aren

إيران.. البازار يفك تحالفه مع رجال الدين! \\ كتابة : د.مصطفى اللباد
السبت - 7 - يوليو - 2018

 

 

شكل التحالف بين البازار ورجال الدين النواة الصلبة للاحتجاجات التي سبقت أكبر ثورتين في تاريخ إيران عام 1905 التي عرفت باسم المشروطة، والثورة الإسلامية عام 1979، بحيث أصبح من شبه المسلمات لدى بعض دارسي العلوم السياسية أن عرى هذا التحالف غير قابلة للفصم.

لكن مع الضغوط الكبرى التي تتعرض لها إيران سياسياً واقتصادياً من إدارة ترامب، فقد فشلت حكومة روحاني في منع السقوط المدوي للعملة الوطنية الإيرانية الريال أمام الدولار، فأصبح كل دولار يساوي تسعة آلاف ريال لأول مرة في التاريخ. انعكس ذلك سلباً على تجار البازار الذين يستوردون بضائعهم بالدولار، إذ إن بضائعهم أصبحت باهظة الثمن وغير قابلة للمنافسة في السوق الإيرانية. نظم تجار البازار في مبادرة نادرة مظاهرات في طهران هذه المرة، على العكس من تظاهرات مطلع العام في إيران التي اندلعت في البلدات والمحافظات النائية.

ولعل انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي مع إيران وتخوف الكثير من الإيرانيين من أن ذلك سيؤدي إلى انهيار الاتفاق بأكمله، قد دفعهم للتكالب على شراء الدولار الأميركي لحفظ قيمة مدخراتهم ما رفع أسعاره إلى مستويات غير مسبوقة. وكان سعر صرف الريال قد بلغ أربعة آلاف وثلاثمئة لكل دولار قبيل إعلان ترامب انسحابه من الاتفاق النووي ثم قفز إلى سبعة آلاف ريال عقب الانسحاب مباشرة، فتدخلت الحكومة الإيرانية لتثبيت سعره في المصارف والأسواق.

استمرت الاحتجاجات يومان ثم خفتت إلى حين، في اليوم الأول بقيت في البازار وفي اليوم الثاني انتقلت إلى قبالة البرلمان الإيراني، حيث قمعها البوليس الإيراني بالغازات المسيلة للدموع. ومن الطبيعي والمفهوم أنه لا ضمان لعدم تكرار المظاهرات، طالما استمرت مسبباتها.

وبدورها، فمن الطبيعي والمفهوم أيضاً أن تلك المسببات ستستمر قائمة في الفترة المقبلة، لأنه لا تحسُّن ممكناً يبدو في الأفق فالإجراءات الإدارية الحكومية لا تستطيع التغلب على آليات العرض والطلب وخاصة على الطلب المتزايد على الدولار الأميركي. استغل المحافظون في إيران الاضطرابات الجارية ليضغطوا على حكومة روحاني ويوصمونها بالفشل، في محاولة لإمالة موازين القوى الداخلية باستخدام أدوات أخرى بخلاف الصندوق الانتخابي، وهي ظاهرة إيرانية متكررة.

لكن الأهم من تظاهرات الاعتراض وانهيار الريال وآثاره الوخيمة على الاقتصاد الإيراني وتنافس المحافظين وروحاني فهو انفكاك عقد التحالف بين البازار ورجال الدين لأول مرة منذ أكثر من قرن من الزمان. فإذا عطفنا على ذلك أن مؤسسة رجال الدين لم تعد تعتمد على الأخماس التي يدفعها المؤمنون من المسلمين الشيعة، بسبب سيطرتها على الدولة وعلى موارد النفط ومشروعات سياحية وخدمية عملاقة جعلها في غنى عن تلك الأخماس. تغيرت الظروف المحيطة بإيران فتبدلت قسمات تحالفها الحاكم وتعدلت تفاهمات سياسية-اجتماعية استمرت لعقود، بحيث يمكن القول إن إيران الحالية تختلف كثيراً عما كانت عليه قبل عقود قليلة فقط.

لا يبدو الخروج الإيراني من دائرة الضغوط الاقتصادية المتعاظمة ممكناً دون تنازلات سياسية. وبدورها التنازلات السياسية مكلفة للغاية للنظام الإيراني وأكثر مما يبدو للوهلة الأولى، لأن تلك التنازلات ستحطم الخطاب الإنشائي للنظام القائم على مواجهة الولايات المتحدة الأميركية وتفقده جمهوراً وأنصاراً خارج إيران يشاركونه العداء لواشنطن وسياساتها. بمعنى أن الخطاب/السردية التي يعتمدها النظام الإيراني لتسويغ سياساته الداخلية المتضاربة وتشريع حضوره الإقليمي المتزايد، سيتعرض إلى اختبار لن يتخطاه في حال تقديم طهران لتنازلات سياسية أمام إدارة ترامب. هكذا يصبح حساب العائد والتكلفة السياسي لإيران لأول مرة خارج إطار الحساب العقلاني البارد، ما يزيد بدوره من وطأة الضغط عليها.

“القبس”