aren

إدلب.. إلى أين؟ \\ كتابة : سمير العيطة
الإثنين - 3 - يونيو - 2019

 

ادلب

تفجر الوضع في إدلب على الرغم من الاتفاق التركي ــ الروسي على التهدئة وعلى الرغم من نشر العديد من مراكز المراقبة التركية والروسية والإيرانية على خطوط التماس. لم يعُد الموضوع مجرد مناوشات بين أطراف الصراع على الأرض وإنما أضحى يحاكي في وتيرته المراحل الأولى من معارك حلب وريفي حمص والقلمون وحوران. والطيران الروسي يشارك بكثافة في القصف.

فما الهدف من هذا التفجير؟ وإلى أين سينتهي؟ أبهُدنة جديدة بانتظار الانفجار الذي سيليه أم أن تغييرا كبيرا سيستجد في مناطق السيطرة؟

واضحٌ أن اتفاقات الأستانة حول «خفض التصعيد» كانت تتضمن بندين لم يتحققا. هما فتح الطرق السريعة بين حلب وحماة واللاذقية وسحب السلاح الثقيل لمسافة عن خط التماس. هذا يعني من جهة تحجيم المساحة الاقتصادية الحيوية لمنطقة «إدلب الكبرى» ومن جهة أخرى إفقاد بعض الفصائل المتشددة قواعدها العسكرية الرئيسة بين السكان، وخاصة في مدينة خان شيخون حيث يتمركز الفصيل الذي يضم المتطرفين الأويغور الصينيين. أضِف إلى ذلك أن السلطات التركية سمحت في بداية فترة «خفض التصعيد» أن تسحق «جبهة فتح الشام» (النصرة المتحالفة مع تنظيم القاعدة) منافساتها وتسيطر على الساحة العسكرية في إدلب، طاردة معظم الفصائل الأخرى إلى مناطق شمال حلب التي تخضع مباشرة للإدارة التركية (إعزاز مثلا). وسمحت أن تهيمن «حكومة الإنقاذ» المرتبطة بالنصرة على تسيير الأمور الإدارية والمحلية. وقد أدى هذا الوضع إلى تخفيض الدعم المادي من دول أوروبا والولايات المتحدة للمجالس المحلية القائمة هناك. وذلك تخوفا مما سيثيره هذا التمويل من إشكاليات جراء الارتباط بالقاعدة، والتوجه أكثر نحو تمويل جمعيات المجتمع المدنى المحلية أو مجالس مناطق السيطرة التركية. بالمقابل ليس ممكنا احتواء أزمة النازحين الكبيرة إلى إدلب دون تمويلٍ كبير.

بالتالي لم يكن وضع إدلب الكبرى قابلا للاستمرار لفترة طويلة بل أضحى يخلق حرجا لجميع الأطراف الخارجية بما فيها تلك الداعمة للمعارضة. ومن هنا تأتي اللهجة الدبلوماسية جدا فى التنديد بانفجار الوضع وبعمليات القصف الحالى. وأكثر ما يلفت الانتباه لهجة السلطات التركية الخافتة ومحدودية تصرفات قواتها على الرغم من أن القصف يطال مناطق بمحاذاة مراكزها. إلا أنها سمحت تحت ضغطٍ شعبي أن تعود الفصائل المتمركزة شمال حلب إلى «إدلب الكبرى» وتشترك مع فتح الشام فى المعارك بأعداد مهمة من صواريخ «التاو» المضادة للدروع. ذلك على الرغم من كل ما تركته معارك التصفية السابقة من ضغائن.

هناك نظريات تقول أن الأمر يعود لمقايضة تركية ــ روسية كى يتم تسليم مناطق تل رفعت للفصائل التابعة لتركيا مقابل تسليم خان شيخون للقوات الحكومية وحلفائها. وتل رفعت واقعة تحت هيمنة القوات الكردية وتحتوى نازحين أغلبهم أكراد من منطقة عفرين التي احتلتها الفصائل وتركيا. لكن السؤال هو أنه لو حصلت تلك المقايضة، ماذا بعد؟ هذا خاصة مع زيادة التشنج الكردي ــ العربي الذي سيتبعها. وهل سينتهي الأمر بتثبيت التقسيم إلى دويلات، لا تداخل بينها، صنعها الموت والكراهية؟ فها هى دماء المدنيين تُراق وها هي سياسات الأرض المحروقة تدمر المحاصيل لإنهاء ما تبقى من سبل العيش بحيث يخضع وجود كل طرفٍ للجهة التي تدعمه.

بل تذهب الأسئلة الأكبر المطروحة على السوريين إلى أبعد من ذلك. فما مستقبل دويلة «قسد»؟ وهل يُمكن أن تتعايش مع بقية سوريا فقط عبر احتوائها لمعظم المحاصيل الزراعية الكبرى وآبار النفط ولدعم الولايات المتحدة المادي والعسكري الذى ما زال يتدفق عليها؟ وهل يُمكن أن تُطبق نظريات «الأوجالانية» من طرفٍ واحد دون توافق مع بقية السوريين؟ وهل سيتم القبول بتهجير المواطنين الأكراد نهائيا من عفرين؟ وما مستقبل «إدلب الكبرى» و«إعزاز الكبرى»؟ هل ستبقى المنطقتان تجمعا كبيرا للنازحين من كل أصقاع سوريا دون عودة آمنة وكريمة إلى ديارهم؟ تهيمن على الأولى فتح الشام وتقوم تركيا بتجهيز كل عناصر ضم الثانية إليها؟ وهل ستبقى الدول الغربية ودول الخليج تقدِم الدعم المالي الكبير الذي تحتاج إليه هاتان المنطقتان؟ بل هل سيتم حل إشكاليات «إدلب الكبرى» إذا احتلت تركيا جزءا من مناطق سيطرة «قسد» أو إذا انكفأت السلطة في دمشق؟

كذلك ما هو مستقبل الدولة السورية التي يبسط عليها الجيش السوري وحلفاؤه السيطرة؟ هل يمكن استمرار السلطة الحاكمة على ما هى عليه؟ تسود فقط عبر ما تملؤه فى النفوس من خوفٍ منها وعبر سجونها وما تمارسها من تعذيب، ومن الآخرين؟ وهل ستتابع العمل على مشاريع إعمار ريعية فارهة فى حين يعيش أغلب السوريين تحت خط الفقر ودون مأوى. بينما تُغلِقُ خياراتها على أطرافٍ دولية بعينها في ظل تجاذبٍ دولي لا مثيل سابق له من قبل؟

الأمل ضعيف في أن يستفيق الفرقاء المتحاربون على تداعيات الإجابات على التساؤلات المطروحة حول المستقبل السوري. إن الحرب بذاتها هي التي تغذي وجودهم واستمراريتهم، مالا وسلاحا. الأمل يكمُن في أن تستفيق الفعاليات الاجتماعية، وربما بعض من بقي ذا مصداقية من الفعاليات السياسية، في «الدويلات الأطراف الثلاث» لتبيان تداعيات الإجابات على هذه التساؤلات لصياغة موقفٍ مما يحدث آنيا على الأرض. موقفٌ يتجاوز محاولة تمثيل هذا الجزء أو ذاك من الانقسام المجتمعي السوري. ويذهب أيضا أبعد من التباكي على آلام الحرب العبثية واستخدام هذه الآلام لتبرير مسارٍ لا نهاية حميدة له.

بالطبع يتطلب الموقف على الصعيد السوري ــ السوري انفتاحا يتعدى خطوط التماس ووسائل إعلام الدول الداعمة ــ ولو اسميا ــ لكل طرف. انفتاحا على أسباب مواقف الأطراف الأخرى، آلامها ومخاوفها من تداعيات الأوضاع الحالية. وما يمثل انفتاحا يتخطى آلام الحرب وفواجعها مهما كانت قاسية. والفرصة قصيرة الأمد لبروز هذا الانفتاح بعد ثماني سنوات من النزاع. وحيث سيأتي قريبا جيلٌ لم يعرف سوى الحرب وخطاباتها وأحقادها.

إن الموقف يتطلب انفتاحا على الصعيد السوري ــ الدولي أبعد من دعم الدول لموقفٍ معين أو لدويلة ــ طرف معينة حتى لو عسكريا. فالصراع الدولي بالوكالة في سوريا لا يُمكن أن يأتي حله إلا عبر توافقٍ دولي، أساسه أمريكي ــ روسي. وجميع الدول التي تلعب في الصراع السوري هي في الوقت ذاته غريمٌ وشريكٌ. ربما باستثناء إسرائيل وحدها التي تشكل شرذمة سوريا الضمانة الأساسية لضمها الجولان.

ينبغي تخطي السوريين لمحنتهم رغم الآلام، من أجل كل سوريا وكل السوريين، وليس جزءا منها وفئة منهم، وما يُشكل عنصرا أساسيا لكبح مسارات «لعبة الأمم».

“الشروق” المصرية