aren

إنها مقصلة وليست معضلة \\ كتابة : جهاد الزين
الخميس - 21 - أكتوبر - 2021

مرّت الذكرى الثانية لثورة 17 تشرين دون مفاجأة تُذكَر: فقد حصل المتوقّع ولم يكن ممكنا لها أن تنجح في تغيير النظام السياسي القوي جدا حتى لو كان يدير دولة تافهة. نعم الاستثنائي الذي حقّقته هذه الثورة معنوي وغير مسبوق وهو أكبر تعرية أخلاقية واجتماعية للمنظومة السياسية اللبنانية الحاكمة والنافذة في تاريخ دولة “لبنان الكبير”. ولكن مع الأسف، مع شديد الأسف والأسى، كل هذه الإدانة الاجتماعية التي قادتها أكبر حركة نخبوية شبابية في تاريخ لبنان لا يمكن صرفها بسعر نائب واحد في البرلمان اللبناني حتى لو كان الصراف من أعلى الصرافين الدوليين في الغرب.. السبب الأكبر لهذا الفشل المنتظَر والحتمي واضح: الجماهير في مكان آخر وتدين بالولاء، القسري والإرادي، للنظام السياسي.

كان يكفي أن يقوم قاتل واحد أو قناص واحد من إحدى الميليشيات المفلسة أخلاقيا منذ زمن طويل بإطلاق رصاصة على أعزل أو غير أعزل لكي يستعيد النظام السياسي بكل ميليشياته وأحزابه كل قدرته وتنكشف ثورة 17 تشرين عن هزال شعبي لا يفيد معه أنها تضم خيرة نخبنا الشبابية. السؤال الذي لم يُجِب عليه أيُّ تحقيق استقصائي في هذه الذكرى الثانية الحزينة هو كم بقي في لبنان من الدفعة الأولى من شباب تلك الثورة.

كان انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020، وهو مرفأ، كأنه إشارة دراماتيكية إلى انغلاق أفق المعبر الخارجي لدولة لبنان المأزومة. عكس تاريخ لبنان الذي ساهم الخارج بنخبه في التأسيس كما ساهم الخارج المحيط في تحميله ما لا طاقة له عليه، كان انفجار المرفأ بداية حقبة جديدة تعيدنا إلى الصفر. لكنه صفرٌ مغلق بعكس العام 1975 الذي كان صفرا مفتوحاً. على اللبنانيين اليوم، وهم ليسوا أحرارا، كل اللبنانيين، أن يخرجوا من مكبّلات وقيود تبدو في الظاهر بنّاءة إلا أنها في العمق مغلقة مثل مستقبل مرفئهم.

كل مرافئ المنطقة مفتوحة على احتمالات كثيرة من بيروت إلى البصرة مرورا بالمرافئ الصحراوية في دمشق وحمص وحلب كما كان المؤرخ أرنولد توينبي يسمّي المدن السورية الداخلية، وهذا يعني أن النفوذ الإيراني الفاعل في كل هذه المنطقة مفتوح بدوره على حركة مد وجزر سياسية إقليمية ودولية من الصعب الركون إلى ثباتها نتيجة الطبيعة “المؤقتة” لعلاقات المشرق العربي كما ارتسمت وثبُت أنها ارتسمت في العقود الماضية. لكن هنا، وبالرغم من هذه الملاحظة، لست من الرأي الذي يعتبر نتائج الانتخابات العراقية تراجعاً للنفوذ الإيراني وأجد في هذا الرأي تسرعاً لا ينسجم مع التكوين المعقّد لهذا النفوذ وعلى مستويات مختلفة داخل العراق عموما وداخل المكوّن الشيعي منه خصوصاً، ناهيك عن أنه لوصحّ التبسيط القائل باستقلالية بعض الزعماء العراقيين فسنشهد ما هو غير متوقّع….

المتوقّع غير المتوقّع

كالعادة ليرحم الله الضحايا اللبنانيين الذين وقعوا في الفخ. الرحمة والأسى والأسف. وسيقع غيرهم في هذا الواقع المكشوف. القاتل يكاد يتباهى، وسيكون ذات يوم في موقع مختلف تماماً كأعدائه. هذه هي الحروب الأهلية.

بقدر ما أنا قلق وغير مطمئن، كمراقب للمنطقة وفي المنطقة، على الوضعِ الخَطِر الذي وَضَعَ فيه المشروعُ الإيراني الأصولي شيعةَ لبنان (ولبنان)، بقدر ما أنا قلق، ولا أحب أن أقول: مُشْفِق على المعضلة العميقة التي يجد مسيحيو المنطقة وخصوصا مسيحيي لبنان أنفسهم فيها. إنها مقصلة وليس معضلة. من جهة لا يستطيعون (المسيحيون) مغادرة مسلّمات المنطقة التوحيدية وعلى رأسها مُسَلّمة وحدة الدول التي يعيشون فيها ومن جهة ثانية عليهم أن يتحمّلوا الانقراض التدريجي من مناطقهم التاريخية في العراق وسوريا وفلسطين وبعض مواقعهم التقليدية في مدن ومناطق لبنانية (محتفظين من حسن الطالع بكتلة ديموغرافية ممتازة تبلغ حوالي المائة كيلومتر من كفرشيما إلى شمال زغرتا في جبل لبنان التاريخي).

ينقرضون (المسيحيون) في صور وصيدا وبعلبك وعاليه وبيروت وبعلبك وطرابلس، سلماً لا حرباً، وليس لديهم لا الحق ولا الطاقة ولا الشرعية التي تتيح لهم وقف هذه المقصلة الخاصة بهم وفيهم دون أن ننسى المقصلات التي تصيب عددا من طوائف وشعوب المنطقة النازفة واللاجئة والمهجّرة والمهاجرة وفي قلبها، قلب قلبها الحالة الخاصة للشعب الفلسطيني تحت مقصلة العنصرية الإسرائيلية. من هي الطوائف الجريحة والمثخنة التي لم تصبها حروب المنطقة في لبنان وسوريا والعراق: السنّة أم الشيعة أم الدروز أم الإسماعيليون أم العلويون أم المسيحيون أم وأم وأم…؟

لكن كل هذا التعميم لا يعفينا من التخصيص ولكل جماعة وعيها الذاتي الجريح.

كانت كل هذه الجماعات، بما فيها يهود ما قبل إسرائيل جزءا من الأمبراطورية العثمانية التي فجّرها التاريخ لكن بقعاً من دمائها لا تزال ظاهرة على حائط الواقع السياسي الراهن. لقد تحوّلت هذه البقايا إلى أممٍ ولكن محبَطة. بقيت عقدة الثقافة غير الدولتية المنفذ الذي تتسلل منه إما طموحات طبقة وسطى ما كان لها أن تُصبح مسموعة الصوت لولا الدول التي شكّكت بشرعيتها أو شرعياتها. أو تفلّتات عابرة للحدود تأتي أيضا من تلك التفلتات ذات الجذر الثقافي السياسي بحيث يمكن القول إن الثقافة التوحيدية لم توحِّد بشكل يصح اعتباره سمة جوهرية في العالم العربي المعاصر.

أعود إلى فكرة الوعي الجريح.

مات مشروع الدولة الأمة بسبب الإصرار على فرض جماعات له على آخرين. في لبنان المنفتح المتقدم تعليميا وحياتيا والإطار الرحب لتسامح لم يكن ثابتاً في المحيط أو بعضه.

السؤال الآن والعالم ينتقل إلى اختمار مختلف من تراكم الدياسبورات الشرعية وغير الشرعية هل تستطيع أو هل تَحتمل الدولُ – الأممُ المنهارة في منطقتنا مشاريع إنقاذ دياسبورية أي آتية من الخارج وهو بالتأكيد من الغرب؟ سبق لي أن طرحتُ نظريا الحاجة إلى هذه النافذة بل الأبواب الدياسبورية في حالة الانهيار اللبناني. لكن الوقائع تقول إنه لا وجود واضح حتى الآن لمشروع دياسبوري يمكن أن تحمله طبيعة العلاقات بل التوازنات الدولية حتى لو ظهرت تعبيرات عنه خارجية وداخلية.

“النهار”اللبنانية