aren

إسرائيل وسوريا.. أمس واليوم وغداً \\ كتابة: أسامة الغزولي
الخميس - 19 - يوليو - 2018

 

يفترض أن مقالة الأسبوع الماضي هي الأخيرة من «أيام في واشنطن»، لكني أرجو أن يتسع لي صدر القارئ وأنا أعود إلى بعض تفصيلات زيارة قصيرة لعاصمة الدنيا واشنطن، التي ينطبق عليها اليوم ما قاله دكتور صمويل جونسون، في القرن الثامن عشر، عن لندن : يجد فيها الحصيف كل ما في الحياة من أمور تستحق اهتمامه.

في حوارات في واشنطن قلت إن مستقبل سلام منطقتنا يتوقف على علاقات إسرائيل في المستقبل المنظور مع سوريا. وأقول اليوم هنا إن مستقبل سوريا وإسرائيل وربما كل جيراننا فى شرق السويس، من جنوب تركيا وحتى جنوب اليمن، يمضى باتجاه كونفيدراليات، تعيد شعور الجماعات الإثنية بخصوصياتها إلى ما كانت عليه في الزمن العثماني.

هذه هي الحدود الممكنة لما يسمى «العثمانية الجديدة» ، وأي كلام آخر هو أحلام يقظة إردوغانية أو هلوسات إخوانية، لا فرق. ومن المرجح أن يتحقق ذلك في إطار ترتيباتٍ تُوازِنُ بين الهويات المحلية وبين ضرورات أمن الدول الوطنية القائمة هناك، وداخل إطارها الذي يتعين أن يصبح أقل مركزية وتعسفاً، وليس أضعف أو أقل فاعلية. وهذا ينطبق على سوريا.

قديما قيل إنه لا حرب ضد إسرائيل من دون مصر ولا سلام معها من دون سوريا. وقد كان لي صديق ارتبط بعلاقة مصاهرة مع رجل دولة سورى بارز. وعندما جاء بشار الأسد إلى لندن في الثمانينات، انتقل الصديق من روما، حيث تعارفنا، إلى لندن حيث بقينا أصدقاء لعقد كامل. أيامها قال لي : تذكر أنه منذ العام 1974 لم تنطلق رصاصة واحدة من سوريا باتجاه إسرائيل.

اعتبرت كلامه إشارة إلى خط استراتيجي سوري. وتأكد لي ذلك بعد محاورات مع سياسيين وإعلاميين في واشنطن فى 1995 أوضحت، لي ولرئيس تحرير كنت أرافقه، أن الجالية اليهودية في سوريا أسست لعلاقة متينة بين دمشق الأسد وبين كل من واشنطن ولندن. وأكد لى ذلك السفير الهولندى فى القاهرة فى التسعينات نيكولاوس فان دام، أحد أهم المتخصصين فى الشأن السورى فى العالم.

وأنا لا أملّ من تكرار القول إن تقارير صحفية قالت إن صهر الأسد، الدكتور الأخرس، هو أحد أهم الماسونيين البريطانيين وإن الملكة اليزابيث استقبلته على العشاء. لكن الأهم هو أن محامى الرئيس بشار، وهو يهودى بريطانى، نقل مكتبه من لندن إلى القدس مع انفجار الفوضى الدموية التي يسميها البعض «الثورة السورية».

ما أقصده بهذا كله هو أنني أتوقع، منذ الثمانينات، تفاهماً إسرائيلياً سورياً، قد يحققه الأسد بحنكته السياسية الموروثة : بتوظيف علاقاته مع لندن لكبح جماح سيد البيت الأبيض ولعقلنة الهياج الليكودي في إسرائيل. فهل لهذا الدور البريطاني المرتقب علاقة بالحملة الإسرائيلية الراهنة ضد بريطانيا؟

العلاقات بين إسرائيل وسوريا ، هي في حقيقتها معقولة ومنطقية بأكثر مما يوحي الخطاب الرسمي في البلدين في الفترة من 1974 وحتى اليوم. أقصد أن البلدين يفهمان «لعبة الأمم» ويخضعان لأهم قاعدة فيها، كما يُفهم من العبارة التي ينسبها مايلز كوبلاند لزكريا محيي الدين، وهذه القاعدة هي تجنب الحرب قدر الإمكان.

واليوم تدخل العلاقة بين البلدين مرحلة جديدة. تنقل شبكة أخبار إسرائيل i24NEWS عن نتنياهو أن «حكومته ترتضى بقاء الأسد فى السلطة فى سوريا المجاورة حيث تتعزز سلسلة الانتصارات التى تحرزها حكومته» (12 يونيو) وتنقل هآرتس عن رئيس الحكومة الإسرائيلى قوله «ليست بيننا وبين نظام الأسد أي مشكلة. لم تطلق رصاصة واحدة على هضبة الجولان طوال أربعين عاما» (12 يونيو). وتقول رويترز «إسرائيل لا تستبعد أن تمضى الأمور باتجاه قيام علاقات بينها وبين سوريا الأسد» (10يونيو). وتقول هآرتس «أصبح أسد سوريا حليفا لإسرائيل» (5 يونيو).

لكن ما هي طبيعة النظام القائم في هذين البلدين اللذين ربما كانا يتأهبان اليوم لقفزة لم تشهد المنطقة مثلها منذ رحلة السادات للقدس في 1979؟ في إسرائيل (التي أسميها إسرائيل- فلسطين) قضى التوسع الاستيطاني على منطق حل الدولتين الذي لم يعد الفلسطينيون متحمسين له.

هم يريدون العيش مع الإسرائيليين فى دولة واحدة تتسع للجميع، لكن الإسرائيليين خائفون من التفوق الديموغرافي الفلسطيني الذى بدأ يتضح من مارس الماضى (يورى سافير/ المونيتور 8 إبريل). وفى سوريا، انتهت الحرب الأهلية التي فجرتها الحثالات المسلحة الإخوانية وغير الإخوانية، وكلها تتغذى على موروث حسن البنا، انتهت ليس فقط إلى انتصار بشار الأسد ولكن إلى تمزيق كيان السنة وإضعاف قدراتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لصالح الأقليات العلوية والمسيحية والدرزية واليهودية، كما تقول إيكونوميست البريطانية (28 يونيو). وهذا يعني أن البلدين يحكمهما نظامان تضطهد فيه الأقليات المنتصرة أغلبية مهزومة وممزقة، وهو ما لا يمكن تبريره بأي أخطاء ارتكبتها الأغلبية، ولا يمكن أن يكون أساسا لاستقرار المنطقة. وهنا يأتي دور القوى الخارجية. تحاول موسكو صوغ دستور جديد لسوريا أفضل من دستورها الحالي. ولندن تريد أن تلعب دورا في صوغ علاقات أفضل بين الإسرائيليين والفلسطينيين. فهل تستطيع العاصمتان المساعدة في الدفع باتجاه جعل النظامين الإسرائيلي والسوري أكثر إنسانية؟

“المصري اليوم”