aren

إشراك روسيا في سوريا : إدارة الصراع المحيطي \\ بقلم : آرون شتاين
الأحد - 7 - نوفمبر - 2021

“بوتين- الاسد” خلال عرض عسكري في قاعدة (حميميم) الجوية الروسية على الساحل السوري

التجدد الاخباري – ترجمة “خاصة وحصرية” \ مكتب واشنطن

تدرس الولايات المتحدة ، كيفية تضييق الأهداف الأساسية في الشرق الأوسط للتركيز على تحسين الجهوزية العسكرية، وزيادة الأصول (القطعات العسكرية) منخفضة العدد ، والمرتفعة الطلب ، المتاحة للنشر في آسيا ، وأوروبا.

لتحرير المزيد من القوات وللمساعدة في تحسين الجهوزية، يجب على “واشنطن” التفكير في ترتيب انتقائي مع “موسكو”، يتعلق بتأمين وقف إطلاق نار رسمي في شمال (غرب سوريا)، والتوصل إلى اتفاق بشأن “منطقة محظورة للقوات الأجنبية” في جنوب سوريا. لن تغير هذه السياسة، الوضع الراهن في سوريا، ولكنها ستعني توظيف الأدوات الدبلوماسية للسماح بإعادة تخصيص بعض الموارد المكلفة الآن بحماية القوات البرية الأمريكية.

هذا التفاهم مع الاتحاد الروسي من شأنه أن يفسح المجال للالتفات للمصالح الأهم للولايات المتحدة ، وسيكون بالإمكان، استخدام قدرات مكافحة الإرهاب الموجودة في الأردن ، لعرقلة المؤامرات ضد الوطن. كما سيسمح هذا التفاهم مع موسكو، استخدام الأدوات الدبلوماسية لتهيئة الظروف، لإزالة القوات، التي لا تُعنى بشكل مباشر بجهود مكافحة الإرهاب. ومن خلال هذا النهج ، ستحتفظ الولايات المتحدة بقوات في الشرق الأوسط ، ولكن بالشكل الذي يسمح لبعض هذه القوات (الأصول) بتعديل أوضاعها للتواجد في الولايات المتحدة، أو المحيطين الهندي والهادئ، أو أوروبا، إذا دعت الحاجة.

مقدمة

بعد سنوات من الشعور بالضيق على المستوى الاستراتيجي في الشرق الأوسط اثر إرهاب تنظيم القاعدة في ايلول\ سبتمبر 2001 ، أعطت الولايات المتحدة ، الأولوية للتخطيط لهزيمة خصم أكثر ندية، وتقليل التركيز على مكافحة الإرهاب. مصدر القلق الرئيسي الآن، هو “بكين”، حيث تثير تطوراتها العسكرية النقاشات حول كيفية  تخصيص موارد محدودة لتجهيز وتمويل القوات المسلحة لجيش الولايات المتحدة. وكجزء من هذا الجهد، تسعى الولايات المتحدة إلى تقليص مخصصات الأصول المطلوبة ذات الكثافة المنخفضة (الأعداد المحدودة) من منطقة عمليات القيادة المركزية (الشرق الأوسط) لإخراج القوات الأمريكية من الصراعات في الشرق الأوسط ، وآسيا الوسطى.

هذه الخطوة ، كفيلة بتحرير القوات واستعادة الجاهزية، وتوفير الأموال للاستثمار في التحديث. لدى الولايات المتحدة ، دافع مهم “لتحديد الحجم المناسب” لالتزاماتها في الشرق الأوسط، وتحقيق التوازن بين: المخاوف المستمرة بشأن الإرهاب والحاجة إلى زيادة القدرات لمواجهة نظرائها مثل : (بكين وموسكو). يعد تقليص الأصول الأمريكية المستهلكة في الحرب في سوريا ، أحد الطرق لمواصلة الاتجاه المتمثل: بالتركيز بدرجة أقل على التهديدات القادمة من الشرق الأوسط وبدرجة أكبر على التهديدات القادمة من الاتحاد الروسي ، وجمهورية الصين الشعبية. لقد تحوّل الدور الأمريكي في سوريا من القتال على الأرض مع قوة شريكة محلية -قوات سوريا الديمقراطية “قسد” إلى جهود التدريب ، ومكافحة الإرهاب بقيادة عمليات خاصة،أصغر. ويُستكمل هذه الجهود من خلال مهام جوية دفاعية مضادة للطيران للقوات الجوية لحماية القوات الأمريكية.

هناك طريقة لفعل المزيد بموارد أقل في سوريا، وعلينا استكشاف كيف يمكن للولايات المتحدة ، تحقيق هدفها المتمثل في التحضير لصراع القوى الكبرى ، وتحويل الأصول (القوات) بعيدًا عن المهمات ذات الأولوية المنخفضة في النزاعات المحيطية (الجانبية). من شأن هذا النهج ، أن يرفع من أولويات الأمن القومي الأساسية: -الدفاع عن الوطن من خلال مراقبة وضرب الجماعات الإرهابية في الخارج- دون الاضطرار إلى نشر الأصول القوات التي تحتاجها الولايات المتحدة في مناطق أخرى، وتوفيرها للمهمة الأكثر اتساعًا ، والتي القوات الأمريكية ، مكلفة بها الآن.

يجب على إدارة بايدن ، أن تنظر في مهمة محدودة لمكافحة الإرهاب، تعتمد على الأصول العسكرية في العراق والأردن، في مهمة حماية الوطن فقط، والضغط على تنظيم داعش. لمتابعة مثل هذه المهمة الضيقة (المحدودة) يجب على واشنطن التفكير في الانخراط مع موسكو في “صفقة الوضع الراهن”، التي تغلق الحرب السورية على الوضع الحالي، في مقابل آليات تسمح بتقليص الوجود العسكري مع استمرار عمليات التحليق الجوي للولايات المتحدة ، لتمكين جهود مكافحة الإرهاب. لا يحتاج هذا التحول في السياسة إلى تغيير أي حقائق على الأرض وفي نفس الوقت ومن الناحية العملية، سيمكن المزيد من المصالح الأمريكية الضرورية.

جاء تواجد النظامين الروسي والسوري شرقي نهر الفرات بعد اجتياح الجيش التركي في تشرين الأول/أكتوبر 2019 ، ما أجبر الولايات المتحدة على الانسحاب من على طول الحدود. علاوة على ذلك، فإن نظام بشار الأسد ، موجود على الحدود مع الأردن، وقد أعرب كلا البلدين عن رغبتهما في توسيع التجارة عبر الحدود.

للحكومة الأردنية ، مصلحة في الضغط على الشبكات الإيرانية ، التي تعمل في سوريا والعراق.يمكن لاتفاق أمريكي روسي ، أن يخفف العبء على القوات الأمريكية في سوريا، ويحمي القوات الشريكة لأمريكا، ويسمح بإعادة نشر الأصول المحدودة في أماكن أخرى -بدلاً من استخدامها كما الآن في مهام أقل استراتيجية- لدعم أهداف أوسع مرتبطة بزيادة الجاهزية والحفاظ على مستويات القوة في المحيط الهادئ. ومناطق العمليات الأوروبية دون الحاجة إلى سحبها للعمليات في الشرق الأوسط.

لتحقيق هذه النتيجة، يجادل هذا (التقرير)، بأن واشنطن يجب أن تفكر في التعامل الانتقائي مع موسكو في سوريا للإشراف على وقف رسمي لإطلاق النار بين قوات سوريا الديمقراطية\ قسد ، وحكومة الأسد في الشمال الشرقي، وللتعامل مع روسيا بشأن “منطقة قوات لا أجنبية” على طول الحدود الأردنية السورية في جنوب غرب البلاد، يتم مراقبتها بشكل غير مباشر من قبل الطائرات الأمريكية والروسية مع آلية لتبادل البيانات في حالة نشوء نزاع.

قد تشبه هذه الآليات ، ترتيبات عدم التضارب القائمة بالفعل ، ويمكن أن العمل على الإجراءات اللازمة لإبلاغ كل طرف للآخر بالتحليق في مناطق معينة، حيث ينشر كل طرف ، قوات برية . يمكن، في نهاية المطاف، تقليص الوجود الأمريكي الحالي إلى وحدة صغيرة من القوات الجوية والبرية في الأردن والعراق، وستكون هذه الوحدة في العراق ببساطة ، امتدادًا للوضع الراهن، في حين أن الوجود الأكثر ديمومة في (الأردن)، يمكن أن سيمكّن ، الأهداف العسكرية الأمريكية ، الأوسع من تطوير قواعد صغيرة ، تستخدم الذخائز الموجهة بدقة لمنع الخصوم من استهداف المنشآت الأمريكية، وتعزيز جهود أكثر تضافرًا من أجل تقليل البصمة الأمريكية في منطقة الخليج الفارسي.

من شأن هذا النهج، أن يسمح للأصول الأمريكية في سوريا أن تتعامل مع مخاوف أخرى أكبر تتعلق بشرق البحر الأبيض المتوسط، حيث سيكون لوجود روسيا آثار على الأطراف الجنوبية لمنظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) ، والأمن الأوروبي.

(بوتين – الاسد) في مقر القوات العسكرية الروسية بالعاصمة السورية – دمشق

تضييق التركيز في سوريا

سعت إدارة بايدن إلى إعادة ضبط السياسة الأمريكية تجاه سوريا. بدأ التدخل الأمريكي في سوريا في عام 2014 ، وركز على تمكين القوات المحلية الشريكة، المدعومة بقوات العمليات الخاصة الأمريكية، للسيطرة على الأراضي ، التي كانت تحت سيطرة تنظيم “داعش”.

بدأت الحرب في عهد الرئيس (باراك أوباما)، واستمرت في عهد الرئيس (دونالد ترمب)، ويشرف عليها (الآن)، الرئيس “جوزيف بايدن”.سعت إدارة بايدن إلى التركيز فقط على ما يمكن تحقيقه، وتركيز الجهود على زيادة المساعدة الإنسانية في (شمال) غرب سوريا ، وتعزيز الاستقرار في شمال (شرق سوريا). لتحقيق هذه الأهداف، لدى الولايات المتحدة مصلحة كبيرة في التفاوض بجدية مع روسيا، القوة العظمى الأخرى المشاركة في الصراع، باعتبارها أقوى داعم للنظام السوري، وقد استخدمت موسكو ، ثقلها الدبلوماسي في الأمم المتحدة لحماية النظام.

لقد أشارت إدارة بايدن إلى أن مصالحها الأساسية في سوريا، تقتضي: أن تمنع النظام من شن الهجمات في شمال غرب سوريا، حيث نشرت أنقرة قواتها لحماية (إدلب)، التي تسيطر عليها المعارضة،بالاضافة إلى الاحتفاظ بوصول المساعدات الإنسانية للأمم المتحدة لإدارة الكارثة الإنسانية المستمرة؛ والضغط على تنظيم “داعش” في الشمال الشرقي ، والعناصرالمرتبطة بالقاعدة في (شمال) غرب سوريا. هذه هي الأهداف المركزة (الضيقة) للولايات المتحدة، مدعومة بمجموعة من العقوبات المفروضة على النظام السوري لارتكابه جرائم حرب ، وملاحقة الحرب الأهلية. في المقابل ، فإن المطالب الروسية من الولايات المتحدة ثلاثة: ( 1) إنهاء العقوبات، ( 2) سحب القوات الأمريكية من سوريا، كجزء من انسحاب أوسع لجميع القوات الموجودة في سوريا بدون دعوة من النظام، وبالتالي بقاء القوات الروسية والإيرانية فقط ، باعتبارها متواجدة بموافقة دمشق، و(3) التطبيع مع حكومة الأسد ، وإعادة دمجها مع المنظومة الدولية.

وقد سبق للولايات المتحدة أن تعهدت بعدم تطبيع العلاقات مع (نظام الأسد)، ولا تزال ملتزمة ببنود قرار مجلس الأمن ، رقم 2254 ، الذي صدر بالإجماع في كانون أول \ ديسمبر 2015 ، ودعا إلى وقف إطلاق النار وتسهيل المفاوضات إلى نهاية قرار النزاع. وقد استبعد وقف إطلاق النار هذا، الجماعات الإرهابية المصنفة، بما في ذلك تنظيم (داعش والقاعدة). يتركز الخلاف حول قرار مجلس الأمن رقم 2254 على تفسيرات نص القرار ، ومعنى المطالبة بإنشاء “مجلس حكم انتقالي شامل يتمتع بصلاحيات تنفيذية كاملة”. ينظر الروس إلى هذه العبارة على أنها محاولة لتغيير النظام ، ويقترحون “بدلاً” من ذلك التركيز على إجراء تغييرات في الدستور السوري ، والضغط من أجل انتخابات جديدة.

مع استمرار الحرب، تضاءل الإصرار الأمريكي على هيئة حاكمة انتقالية، على الرغم من أن مقاومة التطبيع مع الأسد لا تزال قوية في معظم أنحاء الغرب. كما تحولت الجهود الروسية بشأن العملية الدستورية إلى صيغة مختلفة، ولم تسفر عن نتائج ملموسة تذكر. أُطلق على هذا الجهد السياسي ، اسم “عملية أستانا”، ويشمل تركيا وإيران ، كمفاوضين مشاركين. ثم توقفت المفاوضات الروسية التركية، وتحول المسار الثلاثي إلى آلية ثنائية لموسكو وأنقرة لإدارة الصراع، بدلاً من الإشراف على التغييرات الجادة في الدستور السوري.

بالعودة إلى الأهداف المحدودة لـ(إدارة بايدن) في سوريا، فقد تكون هناك فرصة للانخراط مع موسكو في حوار ثنائي ، يتجنب الخلافات الواضحة حول وضع الأسد. ويركز على هدف أضيق : وقف رسمي لإطلاق النار في الشمال الشرقي ومنطقة “قوات لا أجنبية” في الجنوب الغربي. لن يكون هذا الطرح جديدًا، لكن المأزق الحالي للحرب يمكن أن يخفف من نقاط الخلاف ، التي كانت موجودة في المحادثات الأمريكية- الروسية السابقة. يمكن أن تزيد هذه الأهداف المحدودة، الثقة بين الجانبين، مما يتطور إلى مجموعة من الشروط للولايات المتحدة للنظر في تخفيف بعض العقوبات المفروضة على النظام السوري، مع التوسع في ترتيبات “تفادي التضارب”،التي تساعد على إدارة التفاعلات العسكرية اليومية بين القوتين الخارجيتين. وفي المقابل، من المتوقع أن تضمن موسكو ، التزام النظام بوقف إطلاق النار ، والمنطقة العازلة للقوات غير الأجنبية على طول الحدود الأردنية السورية.

يمكن أن يؤدي استقرار التفاعل الأمريكي الروسي في سوريا إلى نتائج ملموسة واضحة ، وتقليل الحاجة إلى الأصول العسكرية المخصصة لحماية القوات والمصالح الأمريكية، بما في ذلك الحامية العسكرية الصحراوية الصغيرة الواقعة بالقرب من منطقة (التنف). فهذه المنطقة (التنف) ليس لها علاقة مباشرة بالحرب ضد تنظيم “داعش”، ولكنها لازمة لتسيير دوريات جوية ، شبه مستمرة ، لحماية القوات البرية الأميركية من التحليق الروسي، والهجوم الإيراني عبر طائرات مسيرة مسلحة وصواريخ أرضية وطائرات كاميكازي (الطائرات المتفجّرة الانتحارية). هذه المهمة ، ليست ذات قيمة دائمة للولايات المتحدة ، وهي أحد المجالات التي يمكن أن يستفاد فيها من آلية إدارة المخاطر ، التي لا تتطلب نشر أصول عسكرية، ومع انخفاض الحاجة إلى حماية القوات والمصالح الأميركية نتيجة هذه الترتيبات المقترحة، يمكن إعادة الأصول الأمريكية إلى الوطن، لإعادة نشرها حيث يمكن رفع جهوزيتها ، أو إعطاء مرونة أكبر للمخططين لإرسال هذه القوات إلى أماكن أخرى في العالم.

بوتين- بايدن

رفع مستوى المنافسة بين القوى العظمى

فاجأ التدخل الروسي المباشر في الصراع السوري ، الولايات المتحدة. جاء الانتشار في ايلول\ سبتمبر 2015 بعد وقت قصير من قيام القوات المسلحة الروسية بضم شبه “جزيرة القرم” وغزو “دونباس” في أوكرانيا. أثار القرار الروسي باستخدام القوة في الخارج ، المخاوف ، بشأن نوايا موسكو الأوسع ، وكيف يمكن أن تؤثر مثل هذه الأعمال على المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، وعلى طول حدود (الناتو)، وفي مناطق بعيدة مثل (شمال إفريقيا).

سعت إدارة أوباما إلى إدارة التدخل الروسي في سوريا من خلال:

1-نشر القوات البرية الأمريكية لردع النشاط الروسي في المناطق التي كانت فيها الحرب ضد تنظيم “داعش”، هي الأولوية، 2- ومن خلال إشراك موسكو في سلسلة من مقترحات وقف إطلاق النار لوقف القتال في شمال غرب سوريا. غالبًا ما انهارت هذه المفاوضات، بسبب: الاختلاف حول تعريف “الجماعات المتطرفة”، وبسبب النزعة الروسية لقصف البنية التحتية المدنية بغية دعم قوات الأسد على الأرض ، والتفسيرات المتضاربة لقرارات مجلس الأمن الدولي.

يوجد في الصراع السوري ، قضيتين متقاطعتين ، تتعلقان بتحسين فعالية القوة الأمنية ، والقدرة على الدفاع، يجب على موسكو و واشنطن ، إدارتهما: الصراع الأهلي هو أحد الأماكن القليلة على وجه الأرض ، حيث تتواصل القوات الأمريكية والروسية التقليدية بشكل شبه يومي . هذه التفاعلات، في معظمها، مهنية وخاضعة لرقابة صارمة. ومع ذلك، في بعض الأحيان، يمكن أن تكون هذه التفاعلات مكثفة، مما يؤدي إلى عمل عدواني من قبل القوات الجوية لكل بلد أو على الأرض. هذه التفاعلات محكومة بترتيبين لعدم التضارب، يغطي كل منهما العمليات التي تقوم بها القوات الجوية والبرية.

استخدمت هذه الإجراءات في السابق (نهر الفرات)، كخط فاصل، مع اقتطاع مواقع أمريكية في “الطبقة والتنف”. كان للروس وجود بري صغير بالقرب من دير الزور ، وغالبًا ما كانوا يطيرون بطائرة واحدة عبر النهر. دعا ترتيب عدم التضارب إلى إخطار مسبق للعمليات الجوية ، التي تتجاوز نهر الفرات، لكن الإخطار المسبق لمثل هذا الإجراء ، لم يكن إجبارياً. لذلك، عادة ما تقوم القوات الجوية الروسية (فكس) خلال أوقات التوتر الدبلوماسي مع الولايات المتحدة، بوقف التعاون على خط عدم التضارب ، واستخدام النشاط الجوي المتزايد للإشارة إلى عدم الرضا. انقلب هذا الوضع رأساً على عقب في أكتوبر/تشرين الأول 2019 بعد اجتياح الجيش التركي (شمال) شرق سوريا. هذه العملية، التي أطلق عليها ، اسم “نبع السلام”، أجبرت الولايات المتحدة على التخلي عن مواقع على طول الحدود. حيث توغلت القوات التركية في صندوق محصور بين (تل أبيض ورأس العين)، يمتد على طول الطريق السريع (ام 4) إلى الجنوب من الحدود.

استغل الجيش الروسي ، الاجتياح التركي، فأرسل قوات برية إلى (منبج)، إلى جانب تعزيز مواقع النظام السوري، المتواجدة على طول الحدود التركية – السورية. سعت قوات سوريا الديمقراطية – قسد ، في كل موقف من هذه المواقف، إلى التكتل مع القوات المسلحة الروسية، أو النظام السوري لتشكيل حاجز لوقف التقدم التركي. بالنسبة لأنقرة، فهي ترى تمكين قوات سوريا الديمقراطية – قسد في سوريا على أنه تهديد وجودي ، لأن القوام الأساسي لهذه القوات ، مكون من وحدات الحماية الشعبية ، وهي الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني سوريا ، وبالتالي ، فإنّ أي حضور إقليمي لـ(قسد) في سوريا، يهدد بخلق ملاذ آمن لحزب العمال الكردستاني لتنظيم ، وتخطيط هجمات ضد الدولة التركية.

أدّى دخول القوات الروسية إلى شمال (شرق سوريا) إلى قلب ترتيب تفادي التضارب ، الذي كان قائماً. ونتيجة لذلك، عبرت القوات الروسية ، النهر بأعداد أكبر وبدأت في إجراء دوريات مشاة وطلعات طائرات هليكوبتر روتينية في المناطق التي تتواجد فيها القوات الأمريكية أيضًا. كانت هذه التفاعلات، في بعض الأحيان، عدائية. ففي اغسطس\ آب 2020 ، اصطدمت القوات البرية الروسية بدورية أمريكية، مما أدى إلى إصابة عدد من الجنود. أظهرت هذه الحادثة ، التحديات التي تلازم التفاعل اليومي بين القوات المسلحة الروسية والأمريكية ، وضرورة وجود آليات لنزع فتيل التوترات وتبادل المعلومات، عند الحاجة، لإدارة التصعيد غير المقصود.

توجد ديناميكية مماثلة في شرق البحر الأبيض المتوسط، حيث قام الجيش الروسي بتوسيع منشأة بحرية في “طرطوس”، ووقع اتفاقية مدتها 50 عامًا لزيادة عدد السفن الغواصات ، التي يمكن أن ترسو في سوريا لدعم الوجود البحري الروسي المتزايد في شرق البحر الأبيض المتوسط، ويتضمن الدور الروسي في هذا المجال، موازنة هذا التواجد مع سفن “الناتو”، المنتشرة في المنطقة.

بالتوازي مع ذلك، وسعت القوات الجوية الروسية عملياتها من قاعدة حميميم الجوية، ففي عام 2021 ، قامت القوات المسلحة الروسية بتوسيع مدرج القاعدة لاستيعاب (22 ام 3-تو ) وهي قاذفة استراتيجية ، مكلفة بهزيمة حاملات الطائرات الأمريكية المزودة بصواريخ كروز المضادة للسفن، كما تم نشر( 31-ميج و 22-تو ) المزودتين بصاروخ “خينزال”، الأسرع من الصوت. تزامن هذا الانتشــار مع وصول الســفينة الحربية العملاقة : جلالة الملكة إليزابيث ، وعلى متنها 18 من مشــاة البحرية الأمريكية وطائرات بي اف-35 ، ويبدو أن القوات الجوية الروســية  اقتنصــت فرصــة وصول هذه الســفينة، فنفذت محاكاة لضربات على الأســطول البريطاني، مما دفع إلى القيام بطلعات جوية اعتراضية من قبل طائرات بي اف-35

كان هذا التفاعل بين كلا القوتين ، بمثابة تذكير بالحرب الباردة، ولكنه أشار أيضًا إلى النية الروسية لتحدي المصالح البحرية الغربية في المنطقة . على النقيض من ذلك، كان الهدف من الانتشار البريطاني ، الإشارة إلى أن ادعاء موسكو ،بأنها الوسيط في الأمن الإقليمي ، غير صحيح، وأنّ القوات البحرية الغربية، ستظل موجودة في البحر الأبيض المتوسط.

الموقف الروسي في سوريا مهم أيضًا لمصالحها في شمال إفريقيا، وتحديداً انتشارها (شبه الرسمي) للمرتزقة في ليبيا وجمهورية إفريقيا الوسطى. يمكن لروسيا التلويح بالقوة داخل سوريا لمصلحتها الدبلوماسية، وزيادة التوترات عمدًا ، لانتزاع تنازلات من المسؤولين الأمريكيين، المصممين على إدارة مسارات التصعيد في صراع ، تريد واشنطن إبقاءه محدوداً. سيكون الإرث على المدى الطويل، الوجود الروسي المستمر في سوريا ، وكيف يمكن لهذا الوجود أن يسمح للقوات الروسية بزيادة قدراتها المضادة للسفن والهجوم البري في منطقة كانت غير متنازع عليها نسبيًا بين عامي 1991 و 2010

التحدي الذي تواجهه الولايات المتحدة ، هو موازنة مصالحها الخاصة في سوريا، والتي لا تزال مرتبطة بهدف محدود يتعلق بمكافحة الإرهاب، وبين المخاوف الأوسع بشأن زيادة القدرات الروسية على طول الحد الجنوبي لأوروبا ، وجهود الكرملين لتطوير قواتها البحرية. أدت هذه التحديات، بطبيعة الحال، إلى دعوات لتحدي روسيا في سوريا لتعقيد طموحات موسكو الإقليمية. ومع ذلك، فإن مثل هذا الإجراء ، يعني المخاطرة بالانخراط في صراع هامشي لدعم أهداف السياسة العليا، وهذا سيكون له تداعيات سلبية على أولويات الدفاع الأوسع، والتي تسترشد أيضاً وبشكل أساسي بأهداف السياسية العليا.

وبالتالي، فإن جعل “سوريا”، محور أي جهد لتحدي روسيا ، هو مخاطرة بإثارة الصراع الهامشي على حساب أهداف السياسة الخارجية الأساسية، وبالتالي إخضاع استراتيجية الدفاع الأشمل (والتمويل وتخصيص الموارد التي تمكّن هذه الجهود) لهذا الصراع. ولهذا السبب فإنه من المهم أن يكون هناك تقييم واضح لتصنيف الوضع في سوريا بالنسبة للولايات المتحدة ، وسياق التحدي الروسي في الحرب الأهلية في سوريا، مقارنة بحاجة الولايات المتحدة للتركيز أكثر على الاستعداد لحرب القوى العظمى. من شأن هذا النهج ، أن يتعامل مع قدرات استعراض القوة الروسية في القواعد في سوريا على أنه تحدٍ أوسع لمصالح الولايات المتحدة في البحر الأبيض المتوسط وجنوب أوروبا، لكنه لن ينظر إلى الأنشطة البرية الروسية في سوريا -أو دعمها لنظام الأسد- على أنها تهديد خطير.

قوات روسية وأمريكية في شمال سوريا

التغلب على التوتر وبناء الثقة

أجرت الولايات المتحدة وروسيا ، مشاورات مباشرة حول الحرب الأهلية السورية منذ تدخل موسكو في أواخر عام 2015 ، وكانت هذه المشاورات المباشرة والثنائية، حاسمة في صياغة وإقرار قرار مجلس الأمن رقم 2254 ، وفي صياغة شروط ترتيب ما قبل 2019 بشأن تفادي النزاع.

سعت المفاوضات إلى التوصل إلى اتفاق بشأن وقف الأعمال العدائية، بالتزامن مع ترتيبات “عسكرية – عسكرية” لتعريف وتحديد الجماعات الإرهابية، وتحديد حدود المناطق التي لا تتواجد فيها هذه المجموعات (وبالتالي إنشاء مناطق حظر القصف)، وضرب المناطق التي كان من المعروف أنّ الإرهابيين موجودون فيها. كان هذا الجهد مثيرًا للجدل في الولايات المتحدة، نظرًا لاستمرار الجانب الروسي بقصف المنشآت المدنية، ومالبث أن تعثّر بسبب الخلافات حول كيفية تحديد الجماعات الإرهابية ، وكيفية تحديد مناطق خالية من القصف. التحدّي الأساس كان وجود “جبهة النصرة” في (إدلب)، وكيف انخرطت هذه المجموعة مع الجماعات الأخرى المناهضة للأسد، الملتزمة بالثورة.

لقد سمحت ارتباطات “جبهة النصرة” بـ”القاعدة” لموسكو ، الادعاء أن التمرد ، كان مخترقاً بعناصر متطرفة، وحتى لو كان هذا الإدعاء ، مجرد جزء من حملة لتشويه سمعة كل جماعات المعارضة ، ووصمها بالتطرف. ولكن في الحالة الأخرى في جنوب (غرب سوريا)، حيث لا توجد هذه الدعاية، تم التوصل لوقف إطلاق نار،وافقت عليه الولايات المتحدة وروسيا و(الأردن).

في (شمال) شرق سوريا قد تكون هناك فرص للانخراط بمجموعة محدودة من تفاهمات وقف إطلاق النار، والمناقشات دون الوطنية من أجل عملية مصالحة رسمية، حيث يتمتع نظام الأسد وقوات سوريا الديمقراطية\قسد بعلاقات غير رسمية، تنطوي على روابط اقتصادية ، وإدارة يومية للتفاعلات بين القوتين. وسبق ، وان انخرطت قوات سوريا الديمقراطية\قسد و(النظام) في محادثات مباشرة حول تسوية سياسية واسعة، لكنهما تنازعا حول الاختلافات الواسعة بخصوص الحوكمة اللامركزية ، ونماذج الأمن.

على المستوى الثنائي الأمريكي الروسي، يمكن القول :ان الاجتياح التركي في تشرين أول\ أكتوبر 2019 ، ربما أزال عقبة رئيسية أمام المحادثات الأمريكية الروسية حول وجود النظام في الشمال الشرقي.فمنذ بداية الصراع، طالب نظام الأسد بالاحتفاظ بالسيطرة على حدوده وإعادة قواته الأمنية للمناطق التي فقدتها خلال الحرب.

عجل الاجتياح التركي بعودة عدد صغير من قوات النظام إلى الشمال الشرقي ، وفرض تغييرات على كيفية تفاعل الولايات المتحدة وروسيا في الصراع. يمكن للولايات المتحدة، أن تستغل الاحتمال المنخفض لأي عمل تركي إضافي في الشمال الشرقي. فلا يزال بإمكان الجيش التركي، اجيتاح المناطق الواقعة على طول الحدود -ولا سيما بلدة كوباني الحدودية— ولكن أي عمل من هذا القبيل ، سيتطلب عدم تضارب العلاقات بين تركيا وروسيا، وهذا يخلق حافزًا للولايات المتحدة ، لمنع صفقة (روسية تركية).

للقيام بذلك، يمكن للولايات المتحدة أن تعمل سراً على إقناع شركائها من كل جانب للانخراط في محادثات مباشرة ، ومُشرف عليها، لوقف إطلاق النار في الشمال الشرقي،وسيكون وقف إطلاق النار هذا وفقًا لروح قرار مجلس الأمن رقم 2254 ، وفي جوهره، يضفي الطابع الرسمي على الوضع الراهن. وفي كل الأحوال، ستتطلب هذه العملية، الاعتراف بوجود النظام على طول الحدود على أنه شرعي، وبالتالي ستتضمن شروطًا لأشياء مبتذلة مثل رفع أعلام النظام.

قد تؤدي هذه العملية، إذن، إلى محادثات للمصالحة تتوسط فيها الولايات المتحدة، وتستند إلى مطالب الولايات المتحدة لروسيا بضمان عدم استهداف قوات النظام السوري لقوات سوريا الديمقراطية\قسد ، والسماح بقدر يسير(ضئيل) من اللامركزية السياسية في الشمال الشرقي ، مقننة في “دستور محدث”. وفي حال كانت كانت هذه العملية ستلقى استجابة إيجابية، فيمكن للولايات المتحدة أن تنظر حينها في منح استثناءات إنسانية لبعض بنود العقوبات لزيادة المساعدات لجميع الأراضي في سوريا. ولمراقبة وقف إطلاق النار هذا، يجب على الولايات المتحدة، ألا تكون مفرطة في الطموح. وأن تستمر في وجودها في سوريا، وتقدم تعريفًا مشتركًا لـ”المتطرف” ، كذريعة لمواصلة أنشطة مكافحة الإرهاب.

في الشمال الشرقي، الجماعة المتطرفة الوحيدة، التي تهدد روسيا ، أو الولايات المتحدة ، هي “تنظيم داعش”، لذا فإن القضايا التي أعاقت التفاهمات حول (إدلب)، لن تكون بنفس الحدية في الشمال الشرقي، فالروس مازالوا منخرطين في محاربة فلول داعش في الصحراء السورية، بينما تواصل الولايات المتحدة توجيه ضربات لقيادة داعش في جميع أنحاء سوريا.

وعملية تحديد مناطق داعش في الشمال الشرقي، عملية أسهل، ويمكن إدارة التحركات العسكرية الجوية من خلال تفاهم تفادي التضارب القائم حالياً، مع احتمال الحاجة إلى تفاهم إضافي يتعلق بعدم التحليق فوق المواقع العسكرية المعلنة لكل طرف. يمكن أن تكون هذه الآلية أيضًا نموذجًا للجنوب الغربي، حيث يمكن للولايات المتحدة العمل عن كثب مع الأردن للانخراط مع روسيا في تفاهم ثلاثي بالتزامن مع تفاهم أمريكي إسرائيلي يضمن بقاء إسرائيل على اطلاع بالتطورات.

ويمكن صياغة التفاهمات هذه على غرار الجهود ، التي بذلتها إدارة (ترمب) عندما عملت الولايات المتحدة عن كثب مع الأردن في مبادرة ثلاثية لوقف إطلاق النار مع روسيا، وتضمن ذلك الجهد تشاوراً أمريكياً وثيقاً مع الحكومة الإسرائيلية، التي تركز على تحجيم النشاط الإيراني داخل سوريا. ويمكن حينها النظر إلى وقف إطلاق النار هذا على أنه إقرار بسيط بالوضع الراهن، بنفس الطريقة، التي تحدثنا فيها عن تفاهم الشمال الشرقي.

يسيطر النظام على جزء معين من سوريا، وفي مفاوضات سابقة، كانت واشنطن مستعدة لقبول وجود النظام على طول الحدود ، مقابل أن يبذل الروس الجهد اللازم لإزاحة العناصر المرتبطة بإيران من الحدود الأردنية السورية، وهي مهمة لم تُظهر موسكو الكثير من الحماس لها في الماضي. لدى الولايات المتحدة والأردن ، حافزٌ مستمر لدفع موسكو للموافقة على منطقة “قوات لا أجنبية”، واستخدام نفوذها مع دمشق لتسهيل انسحاب القوات المرتبطة بإيران من هذه المنطقة، في المقابل، أبدت عمّان استعدادها لزيادة مستوى التبادل التجاري عبر الحدود، في سياق جهد أوسع لاستعادة السيادة السورية. يمكن أن يمثل هذا الاقتراح خطوة إضافية في إدارة وضع الميليشيات المرتبطة بإيران على طول الحدود الجنوبية، وإشراك روسيا في قضية ذات أهمية بالغة للأردن وإسرائيل، وخلق مسار للتعامل مع الجهود الأردنية الرامية لاستئناف التجارة عبر الحدود.

ولمراقبة هذا الترتيب، يجب على واشنطن وعمّان تبسيط مقاربتهما، ففي الماضي كان هناك جهد لإقامة مركز مراقبة أمريكي روسي مشترك، ولكن ثبت أن هذا طموح بعيد للغاية، بدلاً من ذلك، يجب أن يتفق الطرفان على آلية لمشاركة البيانات، لا سيما بشأن مواقع الميليشيات الأجنبية. ستكون هذه المواقع إذن، محور المحادثات الثلاثية لمعالجة الخلافات حول الميليشيات العاملة داخل منطقة القوات غير الأجنبية المعلنة، وسيكون الروس مسؤولين عن مثل هذا العمل.

المكافأة، بالطبع، ستكون السماح لـ(عمّان ودمشق) بزيادة التجارة عبر الحدود، وهو الهدف الذي يسعى الأردن لتحقيقه. وبالتالي فإن هذه النتيجة، ستساهم في تحقيق هدف روسي رفيع المستوى، وهو الاعتراف الفعلي بالسيادة السورية على معبر حدودي رئيسي. في كلتا الحالتين، ستقدم الولايات المتحدة ، تنازلات تهدف إلى التركيز على مهمتها المعلنة في سوريا : (هزيمة داعش) . لقد سعت روسيا في السابق للحصول على تنازلات خاصة بها من قبل لولايات المتحدة، بما في ذلك مطالب بعيدة المنال تمثلت بسحب القوات الأمريكية وتخفيف العقوبات. يمكن بالطبع أن تكون هذه القضايا بعيدة المنال، مطروحة للنقاش اليوم في حوار مستمر

مع موسكو. ومع ذلك، فإن أي تحرك بشأن مثل هذه القضايا، سيتطلب إجراءات روسية متبادلة، تتراوح من التعاون على إزالة الأسلحة الكيميائية من سوريا (كما هو مطلوب بموجب اتفاقية الأسلحة الكيميائية) إلى تنفيذ تغييرات سياسية حقيقية من شأنها أن تحاسب القادة السوريين على جرائم الحرب.

وفي حال عدم الاستعداد لمثل هكذا صفقة كبرى، فيمكن لهذه الإجراءات الصغيرة والتدريجية بناء الثقة وتخفيف التوتر بين روسيا والولايات المتحدة لتنطوي على بعض الإعفاءات المحدودة من العقوبات ، إذا ثبت وجود حسن النية من جانب موسكو ودمشق، وستضع موسكو في اختبار محاولة الضغط على إيران والتصرف بحسن نية عند التعامل مع قوات سوريا الديمقراطية-قسد.

من شأن التنازلات الأمريكية، أن تزعزع الهيمنة الروسية القسرية على قوات سوريا الديمقراطية\قسد ، إما من خلال السماح باستخدام القوة في المناطق ذات الأغلبية الكردية أو السماح لتركيا بتوسيع العمليات العسكرية. هذا الجهد الأمريكي العلني لحماية ”قوات سوريا الديمقراطية-قسد “ من الهيمنة الروسية القسرية، يمكن أن يقوي يد “قوات سوريا الديمقراطية-قسد ” في المناقشات الأوسع مع النظام حول مستقبل سوريا.

حامية التنف العسكرية

طريق الانسحاب

الحرب في سوريا ، كأولوية للمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة ، تأتي في منزلة أقل من أولوية التنافس مع الصين أو روسيا على أطراف أوروبا. وللتنافس بشكل فعال مع كل من روسيا والصين فإن الولايات المتحدة يجب أن تكون أكثر اجتهادًا في كيفية تخصيص الموارد المحدودة.

مع ذلك، ونظراً لضرورة مواصلة القوات الأمريكية لعمليات مكافحة الإرهاب، فإن إدارة بايدن لديها حاجة للاحتفاظ بوجود عسكري في سوريا على المدى القريب والعمل مع الحلفاء والشركاء الإقليميين ، لتمكين المصالح الأمريكية ذات الأولوية.

رغم ذلك، لا ينبغي أن تستمر هذه العملية إلى الأبد، وفي النهاية، سيتم استثمار الأموال والأفراد والمعدات المستخدمة لدعم هذه العملية في مكان آخر. يمكن أن يسمح وقف إطلاق النار المزدوج المقترح في هذا التقرير بإجراء تغييرات معينة في تموضع الولايات المتحدة ، والتي يمكن على المدى القصير، أن تؤدي لتجزئة الخلافات وإعادة التفكير في كيفية استخدام القوات المتمركزة في منطقة الشرق الأوسط على نطاق أوسع، لقد أدّى الانتشار المتزايد للصواريخ الباليستية الدقيقة إلى زيادة التهديدات على القوات الأمريكية المتواجدة في الخليج العربي في قواعد كبيرة ، مثل : قاعدة (العديد) في قطر و(الظفرة) في الإمارات العربية المتحدة.

لعبت هذه القواعد الجوية ، دوراً حاسماً في المواجهات في العراق وأفغانستان، ولكنها أصبحت اليوم أقل أهمية بعد الانسحاب من أفغانستان وبقاء عدد قليل في العراق. المركز الرئيسي للعمليات الجوية الأمريكية في سوريا (الآن)، هو قاعدة “موفق السلطي الجوية” في الأردن، لكن هذا الوجود الأمريكي غير معترف به بسبب حساسيات البلد المضيف. إذا توصلت الولايات المتحدة إلى تفاهم مع روسيا بشأن هاتين الاتفاقيتين المحدودتين (الجنوب الغربي والشمال الشرقي)، فسيكون بإمكان واشنطن الاستمرار في استخدام هذه القاعدة لدعم عملية مكافحة الإرهاب، وفي نفس الوقت ستكون بحاجة لقاعدة أصغر، وأكثر توزيعًا لدعم وجود إقليمي ، أقل حجمًا والحفاظ على ترتيبات مرنة لدعم عمليات النشر.

سيؤدي هذا النهج إلى عدم السماح لأولوية المنافسة مع روسيا في سوريا ، لتلعب دوراً أساسياً في تنفيذ أولويات الأمن القومي لإدارة بايدن، وبدلاً من ذلك، استخدام التعاون التكتيكي مع موسكو لإدارة التفاعلات في صراع هامشي. كما ستعيد هذه الاستراتيجية التأكيد على الوضع الراهن، بطريقة مصممة للحفاظ على التزامات الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب. ومع انخفاض هذه التهديدات، سيكون بإمكان الوجود العسكري الأمريكي داخل سوريا أن يحقق أهم مصلحة أمريكية: حماية الوطن من خلال الاستقرار في الخارج.

هذا الانسحاب في نهاية المطاف ، يمكن استخدامه كوسيلة للحصول على تنازلات من موسكو لحماية الشريك المحلي (قوات سوريا الديمقراطية- قسد )، التي لعبت دوراً حاسماً في المعركة ضد داعش ودمجها في عملية سياسية مع النظام تحقق بعض المطالب السياسية الأساسية لقوات سوريا الديمقراطية\قسد.

القواعد المبنية ، والموسعة من عملية (العزم الصلب)، ولا سيما (قاعدة موفق السلطي الجوية)، يجب أن تستمر في استضافة القوات الأمريكية والقوات المتحالفة للعمليات في الشرق الأوسط ، وقوة كامنة لمكافحة الإرهاب تركز على العمليات في سوريا. التعامل مع الخصم، ليس دائمًا أمرًا سهلاً أو مباشرًا. بالنسبة للولايات المتحدة، فإن التحدي يتمثل في إعطاء الأولوية للالتزامات العالمية، في حين أن الخصوم لا يشتركون في نفس النوع من المصالح العالمية ، التي تتطلب النشر المتقدم للأصول العسكرية المحدودة والمطلوبة بالنسبة للولايات المتحدة.

لكن بالنسبة لروسيا، فإن سوريا (أولوية بحد ذاتها)، وقد نجحت موسكو في الدفاع عن نظام الأسد من الانهيار ، ولا تزال ملتزمة سياسيًا وعسكريًا بدعمه، في المقابل، حددت الولايات المتحدة أهدافها في سوريا بشكل أضيق بكثير من روسيا، مع التركيز فقط على داعش. ولكي تكون الغايات متناسبة مع الوسائل، يجب على واشنطن أن تفكر في تضييق أهدافها ، والانخراط في تفاهمات مع الخصم لتحقيق مصالحها الأساسية.

https://www.fpri.org/article/2021/09/engaging-russia-over-syria-managing-peripheral-conflict-and-narrowing-interests/

آرون شتاين – هو مدير الأبحاث في معهد أبحاث السياسة الخارجية- مدير برنامج الشرق الأوسط والقائم بأعمال مدير برنامج الأمن القومي.