aren

إسلاموفوبيا أوروبا ، تهديد أم إستراتيجية ؟ \\ بقلم : سارة صفا
الثلاثاء - 29 - مايو - 2018

 

الاسلامفوبيا

 

تتخطى الحروب اليوم ، كل الحواجز الأخلاقية والاعتبارات الإنسانية ، فأقله تتصف بالوحشية و البربرية ، وهكذا كان أيضا مصير ضحايانا ، فحتى السخرية من ضحايانا الأطفال على مثال الطفل (أيلان كردي) ، الذي قضى نحبه على شاطئ تركي ، بات غلافا لمجلّة “شارلي أيبدو” الفرنسية ، التي رسمت على غلافها كاريكاتير ، وبسخرية مقصودة صورة للطفل إيلان ، وكتبت عليها :  “المسيحيون يمشون فوق الماء فيما أطفال المسلمين يغرقون “….

هذه السخرية ، المثيرة للجدل ، مرت مرور الكرام في دولة حقوق الإنسان ، ولم تستدع أي ردود فعل أو تعليق من قبل أي طرف ، بمافيهم الحكومة الفرنسية – مثلا.

وتتزامن هذه الكراهية ، التي باتت علنية في أوساط المجتمعات الأوروبية ، مع ارتفاع وتيرة التصريحات الرسمية ، لعدد كبير من رؤساء الأحزاب في الغرب ، سواء كانت من اليمين أو اليسار..

مثال آخر ، هو تصريح أدلى به حزب رابطة الشمال الإيطالي قبيل الإنتخابات ، السيد (ماتيو) سالفيني ، الذي دعا و بشكل واضح إلى شن حرب ضد الإسلام ، الذي – بحسب أقواله – لا يتوافق و القيم الأوروبية ، ويشكل تهديدا مباشرا على المجتمعات الأوروبية ، في حين حذّر من أي نوع من معاداة السامية (طبعا بحسب ما يحمل هذا المبدأ من معنى في قيم المجتمعات الأوروبيّة) …

ازدادت في الآونة الأخيرة ، ومنذ اندلاع الربيع العربي ، في معظم وسائل الإعلام الغربية ، نسبة التركيز على أحداث معينة ، ومنها الإرهابية ، التي كثيرا ما نسبت إلى الإسلام والمسلمين ، الّذين وبحسب وصف هذه الوسائل ، اتوا من بيئات همجيّة ، مجرمة ، وإرهابية.

لا تتوارى عن أحد ، انتشار هذه الظاهرة في الغرب ، لتصبح أداة سياسة مثمرة ، واستراتيجيّة خارجية مشتركة ، معتمدة في معظم هذه الدول ، التي ذهبت حتى إلى إقرار سياسات تمييزية أو عنصرية بحق المسلمين ، قضت (مثلا) بحظر السفر من بعض الدول العربية والأفريقية ، كما آلت إلى انتشار التغريدات المناهضة للإسلام على مواقع التواصل الإجتماعي ، وصولا إلى ارتفاع وتيرة حوادث العنف الفرديّة ضد المسلمين ، وفقا لتقارير رسميّة.

فعلى سبيل المثال ، نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ، تغريدات مستفزة وتحريضية عدة ، منها : “حشد من المسلمين دفع بفتى في سن المراهقة وبرّحه ضربا حتى الموت !”… أو مثلا ” مسلم يقوم بتدمير تمثال لمريم العذراء “… أو ” مهاجر مسلم يقوم بضرب رجل هولندي على العكازات ”

… تغريدة تم نشرها أولا على حساب النائبة في البرلمان البريطاني “جايدة فرانسين” ، التي كانت قد أدينت العام الماضي من قبل المحكمة البريطانية ، لتعرضها لامرأة محجبة في الشارع بحسب مصادر رسمية. أو مثلا عندما ذهب ترمب إلى اقتراح قصة مفبركة،أشاد فيها بجنرال أمريكي أطلق النار على مسلم برصاصة ملطخة بدم خنزير -حسب قوله-

أما مؤخرا، فذهب المدّعي العام لترمب إلى إهانة ديانة يعتنقها أكثر من 1,8 مليار شخص من خلال وصفها ب :”إيدولوجية سامّة”.

و حكمت المحكمة العليا الأميركية في ديسمبر من العام الماضي ، لصالح القرار الذي صدر عن الإدارة الأميركية ، والذي قضى بحظر استقبال المواطنين من ست دول إسلامية ، ك(سوريا، التشاد، إيران، ليبيا، الصومال، و اليمن …) في حين أن الإدارة الأميركية ، متورّطة بشكل مباشر أو غير مباشر بحرب إرهابية عنيفة في هذه الدول.

و باستخدام السياسة ذاتها، حذّرت بعض أحزاب ألمانيا اليمينيّة ، مما أسمته ” الغزو الإسلامي” في ظلّ ارتفاع عدد اللّاجئين من دول الشرق الأوسط وغيرها. ففي يناير من العام الماضي ، نشر معهد “Gatestone”  ، تقريرا طويلا ، بعنوان : ” ألمانيا لم تعد آمنة”.

تصريحات باتت على لسان عدد كبير من السياسيين الأوروبيين, تهدف إلى حقن المجتمعات بالكراهية و إلى إثارة النعرات المذهبية … فالأعمال الإجرامية في أوروبا ، وليس في أماكن أخرى في العالم،دائما ما تنسب إلى الإسلام والمسلمين .

ولكن عندما ترتكب أعمال مشابهة في حق المسلمين سواء في أوروبا أو في دول أخرى كأفغانستان و العراق وباكستان مثلا ، فإنها تمر مرور الكرام ، ولا نسمع عنها.

أما بعيدا عن أيّ محاولة للدفاع عن الإسلام كديانة، و بعيدا عن الإشارة إلى كيف أن سياسة الغرب الخارجيّة ، قضت دوما بدعم و تقوية الأحزاب السياسيّة الدينية ، وخصوصا الإسلامية منها في الشرق الأوسط منذ عقود حتى الآن ، أدّت إلى فتك القوميّة العربيّة ، وهويتها الليبراليّة ، والمتنوّعة بحكم الواقع .

لأن الإنسان العربي ، هو الآشوري ، الكلداني ، السرياني ، الكنعاني ، الحبشي ، التوبي ، القبطي ، الأمازيغي ، الكردي ، الأرمني ، المسلم ، المسيحي ، السني ، الدرزي ، الشيعي ، العلوي ، الأرثودوكسي، الكاثوليكي ، الزيدي ، واليزيدي ..

سياسة ، اعتمدت الفتك بهذا النسيج الإجتماعي الغني والمتنوّع ، واتّخذت مسارها منّ الإطاحة بنظام الشاه ، وصولا إلى اغتيال العقيد معمر القذافي.

معظم الشعوب العربيّة اليوم ، تعتبر أنها تواجه تهديدا وجوديّا حقيقيّا، حربا ضدّ هويتها القوميّة و حضارتها، وقد فرضت عليها من قبل جماعات إرهابيّة ، تدّعي الإسلام ، من أجل تنفيذ مخطط أعدّته دول لها مكاسب اقتصاديّة بحتة ، رأت في “حرب الإديان” ، التي فرضتها بالقوّة ، استراتجيّة مثمرة ، وحوّلت معها حقوق الشعوب المدنيّة ، إلى طموحات ذات دوافع ايدولوجيّة دينيّة.

عمليّا ، فإن تنظيم داعش أو الدولة الإسلاميّة والجماعات المشابهة ، تشنّ عمليّات في باكستان، أفغانستان، العراق، سوريا، ليبيا، مالي، نيجيريا, الصومال، السودان، وصولا إلى مصر ولبنان ، في شيء أشبه إلى التطهير العرقي الممنهج.

لا بدّ من التّذكير في هذا الصّدد أنّ 90% من ضحايا الإرهاب الإسلامي ، هم من المسلمين، و 90% من القوات التي تحارب هذا الإرهاب ، مسلمة . وكلّ هذه الحروب الإرهابيّة ، تأتي في سياق الحرب العالميّة التي تخوضها دول العالم ، ومنها الغربيّة طبعا بالوكالة ، إذا وبالنّظر إلى هذا المعطى ، لماذا تصرّ الدّول الغربيّة على نشر “الإسلاموفوبيا” ، وما هي المصالح السياسيّة ، الّتي تخدمها هكذا استراتيجيّة ؟

بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر \ ايلول ، زار الرئيس الأمريكي آنذاك (جورج) دبليو بوش، المسجد الإسلامي الأمريكي ، وألقى خطابا وصف فيه الإسلام بالدين السلمي ، معلنا التالي :

“هذه الجرائم العنيفة بحقّ المدنيّبن الأبرياء بريئة من الإسلام لأنّها تتناقض و تنتهك المبادئ الأساسيّة للعقيدة الإسلاميّة.” و كذلك فعل الرئيس السابق (أوباما) ، عندما ألقى خطابا شهيرا خلال زيارته الأولى إلى الجمعيّة الإسلاميّة لمسجد “بالتيمور”، حيث أشاد بالإسلام و المسلمين الأميركيّين و حمّل أميركا مسؤوليّة حماية مواطنيها المسلمين ، وإحترام العقائد على أنواعها ، وإختلافها.

إنّ صعود اليمين السياسي في أوروبا مؤخّرا ، لم يأت كردّة فعل تجاه الهجمات الإرهابيّة ، ولكنه أتى نتيجة عدم الرّضى, الإستياء ، والإحباط بشكل عام ، الّذي يضرب المجتمعات الأوروبيّة ، احتجاجا على إنخراط أوروبا في الحروب .

في حين تعاني القارّة من صعوبات اقتصاديّة حقيقيّة ، أدّت إلى غلاء المعيشة، و انتشار البطالة ، و هجرة اليد العاملة الأوروبيّة بشكل ملحوظ ، و لكن تصرّ الحكومات الأوروبيّة بالرّغم من ذلك على تقديم الإسلام ، كمصدر الخطر الرئيسي ، الذي يهدّد القارّة العجوز.

نشرت صحيفة (هآرتس) الاسرائيلية مؤخرا ، تقريرا بعنوان : ” قضيّة إسرائيل والحزب اليميني المتطرّف في هنغاريا” ، وفيه انتقدت الصحيفة إقامة علاقات وطيدة بين حكومة نتنياهو وحزب “فيدتز” اليميني ، الّحزب الذي يترأسه فيكتور أوربان، رئيس الوزراء الحالي لهنغاريا. هذا الحزب يعرف تاريخيّا بمعاداته للساميّة ، حتّى أنّه مجّد سابقا الهنغاريّين ، الّذين قاموا بآضطهاد اليهود.

المثير قي الموضوع ، هو أنّ الحزب نفسه اليوم ، يثير الآن المخاوف حول سلامة اليهود في أوروبا وأمنهم من الإرهاب الإسلامي ، ومن المهاجرين والنّشطاء السياسيّين ، كحركة مقاطعة البضائع الإسرائيليّة وغيرها…

فمنذ عدّة أشهر، عقد مؤتمرا ترأسه ممثلون عن الحكومة الإسرائيليّة ، وحزب “أوربان” بعنوان : “هل يهود أوروبا بأمان ؟ تحديات أوروبا : أزمة الهجرة و خطر الإرهاب الإسلامي الأصولي” ليصوّر المؤتمر هذه العناوين ، على أنها المخاطر المشتركة ، التي تهدّد القارّة الأوروبيّة ، كما إسرائيل .

في حين تقرّر حكومة نتنياهو ، احتلال القدس ضاربة بعرض الحائط ، كلّ آمال الشعب الفلسطيني في حلّ ، يضمن سلامة وجودهم ، وحقّهم في العودة ، ليكرّث مشروعا استعماريّا ، يمحي عاصمة تاريخية ، لطالما كانت رمزا للتواجد ، والتعايش بين جميع الأديان.

صحفية لبنانية – باحثة في العلاقات الدولية

 

– المصادر :

[1] Crispian Balmer, “Northern League Leader says Italian society threatened by Islam”, Reuters, www.reuters.com, (accessed January 20,2018).

[2] Peter Beinart, Trump’s Anti-Muslim Political strategy, the Atlantic, www.theatlantic.com, (accessed January 20,2018).

[3] Maxwell Tani, Trump just cited a debunked story about a general who shot Muslims with bullets dipped in pigs’ blood to send a message to terrorists, www.businessinsider.com, (accessed January 20,2018).

[4] Anthony Zurcher, What Trump team said about Islam, www.bbc.com, (accessed January 20,2018).

[5] Kaitlyn Schallhorn, Trump travel ban : Timeline of a legal journey, www.foxnews.com, (accessed January 20, 2018).

[6] Soeren Kern, The Islamization of Germany in 2016 “Germany is no longer safe”, www.gatestoneinstitute, (accessed January 20, 2018).

[7] Office of the Press Secretary, “Islam is Peace” Says President, www.whitehouse.gov, (accessed January 20, 2018).

[8] President Obama’s Speech on Respecting Islam, www.youtube.com, (accessed January 20, 2018).

[9] Patrick Worall, The rise of right-wing populism in Europe, www.channel4.com, (accessed January 20, 2018).

[10] http://www.europarl.europa.eu/meps/en/hemicycle.html

[11] Germany’s Merkel warns of increased anti-Semitism on Holocaust Remembrance Day, AFP, www.dw.com, (accessed January 20, 2018).

[12] https://www.youtube.com/watch?v=7odmrkgL4sc

 

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها