aren

أيام الثقافة \\ بقلم : د.ناديا خوست
الأحد - 28 - نوفمبر - 2021

افتتحت أيام الثقافة باحتفال فني. فذكرتنا بوهج مهرجانات المسارح والسينما في الزمن الجميل. وشهدت أن الثقافة أكثر ضرورة في أيام العسر منها في أيام الرخاء. فهي القادرة على ملامسة الوجدان، وشفاء الأرواح، وسقاية نبتة الأمل. وهي أيضاً، المعبّرة عن أوجاع الناس، المؤرخة لمرحلة من الزمن. 

بقيت للإنسانية من السوريين القدماء، الرقم الطينية، والملاحم، والمنحوتات، والمشيدات الحجرية. بقيت من الفراعنة المعابد الكبرى والفنون في متاحف العالم. ومن اليونان التماثيل والعمارة والمسارح والفلسفة والمسرحيات.

نتصفح، أيضاً، مقاومة الشعوب بالنحت الذي شيد النصب للجندي المجهول، وبالروايات وقصائد الشعر. ألغى إسقاط الاتحاد السوفييتي والبلاد الاشتراكية نتائج الحرب العالمية الثانية، ولكن بقيت الأعمال الفنية الرائعة، منحوتات حديقة تريبتو في برلين، منحوتة ليديتسيه التشيكية، منحوتات النصب التذكارية في أنحاء الاتحاد السوفييتي، وروايات سيمونوف، وشولوخوف، وفادييف، وباسترناك والقصائد والأغاني والموسيقى والمسرحيات، وثروة من الأفلام. بالرغم من تطاير تلك المرحلة التاريخية، وازدهار العقل الاستعماري الفرنسي، أخرج منذ سنوات فيلم عن قصة “صمت البحر”، استحضر بيئة قرية فرنسية تقاوم الاحتلال، والحب الناعم المستحيل.

ومع أننا نعيش مرحلة جديدة من الحرب على السوريين، تنهض الثقافة لتمد ساحات اللقاء. تنصب المنابر، تسقي البراعم، وتحنو على من لا يزال يجرب التعبير بالنصوص والألوان. كأنها تشارك في رفع الأنقاض، واستنبات غرس جديد. في هذا المجرى الواسع، نظمت وزارة الثقافة، معرض الكتاب، وكرمت كتاباً وفنانين، ولم تنطفئ أنوار دار الأوبرا تحت قذائف القصف. وكانت الثقافة في تلك الأيام الصعبة، تعبيراً عن صمود المدنيين، والمقاومة الروحية السورية.

مكانة الثقافة ساطعة في حياة الشعوب. لكن المسألة أية ثقافة، وما هو مشروعها؟ بدأت الحرب علينا، بالثقافة والإعلام، قبل الرصاص. ستر المثقفون المسخّرون فيها، السبي والذبح وهدم البيوت وتدمير المدارس ونهب الآثار. كانوا شهادة على انحطاط دون قعر. مع أنهم في بلدهم لم يكونوا مظلومين! بل كانوا في صدر الحياة الثقافية، أساتذة جامعة، مسؤولي ثقافة، وزراء، مدراء، فنانين، كتاباً نشرت كتبهم وأخرجت مسلسلاتهم. ولعلهم لذلك ظهروا كمنشقّين.

لكن دورهم أثبت أن مؤسسة الثقافة في مستوى مؤسسة الدفاع عن الوطن. وأن خنادق الثقافة في مستوى خنادق الجنود في المعارك. ويفترض أن نبرأ من تصور أن الثقافة كمالية، وأنها للتسلية وقت الفراغ. ففي الحياة الإنسانية لا فراغ! لا تسلية دون فكر! لا أدب للأدب، ولا فن للفن! الكلمة غير حيادية، والصمت غير حيادي! الألوان والحجر والطين والخشب غير حيادية عندما تتناولتها يد الإنسان! وهل نجت المنحوتات السورية المدفونة في التراب؟ أم كانت حمّالة حضارة ورؤية، ثروة سورية نهبت أو دمرت خلال الحرب؟ وهل كان مقعد المدرسة الذي كسرته العصابات حيادياً، أم كان من الوسائل إلى هدف؟ وهل كانت الغابات التي أحرقت زينة، أم كانت دثاراً حامياً وبيئة وطنية؟ في هذا السياق كانت مسلسلات باب الحارة بوابة الحرب على الشخصية السورية، صورت السوريين تافهين كما يريدهم الخليج، مستغلة جمال العمارة الشامية والملابس واللهجة. ولا يزال تسديد التفاهة والتهريج في المسلسلات التلفزيونية العربية حرباً على الروح والأخلاق والذوق. 

لذلك تبدو لنا المؤسسة الثقافية ذات مسؤولية كبرى، يفترض أن تقدم لها إمكانيات كبرى. لتصبح الثقافة نغمة يومية في الحياة العامة. نسمعها من الراديو، نراها على الشاشة، نصادفها في مسجلة الباص والتاكسي، ونلمسها في هوية المدينة العربية. ولن يتحقق ذلك إلا بمعايير ثقافية رفيعة تلتزم بها كتب المؤسسة التربوية والتعليمية، ومؤسسة الإعلام.

في أيام الثقافة كنت ممن كرمتهم السيدة وزيرة الثقافة. ارتجف قلبي عندما عرفت الخبر. فالتكريم قد يفسر بأنه تتويج لأنك أنجزت عملك، وأنا لا أزال أعمل يومياً. والتكريم قد يفسر بأنه تنبيه إلى مسؤولية الكاتب، وأنا لا أزال أفكر في موضوعاتي، وأنحت صياغتي. فوق ذلك، ارتبكت. لأن الناس في ضيق وفقر بعد عشر سنوات عجاف، ينهشهم تجار الحرب. وقفت إذن، كأني في امتحان. ثم تذكرت أن الجوائز تعبير. لم تقدم جائزة نوبل لنجيب محفوظ إلا بعد كامب ديفيد. قال لنا مترجم روايته البريطاني، يوم زار اتحاد الكتاب، إن الكاتب نقده عشرين جنيهاً ليترجمها. ترجمها لكنه لم يجد من ينشرها يومذاك. فنشرت بعد كامب ديفيد. وتذكرت أن الجوائز اليوم من وسائل الحرب على الثقافة الوطنية. وأن مال النفط يحدد معايير البحث والرواية والشعر والقصة، وحتى ملابس الممثلين في المسلسلات. لتكريم وزارة الثقافة السورية، إذن، قيمة كبيرة.

بقي أمر بيني وبين نفسي. يوم احتفل اتحاد الكتاب بالذكرى الخمسين لتأسيسه، اقترحت لوحات على الأبنية التي عاش فيها كتاب راحلون، تبقيهم في الذاكرة العامة، منهم السيدة ألفت الإدلبي. لم تلبّ محافظة دمشق طلب اتحاد الكتاب. حجتها: “سيسرق الشعب تلك اللوحات النحاسية”. وكأن اللوحات لا يمكن أن تكون كلوحات الشوارع التي “لا يسرقها الشعب”! لذلك تذكرت السيدة ألفت الإدلبي التي كتبت عن الثورة السورية، وكتبت قصة لا تُنسى عن أسرة قسّمها الاحتلال. وتمنيت أن تكون حية وأن تكون هي المكرمة.

شكراّ للدكتورة لبانة مشوح التي افتتحت أيام الثقافة بلغة عربية رشيقة. والتحية لدار الأوبرا التي نظمت حفلة فنية جميلة.