الاتفاق بشأنها مع شركائها وحلفائها.

وفي الحقيقة، لم يشعر الإيرانيون بالإحباط الحقيقي إلا عندما قرر الاتحاد الأوروبي مقاطعة شراء البترول من إيران، وقبلوا بعد ذلك بالتفاوض وأعلنوا عن استعدادهم لوقف نشاطاتهم النووية من أجل رفع تلك العقوبات.

ولسوء الحظ، فإن الأوروبيين لا يتشبثون بالاتفاقية النووية فحسب، بل إنهم مستعدون للذهاب إلى أبعد من ذلك من أجل مجرّد ضمان عدم استثارة عداء الإيرانيين. ولقد عرف الإيرانيون كيف يلعبون جيداً على وتر المخاوف الأوروبية تلك. وقد أعلنت طهران بالفعل أنها ستسرع بتشغيل أجهزة طرد مركزي جديدة أكثر فعالية وتطوراً لتخصيب اليورانيوم ومن دون أن تحدد طاقتها الإنتاجية. ولاشك أن هذا التصريح عمّق المخاوف الأوروبية من إمكانية نشوب الحرب للدرجة التي دفعتهم لتقديم الحوافز للإيرانيين للتمسك بالاتفاقية.

وأنا أقول لأولئك الذين يعتقدون أن إدارة ترامب قادرة على فرض الضغوط على أوروبا عن طريق التلويح بفرض عقوبات على الشركات الأوروبية التي تتعامل مع الإيرانيين، إن رهانهم فاشل. وقد دأب الأوروبيون على التصدي بنجاح لمثل هذه العقوبات الثانوية، فضلاً عن أن هذا السلوك سيكرّس افتقار سياسات ترامب للتأييد في أوساط الرأي العام الأوروبي. ومن الواضح الآن أن القليل فحسب من القادة الأوروبيين يمكنهم أن يتسامحوا مع هذه التهديدات الأميركية.

ولاشك أن بعض البنوك والشركات الأوروبية تتخوف من العقوبات الأميركية على الرغم من رغبتها الضعيفة للاستثمار في إيران. إلا أن هذه المخاوف سوف تظل قائمة حتى لو لم ننسحب من الاتفاقية لأن العقوبات التي نفرضها على إيران بسبب دعمها الإرهاب وانتهاكها لحقوق الإنسان لا زالت قائمة وستبقى. وهذا يفسر سبب شكاوى إيران الدائمة من أنها لم تتمكن من قطف الثمار الحقيقية من توقيع الاتفاقية النووية.

إلا أن مخاوفي من انسحاب الأميركيين من الاتفاقية أعمق من كل ذلك. لأنها ستخلق في إيران ميلاً للتشدد من دون أن تترك أثراً إيجابياً. ويكمن الخطر الأكبر في تكريس رغبة إيران للتوسع في المنطقة وخاصة لأنها تستخدم الميليشيات الطائفية الشيعية للتأثير على الحكومات.

وقد أثبتت وجودها العسكري في سوريا إلى درجة جعلتها تعمل على تغيير التركيبة السكانية عن طريق استجلاب الميليشيات والمدنيين الشيعة لغزو القرى والمدن السُّنية. وهي التي تحرص على منع النازحين والمهاجرين السوريين من العودة إلى بيوتهم، فضلاً عن حرصها التام على فرض نفوذها السياسي في سوريا. والأسوأ من كل هذا هو أن إيران بدأت في تحدي إسرائيل مباشرة عندما أطلقت طائرة من دون طيار لتحلق فوق أراضيها.

وأعلنت إسرائيل بكل وضوح أنها لا تقبل العيش في ظل التوسع العسكري الإيراني المتزايد في سوريا. ويعتقد الإسرائيليون أن الإيرانيين يحضّرون لتنفيذ خطة لتنصيب أنظمة توجيه دقيقة في سوريا ولبنان لأكثر من 120 ألف صاروخ يمتلكها «حزب الله». وإن لمن السهولة بمكان أن نتصور كيف يمكن لحرب بين الإسرائيليين من جهة، والإيرانيين و«حزب الله» من جهة ثانية، أن تندلع، ولكن من الصعب جداً معرفة متى يمكنها أن تنتهي.

ويجب أن تكون مهمة احتواء انتشار وتوسع الإيرانيين والتصدي لميليشياتهم الطائفية وقدراتهم العسكرية في سوريا، هي النقطة الأساسية التي يتعين على إدارة الرئيس ترامب أن تركّز عليها. إلا أن ترامب لا يفكر بهذه الطريقة لأنه قال بوضوح إنه ينتظر الآخرين ليفعلوا ذلك بدلاً منه. ولا بد من أن يكون هدفنا الأول هو القضاء على الخطر الإيراني هناك. وهذا يتطلب حشد كل الإمكانيات اللازمة لتحقيق هذا الهدف بدلاً من أن نتخلى عن هذه المهمة لغيرنا.

وربما يعتقد ترامب أن الانسحاب من الاتفاقية النووية يجعله يبدو بمظهر الرجل المتشدد مع طهران، إلا أن هذا غير صحيح لأن هذا الإجراء يتغافل عن التهديد الحقيقي، ويضمن للإيرانيين الخروج من الاتفاقية بموقف الرابحين. وسوف يعلمون أننا وحيدون ولا توجد ثمة ضغوط قوية لإيقافهم عن ممارساتهم في المنطقة. وبالرغم من أن الاتفاقية النووية كانت بمثابة فرصة لإيران لشراء الوقت، إلا أن الوقت الراهن لا يمثل بأي حال اللحظة المناسبة لتمزيقها.

“الاتحاد”