aren

أول آيار ، عيد العمل … ومنهاج سعاده الإنتخابي \\ بقلم : د. جهاد العاقل
الإثنين - 30 - أبريل - 2018

 

poster-together-we-win-P

 

يحتفل العالم، في الأول من آيار، من كلّ عام،على ما اصطلح بتسميته “عيد العمال العالمي”، الذي اقتصر سابقا، فقط، على العامل والمزارع، والذي صار تقليدا، تحييه معظم دول العالم، منذ انطلقت فكرته من أوستراليا عام 1856 .

إلا أنّ سعاده، صاحب النظرة الفلسفية الشاملة للحياة والكون والفنّ، أعطى هذا العيد بعدا إنسانيا جديدا، ومعنى اجتماعيا واقتصاديا متقدما وراقيا، لم تعرفه النظريات الإقتصادية السائدة في كلا النظامين الماركسي والرأسمالي، وما تفرّع عنهما، والتي انحصرت في توصيف المشاكل الإجتماعية- الإقتصادية، دون حلّها، وحيث اقتصر مفهوم العيد فيها على فئة، أو طبقة من المنتجين دون غيرهم من أبناء المجتمع .

ولم تكن تلك “الأنظمة الإقتصادية” أقلّ استغلالا لقضايا المنتجين من الرأسمالي والإقطاعي والسياسي الشخصي، بل ليمكن القول، كما قال سعاده : ” إنّ الاقطاع الاقتصادي السياسي والرأسمالية المجحفة قد صارتا دولتين، فقد حلّت بعض الدول في موارد العالم ومواده الأولية، محل العائلات الإقطاعية في موارد الأمة ومواد الوطن الأولية، ومحل الرأسمال الفردي بالنسبة الى الإنتاج والأسواق الإنترنسيونية”.

وفي الوقت الذي يعترف فيه سعاده في “أنّ النظريات الإجتماعية الإقتصادية، من كارل ماركس وانغل إلى الإجتماعيين الإقتصاديين الجدد قد ألقت نورا قويّا على مشاكل المجتمع الإنساني الإقتصادية”، إلا أنّه يستدرك بالقول: “لكن الإشتراكية لم تتمكن من حلّ القضايا الإنسانية الإجتماعية المعقدة، وعند هذه النقطة يبتدىء عمل الدماغ السوري الغني بالخصائص النفسية. ومن هذه النقطة تبتدىء الفلسفة السورية القومية الإجتماعية التي تقدم نظريات جديدة في الإجتماع بأشكاله النفسية والإقتصادية والسياسية جميعها..”

وفي العودة إلى أبرز ما كتبه سعاده في الشأن الإقتصادي، خصوصا في المبدأ الإصلاحي الرابع “إلغاء الإقطاع، وتنظيم الإقتصاد القومي على أساس الإنتاج، وإنصاف العمل، وصيانة مصلحة الأمة والدولة” ، وفي “نداء الزعيم” الشهير، الذي وجهّه “إلى منتجي الأمة وبنائي مجدها”، بمناسبة عيد العمل، في الأول من آيار عام 1949 . وما كان قد كتبه سابقا، في “بيان زعيم الحزب السوري القومي الإجماعي، ومنهاجه النيابي”، في آيار 1947، تحت عنواني :”القواعد الإقتصادية للإستقلال”، و”الإصلاح الإقتصادي”..

في العودة إلى المراجع المتقدمة، وما تركه سعاده من تعاليم وشروحات أخرى في الإقتصاد القومي الإجتماعي، ولاسيما في مقالته الشهيرة “العقيدة القومية الإجتماعية وبحث الديمكراتية عن عقيدة”، نتوقف في الأول من آيار، بمناسبة “عيد العمل” عند بعض عناوين “المنهج الإقتصادي”، الذي وضعه سعاده، واسّس فيه مرتكزات الإقتصاد الخاص بالدولة القومية الإجتماعية التي هي دولة الأمة الواحدة- المجتمع الواحد، الذي تتقدم مصلحته على كلّ مصلحة، وهي فوق كلّ مصلحة، التي لا يحميها، في التطاحن والعراك والصراع بين مصالح الأمم على الموارد الطبيعية والمواد الأولية، إلا القوّة بمظهريها المادي والعقلي، ومن هنا كانت “الخاتمة” في تعاليمه القومية الإجتماعية، التي نصّت، على العمل على “إعداد جيش قويّ يكون ذا قيمة فعلية في تقرير مصير الأمة والوطن” . ومن العناوين الرئيسية في “المنهج الإقتصادي”، الذي وضعه سعاده :

أولا : المبدأ الإصلاحي الرابع، من تعاليم – مبادىء الحزب السوري القومي الإجتماعي :”الغاء الإقطاع، وتنظيم الإقتصاد القومي على أساس الإنتاج، وإنصاف العمل، وصيانة مصلحة الأمة والدولة”، هذا المبدأ الحيوي الذي وصفه سعاده بـ “المبدأ العظيم” ! ، لأنّه ينظر في مستقبل الأمّة، وما يجب أن تصل إليه من الإرتقاء والبحبوحة، والعدل الإجتماعي- الإقتصادي” . هذا المبدأ العظيم الذي يوجد مجتمعا جديدا في نظرته إلى القيم الإجتماعية، وفي حركته ونشاطه وعاداته وتقاليده، وأشياء أخرى، إنّه يوجد أمّة حيّة متآلفة قلوب أبنائها وحاصلا لها المستوى الراقي في الحياة المادية والروحية .. أمّة هي في طليعة الأمم التي تسعى لإيجاد عالم أفضل من الموجود “.

إلغاء الإقطاع من أجل الحفاظ على سلامة الدولة من خلال تحرير قسم كبير من الشعب العامل والمحارب المغلوب على أمره في ظلّ الحالة الإقطاعية، التي تمنعها النصوص، وهي متجذرة في بعض النفوس . والمحافظة على ثروة الأمة، ومنع التصرف بأي شبر من أرض الوطن يتنافى ومبدأ السيادة القومية .

وتنظيم الإقتصاد القومي على أساس الإنتاج الذي هو الطريقة الوحيدة لإيجاد التوازن الصحي بين توزيع العمل، وتوزيع الثروة، كلّ عضوّ في الدولة يجب أن يكون منتجا بطريقة من الطرق . وفي حالة من هذا النوع يتوجب تصنيف الإنتاج والمنتجين، بحيث يمكن ضبط التعاون والاشتراك في العمل على أوسع قياس ممكن وضبط النصيب العادل من النتاج، وتأمين الحقّ في العمل، والحق في نصيبه . والإنتاج هو حقّ عام، والرسمال (حاصل الإنتاج) هو ضمان استمرار الإنتاج، وهو ملك قومي عام، يؤتمن عليه الأفرد، ويُسخّر في عملية الإنتاج .

إنصاف العمل، في تأمين حق العمل والحق في نصيبه، ويجب أن يصير الجميع منتجين، كشرط للإشتراك في الحقّ العام، وأن يعملوا لنهضة زراعية صناعية اقتصادية قومية تفيض الخير على هذه الأمة والشعب . وبهذا العمل، وبهذا الإنتاج يمكن النظر في توزيع النصيب العادل للجميع ليحيوا الحياة اللائقة بالانسان المتمدن الراقي .

فالقومية الإجتماعية، في ظل الدولة القومية التي تسنّ القوانين لتأمين حقّ العمل وضبط الإنتاج وتقسيم العمل وتوزيع الإنتاج الحاصل، تعني توزيع غنى لا توزيع فقر . بهذا التفكير الإقتصادي الراقي النابع من حقيقة الأمة وسيادتها، وتأمين مستقبلها في حياة العزّ لجميع أبنائها، تصان مصلحة الأمة والدولة. إنّ الإقتصاد، كما يقول سعاده، يجب أن يعني الإزدهار، وليس البقاء على الإستمرار في الحياة. إنّ الإقتصاد يجب أن يعني توفير إمكانيات التقدم والتمتع ورفع مستوى المصالح المادية والفنية والنفسية للشعب الواحد .

ثانيا: “نداء الزعيم إلى منتجي ثروة الأمة وبنائي مجدها.” في عيد العمل، في أول آيار 1949 .

اللافت في عنوان هذا النداء هو استخدام سعاده تعبير “عيد العمل”، بدلا من “عيد العمال”، وذلك خلافا لما كان سائدا من قبل، ومن هذه النقطة يتوجه سعاده في ندائه التاريخي ، إلى المعنيين بهذا العيد، وهم ليسوا، فقط، فئة أو طبقة من أبناء المجتمع، بل هم جميع منتجي الأمة . وهكذا يغدو الأول من آيار، في نظرة سعاده الجديدة؛ عيد العمال والفلاحين، عيد أصحاب الفنون والحرف، عيد المنتجين علما وفكرا وغلالا وصناعة، عيد منتجي ثروة الأمة، وبنائي مجدها . سعاده لم ينظر إلى هؤلأ المنتجين على أنّهم أدوات أو آلات مادية في عملية الإنتاج وحساب الأرباح والأرقام الإنتخابية، وخدمة الأغراض الفردية، بل اعتبرهم أوردة الحياة وشرايين القوّة في جسد الأمة السورية الحيّ، هم الأمة خلقا وانتاجا وتشييدا… والحياة تفيض من درّ معاولهم ومطارقهم، ينشئون الخير..ويبنون ويصنّعون ..ويشيّدون العظمة .

وعلى أساس هذا الإيمان، يتوجه إليهم بكلمات الفخر والاعتزاز والتقدير :”ما أعظمكم تعملون نهارا وليلا، تصنعون الآلات التي تزيد الانتاج الصناعي، وتحرثون الأرض، وتزيدون الإنتاج الزراعي، وتبدعون البدائع، وتخطّطون الخطط للتمدن والحياة الجيدة” .

يشخّص سعاده في ندائه حالة أصحاب العيد في ظلّ الأنظمة الإجتماعية والإقتصادية والسياسية القائمة خارج نطاق الدولة القومية الإجتماعية . حيث عوامل الخلق مندثرة، والإنتاج مبعثر، والعمران مهدّم . ويتوجه إليهم بالقول : “ما أحقر الحياة التي تحيونها بالكدح والشقاء؛ الأمراض تساوركم والأعياء يلازمكم، والازدراء يحدّق بكم، فكأنكم عبء على الحياة، والحياة تفيض من درّ معاولكم ومطارقكم”! ويتابع سعاده : “هذه هي حالكم : تنشئون الخير ليتمتع به الإقطاعي من دونكم أنتم، وأنتم معظم الشعب، وتبنون وتصنّعون ليتاجر ببنيانكم وصناعتكم الرسمالي النهم، وتشيّدون العظمة لتجازوا بالحقارة . إنّها حال يجب أن يُوضع لها حدّ وأن تتغير” .

ويتساءل سعاده متعجبا عن هذا الصبر العظيم الذي يتحمّله المنتجون على “الرسمالي، و”الإقطاعي”، و”السياسي الشخصي”، ويخاطبهم :” ما أعظم صبركم على الرسمالي الذي يحوّل الآلات التي تصنعونه بصبركم ومهارتكم ضدكم، ينتزع سلاحكم من أيديكم ويردّه ضدكم، وما اشدّ صبركم على الإقطاعي الذي يجمع الخيرات التي تنتجونها بعرق جباهكم ليحتكرها ويحرمكم حقّ الحياة، وما أعظم جلدكم تجاه السياسي الشخصي الذي يصير شارعا تجاريا، يبيع نتاج فنونكم وحرفكم للشركات الأجنبية الرسمال، التي تقيم سلطانها الإستعماري في أرضكم”.

وبعد أن يشرح سعاده نقاط التشابه بين الإقطاعية الشيوعية السياسية الإنترنسيونية والاستعمارية الرسمالية الإقطاعية الإنترنسيونية في الأهداف والنتائج، ينتقل إلى تنبيه العمال والفلاحين السوريين من الدعوات التي توجه إليهم لنبذ قوميتهم والتنكر لوطنهم، والتنازل عن سيادتهم، وعن مواردهم الطبيعية التي لا يمكن أن تنهض الأمة إلا بها وبحفظها واسترجاع ما فُقد منها، ” فلا يمكن أن ننهض إلا بانتاج عظيم، ولا يمكننا أن ننتج بلا موارد للإنتاج، وبلادنا غنيّة بمواردها، خصبة بأرضها، ولكن انعدام الوعي القومي في شعبنا أفقدنا معظم مواد أرضنا الأولية الهامة .

فهناك بترول الموصل، ومنطقة الجزيرة، وبترول النقب السوري، وهناك أملاح البحر الميت التي وضع اليهود أيديهم عليها، وهناك أراضي كليكية والإسكندرونة، وفلسطين الخصبة التي انتزعت من السيادة السورية “.

لم يكتفِ سعاده بتوصيف الحالة السيئة للمنتجين، والمطالبة الشكلية بوضع حدّ لها، بل وضع قواعد واسس الإنطلاق، لوضع حدّ للحالة السيئة ، وإيجاد حالة جديدة تحلّ محلّها . وفي الوقت الذي كان فيه الدافع الأساسي لاهتمام الإقطاعي والرسمالي والسياسي الوصولي بالعمال والمزارعين هو تعداد الروؤس وحسابات الأرقام وكسبها لخدمة الأغراض الخصوصية والإرادات الأجنبية من شيوعية ورأسمالية، في هذا الوقت كان سعاده يضع الخطط من أجل تأمين الحقّ الطبيعي والإجتماعي الأول للمنتجين، ألا وهو حقّ العمل والإنتاج، الذي بدون الوصول إليه تبقى مسألة الأجور، وقوانين العمل، وقوانين الضمانة الإجتماعية مسألة وهمية، وهي لا تحلّ مشكلة البطالة والفقر العام .

إنّ الذي يعطي المنتجين حقّ العمل هو الحركة القومية الإجتماعية التي تعمل وتحارب لتأمين الأرض السورية، ووحدة مواردها لهم، وإعطائهم حقّ العمل وحقّ النصيب العادل منه، فالقومية الإجتماعية تعني توزيع غنى لا توزيع فقر .

ثالثا : بيان زعيم الحزب السوري القومي الإجتماعي ومنهاجه النيابي، آيار 1947 . إذا كان سعاده قد وضع منهاجا اقتصاديا نظريا عاما، فهذا لا يعني أبدا أنّه لم يتطرق إلى بعض التفاصيل الإقتصادية الثانوية، التي كانت تواجه المجتمع السوري، فكتب العديد من المقالات في الشأن الإقتصادي، ومنها على سبيل المثال : أزمتنا الإقتصادية، المهاجرة وتأثيرها الإقتصادي، مرفأ حرّ في لبنان!، مكافحة الغلأ، تشجير البلاد، حول اقتصاديات سورية الجنوبية، المصارف السورية وواجبها، الاستقلال السياسي مفتاح الاستقلال الإقتصادي، الإستعمار الإقتصادي في سورية، النفط سلاح انترنسيوني لم يُستعمل وغيرها .

أما بيان الزعيم ومنهاجه النيابي الصادر في 24 آيار 1947، بمناسبة الإنتخابات النيابية في لبنان، (والذي يصلح أن يكون بيانا انتخابيا في كلّ كيان سوري، وفي أي زمن كان)، فقد تضمّن،على الصعيد الإقتصادي فقرتين : “القواعد الإقتصادية للإستقلال” و “الإصلاح الإقتصادي”، وفي ما يأتي البنود الواردة فيهما :

القواعد الإقتصادية للإستقلال :

1- إيجاد سياسة إقتصادية قومية تؤمن حصول رأس مال قومي ثابت يمكن أن تقوم عليه مشاريع زراعية وصناعية قويّة . 2- ضبط رأس المال وتوجيهه نحو تقوية اقتصاديات البلاد وزيادة ثروتها . 3- إيجاد التوازن بين الوارد والصادر بسنّ قوانين التبادل، وعقد معاهدات الفاضل في الإستيراد والتصدير، بحيث يكون استيرادنا مؤمنا بتصديرنا . 4- إيجاد مواسم جديدة لها محل في السياسة الإقتصادية . 5- تشجيع إيجاد صناعات جديدة تتفق مع إمكانيات البلاد .6- تضبط الدولة توزبع العمل وتوزيع الإنتاج بحيث تتحسن حياة الفلاح والعامل ضمن إمكانيات الإنتاج وزيادته . 7 – منع حرب الطبقات في الأمة، الدولة السورية، وإيقاف جماح التكتلات الإقتصادية بإقامة العدل الإجتماعي ضمن الإنتاج القومي .

الإصلاح الإقتصادي :

1- تشجيع الإنتاج وحمايته بالمكوس على المستوردات الأجنبية التي تضارب الإنتاج القومي الرئيسي، وتعاكس نشؤ الصناعة القومية . 2- تشجيع الإنتاج وتقويته بالعناية التقنية والقوانين الداخلية والمساعدات اللازمة والعقود الإنترنسيونية . 3- ضبط السوق الداخلية ومنع الأرباح الفاحشة وضبط معدل الأرباح المعقولة . 4- الإهتمام بالإسواق الخارجية لتصدير منتجاتنا إليها وسنّ القوانين اللازمة للتبادل التجاري مع الخارج . 5- الإعتناء بحركة التصدير وإيجاد الشروط والقوانين التي تكفل نجاحها من حيث تصنيف الأنواع وضبط الأسعار ومراقبة التغليف وما شاكل . 6- حفظ مركز الرسمال القومي في جميع مشاريع الاستثمار وعدم السماح لرسمال أجنبي وحده باستثمار مشاريع قي أيّة بقعة قومية . 7- إيجاد أساس النقد القومي وحفظ استقلاله وحمايته من التلاعب المالي والخارجي . 8- صيانة العمل والعمال من اجحاف الرسماليين وإقامة العدل الإجتماعي الذي لا يتقدم انتاج قومي بدونه . 9- صيانة الفلاحين من الطغيان الإقطاعي وتثبيت حقوقهم ونصيبهم العادل في إنتاجهم وإحاطتهم بالعناية الثقافية والصحية . 10- منع المهاجرة وإيجاد وسائل العمل للذين تدفعهم البطالة وانعدام الإنتاج الإقتصادي إلى الهجرة . 11- القضاء على البطالة بإيجاد مشاريع انتاج قومية تحسّن حالة البلاد الإقتصادية . 12- صيانة حقوق مستخدمي التجارة، وضبط الأجور التي تُدفع لهم .

يحتفل العالم اليوم، في الأول من آيار بـ “عيد العمل”، في الوقت الذي ما زالت تتعرض فيه أمتنا، وعلى امتداد مئة عام، لأبشع وأقبح وأرذل مؤامرة عرفتها البشرية، إذ لم يكتفِ أعداء هذه الأمة بتجزئتها في سايكس- بيكو، وتسليط أعتى عصابة عنصرية إرهابية دموية لا أصل ولا حضارة ولا تاريخ لها، على أقدس وأخصب وأرقى قطعة أرض من أمتنا (فلسطين) ، بل أطلقوا يدّ هذه العصابة مدعومة من قوى الشرّ فى العالم، تقتل وتدمّر وتستبيح المحرمات، تحت أقنعة متنوّعة، وليس ما يجري من “حروب” متنقلة على كياناتنا من لبنان، إلى العراق، إلى قبرص، وأخيرا وليس آخرا إلى الشام، وامتدادا إلى مختلف دول العالم العربي، إلا صفحات سوداء في هذا المخطط الدمويّ-التدميري، الذي يصبّ في النهاية في خدمة “المشروع الإسرائيلي” الذي يهدف إلى نهب ثرواتنا وإبادة شعبنا .

وفي هذا الزمن العصيب الذي تمرّ فيه أمتنا وعالمها العربي، نجدّ حكام كياناتنا وانظمتها تتلهى بالمؤتمرات التي غالبا ما تنتهي إلى مؤمرات، وتتغنى بالشعارات التي غالبا ما تنتهي إلى محطات عارات مخزية ونعرات مذهبية وفئوية مبكية . وإذ تتخذ اليوم المؤامرة منحى جديدا في التعدي على طاقاتنا البشرية والطبيعية، تارة عن طريق “إصطياد الأدمغة”، وتارة أخرى عن طريق نهب ثرواتنا؛

وقد شهدنا في فلسطين والعراق وأخيرا في الشام فصلا خطيرا تجلى في اغتيال الكفاءات العالية، واليوم ونحن في مطلع القرن 21 تتحدث الأخبار عن منظمة إرهابية أميركية – يهودية تابعة لوكالة الاستخبارات الأميركية أطلق عليها اسم “قتلة الإقتصاد”، وغايتها النهب المنظم لموارد الدول عن طريق اغراقها بالديون التي تؤدي إلى العجز المالي الذي ينتهي بتحويل الأرض الى المصارف الأجنبية – الرسمال الأجنبي – البلوتكراطية الأجنبية، وإذا لم ينجح هذا الأسلوب تنتقل هذه الخطة الجهنمية إلى الإجراء الثاني الذي أطلق عليها اسم “الضباع”، ويقضي باسقاط الرافضين للبند الأول عن طريق الإنقلابات والإغتيالات… وإذا لم ينجح هذا الاختيار تلجأ هذه الدول إلى الاحتلال المباشر لنهب الثروات والموارد .

ومن مظاهر هذه الخطة العدائية على شعبنا أيضا، إقدام الاتحاد الأوروبي على شراء النفط من ما يسمى “الجيش السوري الحرّ” لقاء بيع الأسلحة لتدمير البلاد وقتل العباد، علما أنّ هذا الاتحاد الأوروبي قد فرض حظرا على “النفط السوري”، لمنع دمشق من شراء السلاح للدفاع عن نفسها في وجه التعديات الإسرائيلية ! .

وها هي السلطة في قبرص، بعد أن افلستها “شريعة قتلة الإقتصاد” تمنح جنسية الجزيرة للمستثمرين الأجانب لتمكنهم من تملك الأراضي، ووضعها تحت رحمة أعداء الأمة، وها هو العراق يُستنزف وتُهدر ثروة الأمة فيه، وها هو الكويت يتخبط في صراع مذهبي وإجتماعي، وتُنفق ثروته، المؤتمن من الأمة عليها، في غير طريقها الصحيح.

وها هو ملك الأردن يتعرّض للضغوط الإقتصادية، حتى يسمح للطيران اليهودي المعادي من استعمال أجوائه للمشاركة في تدمير الشام وقتل أبنائها.

وها هو لبنان، والسكين اليهودي على رقبته، ينأى بنفسه، مستلهما فلسفة النعامة، ويتلاعب بمصيره القومي، وكأنّه جزيرة منعزلة عن محيطه الطبيعي الهائج المائج، ويتلهى بقوانين الإنتخابات، وهو لا يعلم أنّه لولا من معادلة الشعب والجيش والمقاومة، لكان اليوم في خبر كان، لاسمح الله !

الويل لهذه الأمة التي تأكل مما لا تزرع، وتشرب مما لا تعصر، وتلبس مما لا تنسج . الويل لها وهي مقسّمة بين كيانات تدمّر “سياداتها” المصطنعة بعضها البعض، وتعتقد كلّ واحدة منها أنّها أمّة، . وهي مقسّمة إلى طوائف ومذاهب تكفّر بعضها الأخر، وتنادي بالمحبة ، والأديان السماوية ، وفيها تجوع السماء، ولا تشبع نيران الجحيم .

الويل لهذه الأمة التي تمشي عارية، جائعة، حافية وخائفة، فوق أرض تجري من تحتها أنهار الخير والبركة، وتمطر عليها السماء، من فوق، الأديان والأنبياء، وتتفجر من مدارسها الحضارات والثقافات والرسالات . ويلٌ لهذه الأمة التي يجوع فيها الله ويشبع الشيطان .

والمجد كلّ المجد لهذه الأمة الصابرة، المقاومة، التي لن ترضى أبدا أن يكون قبر التاريخ مقرا لها تحت الشمس ، لأنّها هي التي صنعت تاريخ العزّ، وفيها قوّة بدأت تفعل، وستغير وجه هذا التاريخ المظلم الظالم . ويشع منها فجر جديد عنوانه الحق والخير والجمال، إنّها رسالة أمتنا للعالم كانت وستبقى ، ولن تخبو أنوارها أبدا.

في الأول من آيار، عيد العمل : تحية إلى كلّ منتج من أبناء هذه الأمة . ويا أيها المنتجون السوريون : “إنّ القضية القومية الإجتماعية هي قضيتكم . هي تؤمن لكم وحدتكم القومية، وعدم تسخيرها للأغراض الأجنبية . وتؤمن لكم الأرض وخيراتها . وتؤمن لكم العدل الإجتماعي بإعطائكم حقوقكم في العمل وفي نصيبه في نهضة صناعية- زراعية- فنية تجعل وطنكم يفيض خيرا وصحة” . أمنوا، بما في نفوسكم من عزّ وكرامة وعظمة .. واعملوا وحاربوا تنتصروا .