aren

«إدلب» … المعركة الأخيرة ! \\ بقلم : د. رفعت سيد أحمد
السبت - 11 - أغسطس - 2018

Syrian-Army

يثار فى أروقة الإعلام والسياسة دوليّا وإقليميّا، سؤال مهم بخصوص مستقبل الجماعات الإرهابية المسلحة في سوريا، وهو: لماذا اختارت تلك الجماعات محافظة إدلب كمَقر لها بَعد إجبارها على ترك المدن والمناطق السورية التي كانت تحتلها منذ بداية المؤامرة على سوريا في (مارس/ آذار 2011م) ؟

وما هي خارطة توزيع تلك الجماعات، وأعدادها، وإلى أين يتجه مصيرها الذي من خلال معرفة مساره ربما يتحدد مصير سوريا حين تتطهر من أدران تلك الجماعات ومحركيها ؟

تساؤلات نحاول هنا أن نجيب عليها، وبإيجاز:

أولاً : تحدثنا الجغرافيا السورية بأن محافظة إدلب تقع شمال سوريا بين خطىّ طول (36.15 غربًا و37.15 شرقًا وخطىّ عرض 35.15 جنوبًا و36.15 شمالاً، وهى بمثابة بوابة سوريا الشمالية مع تركيا، ومساحتها 6100 كم2 يحدها شمالاً لواء الإسكندرونة وتركيا بطول 129 كم، وجنوبًا حماة بطول 158 كم، وشرقًا محافظة حلب بطول 159كم، وغربًا اللاذقية بطول 29 كم. وعدد سكانها قبل قدوم المهاجرين والإرهابيين كان نحو مليون ونصف المليون، والآن صار قرابة ثلاثة ملايين، وكانت تُعتبر قديمًا معبرًا لجيوش الغزاة وطريقًا للقوافل التجارية من الأناضول وأوروبا إلى الشرق وبالعكس، هذا الموقع الاستراتيجي كان له تأثيره على نزوح الإرهابيين إليها كما سنبين لاحقًا.

وهي- إدلب- لها حظ من اسمها، حيث يرى البعض من مؤرخي اللغة والتاريخ أنه يعني (إله العاصفة) وفقًا للغة الآرامية القديمة، أو هو (هواء ينعش القلب). تُرَى هل تهب العاصفة المقبلة من إدلب اشتقاقًا من اسمها على الإرهابيين الذين لجئوا إليها لينعش مجددًا حاضر سوريا ومستقبلها انطلاقًا من اسمها؟ سؤال برسم الغيب.

ثانيًا : ماذا عن خارطة تواجد الجماعات الإرهابية المسلحة في إدلب؟

تحدثنا الحقائق أن بداخلها الآن عددًا يترواح بين 20 إلى 30 ألف مسلح يتوزعون على 128 جماعة مسلحة و59 جنسية، أمّا أبرز تلك الجماعات فيمكن تحديدها في الآتي بعد رصدنا لعشرات الوثائق والمراجع المهمة:

1 – الجماعة الأبرز والأخطر هي (هيئة تحرير الشام) التى هى فتح الشام والنصرة سابقًا.. وهي تسيطر على أغلب محافظة إدلب وتمتلك قوة مسلحين تزيد على الـ6 آلاف مسلح.. وهي تنتمي أيديولوجيّا إلى فكر القاعدة رُغم انشقاقها عنها فى يوليو/تموز 2016م، وهو الانشقاق الذي أدى إلى خروج تنظيمات تنتمي للقاعدة أقل شأنًا منها مثل ما يُسمى بجيش البادية وجيش الملاحم.

ولهيئة تحرير الشام تنظيمات مؤيدة وأنصار، منها جند الأقصى و لواء الحق، وهذه الهيئة ترفض الحلول السلمية وتُكفّر وتقاتل من شارك فيها، خصوصًا في اتفاقات سوتشى وأستانا التي تمت فى 2017م.

2 – تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).. ورُغم أنها ضربت في أغلب المناطق السورية والعراقية فإن خلاياها النائمة استيقظت ثانية وبدأت في النشاط، خصوصًا في الحدود مع حماة وبالقرب من مطار أبوالظهور.. وهي تقاتل ضد الجميع (النظام وجماعات المعارضة).

3 – الفصائل المتحالفة أو القريبة من الجيش السورى الحُر، ومنها أحرار الشام التى سبق أن انشقت عن هيئة تحرير الشام والحزب التركستاني الإسلامي (وهم مقاتلون من الصين)– جماعة نور الدين زنكي– جيش الأحرار– فيلق الشام– جيش العزة– جيش المجاهدين– جماعة استقم كما أمرت– صقور الجبل– جيش السنّة وغيرها، وتعداد كل فصيل من تلك الجماعات يتراوح بين ألف مقاتل وخمسة آلاف مقاتل، وهي تحاول أن تقدم نفسها باعتبارها أكثر اعتدالاً من (هيئة تحرير الشام) التي تقاتلهم في مجمل أرجاء محافظة إدلب.

4 – المجلس الإسلامي السوري.. وهو يتكون من 40 هيئة ورابطة ويقدم نفسه باعتباره إطارًا سياسيّا معارضًا، يؤيد مؤتمرات سوتشى وأستانا وجنيف وغيرها ويرأسه شيخ يدعى أسامة الرفاعي.. وثمة تنظيمات وجماعات أخرى أقل شأنًا وعددًا، لكنها تتواجد في إدلب.

ثالثًا: لماذا إذن أتوا إلى إدلب؟ لماذا كل هذه الجماعات الإرهابية اختارت أدلب دون غيرها أمْ أنها أجبرت على ذلك؟

الإجابة الأصح في تقديرنا على هذا السؤال الكبير ، هي تلك التي ذكرها الرئيس السوري بشار الأسد في حواره مع الفضائية الروسية (آ-ر-تي) الذي نشره موقع سبوتنك في مايو/آيار 2018م، وجاء نصها: (إن هناك سببين لخروج المسلحين إلى إدلب، أولهما أن الفصائل التي تخرج من مناطق القتال تحمل الأيديولوجيا نفسها التي تحملها الفصائل التي تسيطر على إدلب، وهنا يأتي ذهابهم إلى إدلب تحت رغبتهم – أمّا السبب الثاني – وفقًا للأسد – فهو أن خروجهم وتجميعهم في إدلب يشكل أفضلية عسكرية للجيش السوري.. فبدلاً من أن ينشغل الجيش بعشرات الجبهات من الأفضل عسكريّا له أن تنحصر الجبهات بجبهتين أو ثلاث أو أربع جبهات»).

وأضاف الأسد: (في الواقع نحن نقول دائمًا إننا سنحرر كل جزء من سوريا.. وبالتالي من المستحيل أن نتعمد ترك أي منطقة من التراب السوري خارج سيطرتنا كحكومة)، إذن هم تجمّعوا هناك بإرادتهم من ناحية؛ لأن من يسيطر هناك إمّا ينتمي لفكر القاعدة أو داعش، أو لفقه الإرهاب بالمطلق، ومن ناحية أخرى؛ فإن الحالات التي أجبر فيها الجيش السوري هؤلاء المسلحين على المغادرة إلى تلك الوجهة تحديدًا كان يتعمد ذلك ليقلص عدد الجبهات المفتوحة ضده ولكي يحشرهم في منطقة واحدة ستؤدي حتمًا لصراعات فيما بينهم صراعات بعضها مناطقي وبعضها الآخر بين مقاتلين أجانب ومحليين، مما يسهل مستقبلاً- وهنا مربط الفَرَس- حصارها وضربها.. وهو الأمر المؤكد لدَى الدولة السورية، التي لن تفرط في ذَرّة تراب سوري وإدلب هي– كما تقول الجغرافيا والتاريخ- هي دُرّة هذا التراب وعمقه التاريخي، وهي أيضًا نافذته الاستراتيجية على الشمال.

رابعًا: خلاصة الأمر إذن.. تجمُّع هؤلاء المسلحين في إدلب، هو بداية النهاية لمشروعهم، وليس بداية جديدة لحياتهم وارهابهم كما تأمل وتحاول أمريكا والرعاة الإقليميون الأساسيون (تركيا- قطر–وبعض دول الخليج الأخرى) تحت دعوى أنهم سيشكلون نواة موحدة لجيش موحد قوامه (50 ألف مقاتل) يستنزف الدولة السورية لفترة زمنية جديدة تؤدي إلى انفصال حلب وتحويلها لدويلة إسلامية متطرفة، تمثل شوكة دائمة (صعبة الاقتلاع) في ظهر الدولة السورية.

إن الوقائع على الأرض تقول إن الجيش السوري قارب على الانتهاء من معركة الجنوب (درعا والقنيطرة) وامتلك السيطرة على أغلب المدن السورية الاستراتيجية التى تسميها المعارضة (سوريا المفيدة)، وأن سوريا غير المفيدة هي إدلب.. هكذا تقول أدبيات المعارضة.. وأن المعركة المقبلة التي قد تبدأ بالحصار ثم القتال هي (إدلب).

ولكني أتصور أن الدولة السورية غير متعجلة في خوض تلك المعركة؛ لأن الجماعات المسلحة التي كان مأمولاً أمريكيّا أن تمثل جيشًا موحدًا في إدلب، الآن تتقاتل مع بعضها البعض، فضلاً عن الصراع المكتوم بين الرعاة الإقليميين، وتحديدًا بين قطر ومعها تركيا من ناحية.. وبعض دول وممالك الخليج من الناحية الأخرى، فضلاً عن الصراع التركي والكردي الدامى، والدولة السورية تتابع كل ذلك، وهي ترى أن من مصلحتها استمرار هذا الصراع، وتصفية بعضهم البعض، ثم تخوض فى النهاية المعركة الأخيرة مع من تبقى من تلك الجماعات وستكون في ساعتها معركة أسهل من الآن.

ومن المؤكد أن سوريا ستسترد ساعتها أرضها كاملة ومطهرة من دنس هذا الإرهاب ورعاته .

والله أعلم

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها