aren

أي تركيا بعد الاستفتاء؟ بقلم : محمد نور الدين
السبت - 15 - أبريل - 2017

يتوجه غداً (اليوم الأحد) الناخبون الأتراك للتصويت على استفتاء بتعديل الدستور يلحظ الانتقال بالنظام من برلماني إلى رئاسي. لكن الحديث عن «تعديلات» يبدو خادعاً، إذ إن التعديلات طالت 18 مادة في الدستور الحالي، لكنها كافية لتغيير جذري، بحيث يمكن القول إننا أمام دستور جديد بالكامل.

كما أن الحديث عن نظام رئاسي يبدو خادعاً أيضاً؛ لأن شكل النظام المطروح على الاستفتاء ومضمونه لا يمت بصلة إلى أي نموذج من الأنظمة الرئاسية المعروفة في العالم، بل هو نمط ستختص به تركيا وحدها.

الدستور الجديد يجعل من رئيس الجمهورية الحاكم المطلق على كل الصعد، بحيث تتراجع استقلالية المؤسسة القضائية، ويضعف دور البرلمان، ويغيب دور مؤسسات الرقابة.

فالتعديلات تخرج الرئيس من حياديته وتجيز له أن يكون رئيساً لحزب. وهو الذي يعين الوزراء ويكونون مسؤولين أمامه ولا تحتاج الحكومة لثقة البرلمان ولا في أن تستجوب في البرلمان وتطرح الثقة بها، وللرئيس حل البرلمان ضمناً.

ومدة الرئيس خمس سنوات يمكن له أن يجددها، ولا تحتسب الولاية الحالية للرئيس رجب طيب أردوغان؛ أي أن بإمكانه أن يترشح عام 2019 وأن يجدد في حال فوزه الترشح مجدداً ليبقى في الرئاسة حتى العام 2029. غير أن مادة أخرى في الدستور المقترح تتيح للرئيس الترشح لمرة ثالثة؛ أي حتى العام 2034 في حال اتخذ البرلمان قراراً بذلك. وهذا يعني أن كل نقطة وفاصلة في الدستور الجديد قد كتبت على مقاس الرئيس أردوغان.

والرئيس هو الذي يعين نصف أعضاء المجلس الأعلى للقضاء، كما 12 من أصل 15 عضواً هم أعضاء المحكمة الدستورية(؟). وهذا يجعل من السلطة القضائية دمية بيد رئيس الجمهورية. وسوف يُلغى موقع رئيس الحكومة ويعين الرئيس نواباً له دون تحديد العدد، ومن مواصفات نائب الرئيس أن يكون أنهى دراسته الابتدائية وأتم الثامنة عشرة من عمره(؟)، كما للرئيس أن يعين المحافظين والمديرين العامين ورؤساء الجامعات، وبيده قرار الحرب والسلم والإشراف على القيادة العسكرية.

وماذا ليس بعد في الدستور الجديد، مما يجعل من الرئيس حاكماً مطلقاً بلا أي قيود؟

يبرر أردوغان التعديلات بأنها تمنع وجود سلطة برأسين، وتمنع حصول فوضى سياسية، وتسهّل اتخاذ القرارات وتعطي الشعور بالثقة والطمأنينة لعدم حصول أزمات سياسية ودستورية.

ولكن المعارضين يرون أن هذه التعديلات ليست سوى الانتقال إلى حكم الشخص الواحد، وحصر مصير البلاد بما يمليه عليه مزاجه وعصبيته، كما أنها تلغي المساءلة في البرلمان وفي السلطات القضائية، وتمنع التوازن بين السلطات؛ التنفيذية، والقضائية، والتشريعية.

ويرى المعارضون أن الأخطر هو أن جانباً كبيراً من المجتمع سيكون خارج المشاركة في رسم مصير البلاد، والتي كان يؤمنها النظام البرلماني، كما أن التضييق على الحريات سيزيد، وستفاقم التعديلات شعور فئات واسعة بالغبن والتهميش ، لا سيما الأكراد والعلمانيون، وهذا يفتح المجال أمام انقسامات اجتماعية وسياسية، وما قد يجر ذلك من أحداث أمنية على مستوى البلاد، وما قد تعقبه من احتمالات التقسيم.

حظوظ التعديلات في الفوز في الاستفتاء غير واضحة، لكن إذا أخذنا نتائج التصويت في الانتخابات النيابية الأخيرة في خريف 2015، يمكن أن نعطيها حظاً عالياً في الفوز؛ فحزب العدالة والتنمية نال حوالي 49 في المئة، ونال حزب الحركة القومية الذي يؤيد التعديلات 13 في المئة، أي ما مجموعه 62 في المئة.

لكن الانقسام الحاد الذي شهده حزب الحركة القومية بسبب الاستفتاء، واحتمال تصويت نسبة من حزب العدالة والتنمية ضد التعديلات، يمكن أن يخفض نسبة الفوز إلى أكثر بقليل من الخمسين في المئة. وإذا أخذنا ما تنشره استطلاعات الرأي، فإن احتمالات الفوز أو الفشل متقاربة جداً. مع الإشارة إلى أن التعديلات في حال نجاحها في استفتاء الغد لن تطبق إلا بدءاً من العام 2019، باستثناء حق الرئيس في أن يكون حزبياً الذي يمكن أن يطبقه منذ الآن.

وفي حال نجاح التعديلات، فإن تركيا ستكون أمام مرحلة جديدة من تاريخها لا يمكن توقع مسار واضح لها. لكن الأقليات الإثنية والدينية تشعر منذ الآن بالقلق، كما أن التيار العلماني سيكون أمام تحدي خسارة كل مكتسباته منذ العام 1923.

أما على صعيد السياسة الخارجية، فإن تركيز الصلاحيات بيد رئيس الجمهورية ممثلاً بأردوغان تحديداً سوف يزيد من قلق الخارج، حيث لن يكون هناك من كابح برلماني لأي مغامرات غير محسوبة قد يلجأ إليها رئيس يستشعر بامتلاكه صلاحيات وسلطات مطلقة.

أما في حال فشل الاستفتاء، فإن أردوغان سوف يلجأ إلى انتخابات مبكرة يحاول من خلالها أن يحصل على أكثرية كبيرة في البرلمان، ويعيد الكرّة لإعادة تمرير الصلاحيات لكن في البرلمان وليس في استفتاء. وحتى لو لم يتعدل النظام الحالي، فإن أردوغان بحكم الأمر الواقع سيستمر في موقعه حتى العام 2019، وبعدها يستطيع الترشح مجدداً والبقاء في حال فوزه خمس سنوات أخرى في السلطة.

مع ذلك فإن فشل التعديلات الدستورية قد تكون له تداعيات سلبية معنوية تضاعف من الضغوط على أردوغان للانسحاب من الحياة السياسية.

” الخليج الاماراتية “