aren

إيران بين الدفاع والهجوم \\ كتابة : د. مصطفى اللباد
الخميس - 13 - ديسمبر - 2018

ايران

يبرع الأداء السياسي الإيراني في الدفاع، أي في أوقات العزلة والهجوم الدبلوماسي والإعلامي على إيران، ولعل المؤتمر الثاني لرؤساء برلمان الصين وروسيا وإيران وتركيا وأفغانستان وباكستان، الذي عقد في العاصمة الإيرانية طهران قبل أيام قليلة، أحد الأمثلة على ذلك. تتعرض إيران الآن لضغوط أميركية وإقليمية قل نظيرها، مما أجبرها إلى العودة لموقع الدفاع.

بعد عقد الاتفاق النووي في عام 2015 كانت الأمور تسير في اتجاه تقاسم نفوذ أميركي ــ إيراني في المنطقة، واعتراف أميركي بدور إيران الإقليمي، لكن بعد وصول ترامب للرئاسة الأميركية فقد ألغى الاتفاق النووي المبرم في عهد إدارة أوباما مع إيران، وفرض على الأخيرة عقوبات اقتصادية، نازعاً منها أهم مكاسبها من الاتفاق النووي. تتغطى إيران بالمظلة الجديدة «لقاء رؤساء البرلمانات»؛ وهي تعلم تمام العلم أنه ما من دولة من الدول المشاركة في المؤتمر سوف تقف عسكرياً إلى جانب إيران في نهاية المطاف.

مرحلياً تستغل إيران الخلافات القائمة بين موسكو وواشنطن حول أوكرانيا وسوريا والدرع الصاروخية في وسط أوروبا، والنزاع بين بكين وواشنطن حول المسائل المالية وجزر بحر الصين الاصطناعية لحشد البلدين في إطار كهذا. كما أن التحالف الذي قام لعقود بين باكستان أصبح منذ سنوات في خبر كان، والعلاقات الأميركية ــ الأفغانية متردية، بسبب غياب الآفق السياسي لحل المشكلة الأفغانية بالطرق الدبلوماسية، مما يسمح باستقطاب مرحلي للبلدين رغم مشاكلهما مع إيران. تركيا أيضاً لها الآن مشاكلها المتعددة مع أميركا مما يعزز فرص التقارب الإيراني معها.

باختصار كل الدول المشاركة لها مشاكلها مع الولايات المتحدة الأميركية، الأمر الذي جعل المؤتمر فرصة لإيران كي تحشد دبلوماسيا لتمتين موقفها في مواجهة واشنطن. رأينا قبل إبرام الاتفاق النووي كيف تغلبت إيران على عزلتها في المنطقة بالمزيد من توطيد النفوذ في العراق وسوريا ولبنان واليمن، لكن الأداء الإيراني في الهجوم كان أضعف من الأداء الإيراني في الدفاع، لأنه كان مكشوفاً مما جعل كثيرون يتهمون إيران بتقويض المجتمعات الأربعة الواقعة تحت نفوذها.

وتلقت إيران النقد من شرائح عربية عريضة بسبب تدخلاتها في الشؤون العربية في حالة الهجوم، أما موقع الدفاع فيناسب إيران، لأنه يعطيها دور «الضحية»، ويشجع الدول الأخرى على التعاون معها، كما هي حال مؤتمر رؤساء البرلمانات.

رأينا في المؤتمر تقسيماً ماهراً للأدوار، فرئيس البرلمان الإيراني علي لاريجاني لم يختطف الأضواء وحده، بل كان رئيس الجمهورية حسن روحاني في مقدمة المتحدثين، وعلي شمخاني سكرتير مجلس الأمن القومي.

كلاهما غمز من قناة دول خليجية زعم انها «تدعم الإرهاب في إيران»، بأموال متأتية من النفط في إشارة إلى حرمان إيران المقبل نفطياً. كما أظهر المؤتمر موقع إيران كضحية للإرهاب القادم من دولتي جوار لم يذكرهما بالاسم، لكن رسالته وصلت ففهم الجميع من يقصد. أدلى وزير الخارجية جواد ظريف بدلوه أيضاً، فاعتبر أن أميركا حولت الشرق الأوسط إلى «برميل بارود».

غنى كل على ليلاه في المؤتمر، كل الدول انتقدت واشنطن تلميحاً أو تصريحاً، لكن يخطئ من يظن أن تحالفاً دولياً ـــ إقليمياً، على رأسه روسيا والصين قيد التشكل الآن. تعلم إيران ذلك تماماً؛ لكن الناظر إلى الخريطة يجد أنها تلتحف الآن بجوارها الإقليمي وبغطاء دولي كي توفر لنفسها ورقة دفاعية في مواجهة الضغوط المتزايدة عليها.

على العكس من باقي الدول في المنطقة، عندما ترتفع نبرة التصريحات الإيرانية، فهي في موقف دفاع، وعندما تهدأ النبرة فهي تهيئ لصفقة مع واشنطن. بمعنى أن النبرة العالية في الحالة الإيرانية تكون في الأغلب مترافقة مع سياسة دفاعية، في حين أن النبرة الهادئة تعني هجوماً دبلوماسياً إيرانياً في الكواليس!

“القبس” الكويتية