aren

إن جنيف لناظره لقريب؛ فماذا أنتم فاعلون؟!!! د. فؤاد شربجي
السبت - 4 - فبراير - 2017

بعد الآستانة ، يتم التحضير لجنيف ، وكل المجريات انطلقت من نتائج معركة حلب ، والظاهر أن الحرب على سورية وفيها ، تتجه إلى حل يعتمد على (عملية سياسية ) – وليس انتقالا سياسيا- نتجت معطياتها من نتائج العمل العسكري ، الذي يمكن تلخيصه بانتصار الدولة السورية وحلفائها ، على الفصائل المسلحة في حلب وإخراجها منها نهائيا .

فهل تستطيع الأطراف السورية انجاز هذه (العلمية السياسية  ) ؟؟ وإذا كانت الدولة السورية ، أعلنت أنها جاهزة للحوار في جنيف وفق هذه العملية، فهل المعارضة مستعدة للدخول بفاعلية في انجاز العملية السياسية وصولا للحل النهائي ، وفق الوقائع والحقائق التي تحكم هذه العملية السياسية ؟؟ أم أن المعارضة ما زالت متأثرة ( بالضربة التي أكلتها على رأسها ) من حلب إلى آستانة وما زالت تترنح ؟؟؟

من علامات الترنح السياسي الخطيرة ، مطالبة المعارضة بمطالب تجاوزتها الوقائع ، وألغت وجاهتها وشرعيتها , فمثلا ، إصرارها على اعتماد اتفاق جنيف في حزيران 2012 ، وفق تفسير أميركي خليجي تركي ، يتجاهل أن هذا التفسير لم يعد موجودا ، ولم تعد فكرة (جسم حكم انتقالي بكامل الصلاحيات ) يعني انتقال الحكم للمعارضة .

وأصحاب هذا التفسير ، وخاصة ( تركيا وأميركا ) ، وحتى الخليج الغارق في حرب اليمن ، انخرطوا في معاني القرار 2254 ، الذي جعل الحل وبشكل صريح ، يعتمد على حكومة تضم كل الأطياف ، تضع دستورا ، وتجري الانتخابات وفقه بعد استفتاء الشعب عليه ، بحيث يكون الاحتكام للشعب ، هو المقرر .

إن تجاهل المعارضة لكل هذه التطورات ، يجعلها تترنح في أروقة جنيف ، أو على أبوابه وسقطة المترنح ، ربما تكون سقوطا على الرأس ، إن لم تقتل ، تشكل أو تسبب الإعاقة التي تخرج الساقط من العملية الحقيقة ، إلى عملية وهمية مخبولة … ، في جلسة مجلس الأمن الأخيرة حول سورية ، حيث قدم المبعوث الدولي ديمستورا إحاطته حول تطورات الواقع السوري وطرح رؤيته للحل المعتمد أساسا على القرار 2254 ، والمستند إلى نتائج آستانة .

في هذه الجلسة حصل ديمستورا على تفويض جديد ، يؤكد التفويض الممنوح له في القرار 2254 ، بحيث وافقت الدول الخمسة المقررة على أن يقوم ديسمتورا ( بتشكيل وفد للمعارضة تتمثل فيه جميع الإطراف والمنصات المعارضة ).

وهذا الأمر الوحيد الذي أعلنه ديمستورا عن نتائج الاجتماع ، فهل فهمت المعارضة معنى هذا الموقف من قبل مجلس الأمن ؟ وهل اقتنعت معارضة هيئة التفاوض بموقعها في ميزان القوى السياسية الحاكم للمفاوضات القادمة في جنيف ؟ أم ستسمر – هيئة التفاوض – بالتعنت وتجاهل حقائق الواقع ، حتى تخرج من العلمية ولا يبقى منها إلا بعض شخصياتها العاقلة ؟ على هيئة التفاوض ، احترام ميزان القوى والتعامل وفق حقائق الواقع ، كي تحافظ على وجودها ومشاركتها السياسية .

من الواضح ، أن هيئة التفاوض المعارضة ، لم تعرف ما جرى في جلسة مجلس الأمن الأخيرة هذه ، والظاهر أن الدول الراعية لها لم تطلعها على حقيقة ما تم في الجلسة ، حيث أنه تم التوافق الدولي ، على سير العملية السياسية ، بإرشاد من نتائج آستانة ، وأن الانتقال السياسي ، لم يعد يعني تسليم الحكم للمعارضة ، بل صار يعني الانتقال من ( الحرب على سورية وإسقاط الدولة ) إلى تجميع الجهود والفصائل والسلاح في ظل الدولة ( للحرب على الإرهاب وهزيمته ).

وهذا ما يحقق قوة وسيادة ، ووحدة واستقلالية الدولة على أرضها ومؤسساتها ، فهل تستطيع معارضة (هيئة التفاوض) الانعطاف من مسار طلب كرسي الحكم إلى مسار الانخراط في محاربة الإرهاب تحت مظلة الدولة التي يقرر شكلها وإدارتها الشعب ؟؟

وهل هوس الحكم وكرسي الحكم ، أهم من حقن الدماء السورية ،ـ وحشد الجهود كلها لهزيمة الإرهاب ، واستعادة عافية الوطن عبر مصالحة حقيقية تعيد تفاعل جميع مكونات في إطار الهوية الحضارية الجامعة ؟ انه امتحان التاريخ ، والفرصة إن ضيعتها هيئة التفاوض ، سترمي بنفسها في هاوية الفراغ بعيدا عن أي دور سياسي واقعي  ، وميداني .

يرى متابعون ، أن ما جرى في وادي بردى ، يمكن أن يكون صورة معبرة عن معنى سياسة الدولة السورية في هذه المرحلة ، فهي من جهة مع العملية السياسية التي تستثني (النصرة وداعش ) ، لذلك استمرت في حربها ضد النصرة والمتحالفين معها ، الذين فخخوا نبع الفيجة ، ومنعوا المياه عن أهالي دمشق ، وبنفس الوقت عرضت الدولة المصالحة على من يرمي سلاحه ، وأتاحت خروج المسلحين المتمسكين بسلاحهم ، ولكن تجاه ما قدمته الدولة بقي المسلحون يتعنتون ، متمسكين بسلاحهم وبقطع المياه عن دمشق .

طبعا بدفع سري من تركيا والسعودية ، طمعا في التحكم بالعملية السياسية عبر التحكم بماء حياة دمشق ، لكن الدولة ظلت تفاوض وتعرض المصالحة من جهة ، واستمرت بحربها ضد  النصرة وحلفائها في الوادي .

وضمن حرب الدولة هذه ، يروي المتابعون أن مجموعة من الحرس الجمهوري ، قاموا بالدخول عبر أنفاق المياه ، وساروا لمدة أسبوع باتجاه النبع ، واستمروا يتقدمون بهدوء ودأب ليلا ونهارا حتى وصلوا إلى إمكان تفخيخ نبع الفيجة ، وأزالوا الألغام والافخاخ ، وهذا الانجاز ، هو ما أجبر المسلحين على الرضوخ وقبول التسليم بالخروج ، وهذا ما فتح باب المصالحة لأبناء المنطقة ، ليسووا أوضاعهم عبر مصالحة وطنية .

إن هذه العلمية ، تمثل نموذجا لسياسة الدولة ، من حيث استعدادها وسعيها للانخراط في العملية السياسية ، والصالحة الوطنية ، وانجاز الحل بما يحفظ مصلحة الشعب ، وبما يحقق قهر الإرهاب وكسره ، وان جمع الدولة لمسارات العملية السياسية والمصالحة والقصف والقتال ، والعملية النوعية الجريئة للحرس الجمهوري بالوصول إلى نقاط التفخيخ في النبع .

إن جمع الدولة لكل هذه المسارات ، في إطار عملها الوطني الدستوري التاريخي ، يجب أن يكون واضحا لمعارضة هيئة التفاوض ، لتفهم حقائق ما يواجهها من وقائع ميزان القوى ومعاني القوة ، ومسار الأمور ، وجوهر السياسات المعتمدة ، ومن لا يفهم حقائق الواقع ومعاني القوة ، يرتطم به ويصطدم بقوته ، وربما يفقد عقله ، بعد تضييع توازنه .

على الجميع ، أن يستوعبوا حقائق الواقع ، وميزان القوى ، والتوجهات الدولية والإقليمية وعلى الجميع ، أن يستعيدوا الإحساس بالمسؤولية الوطنية تجاه الشعب ومعاناته ، وتجاه الوطن ومخاطر الإرهاب عليه وعلى مستقبله ، لذلك فلنتعقل جميعا ولنحترم الحقائق ، ولنعمل من أجل أهلنا ومستقبلنا … فهل نفعل ؟!

إن 20 شباط ، والحوار في جنيف ، لناظره لقريب … ، فماذا أنتم فاعلون ؟؟؟