aren

“أوليفييه روا” … الجهل المُرّكب \\ بقلم : د. علي حرب
السبت - 18 - سبتمبر - 2021

(خاص)

التجدد الاخباري

يعّد أوليفييه روا من أبرز المثقفين الفرنسيين المختصين بالشأن الاسلامي . وهو صاحب أطروحة، في قراءته للظاهرة الاصولية، تندرج تحتها مقولات أربع، كما شرحتُ ذلك في كتابي، الجهاد وآخرته 2018.1

– المقولة الاولى ومفادها نفي روا لوجود طائفة اسلامية في فرنسا. وهذا أغرب رأي يصدر عن مثقف فرنسي يشتغل في حقل من حقول المعرفة، مهمته الاولى هي الفهم والتشخيص لا التضليل أو التبرير. نحن إزاء رأي كأن صاحبه يعيش في كابول، لا في فرنسا التي باتت هدفاً لغزو ثقافي، من جانب الحركات الاسلامية، بوجهيها الدعوي والجهادي.

2 – المقولة الثانية تتمثل في موقف روا المؤيد لارتداء المرأة المسلمة لباس البحر (البوركيني) في فرنسا، بحجة نفي علاقة هذا اللباس بالاسلام، والنظر اليه بوصفه ممارسة حديثة يُخلع عليها الطابع الاسلامي. ولكن البوركيني ليس مجرد ممارسة حديثة، وإنما هو علامة فارقة من علامات الهوية. والمرأة التي ترتديه في فرنسا تحاول، عبره، أن تشهر إسلامها بتغليب هويتها الدينية على هويتها الوطنية الفرنسية. بهذا المعنى فالبوركيني، كالحجاب وبقية الرموز الدينية، هو وجه من وجوه الصراع الثقافي الذي تخوضه فرنسا، منذ عقود، في مواجهة محاولات أسلمتها، من جانب المسلمين السلفيين الذين يريدون فرض قيمهم ونمط حياتهم على المجتمع الفرنسي.

3- المقولة الثالثة مفادها قول روا بأن الاسلام الراديكالي لا يمثل الدين الاسلامي، بدليل أن ظاهرة الارهاب هي ظاهرة معاصرة، تفشت في الاوساط المسيحية، كما تشهد الهجمات الارهابية التي نفّذها أصولي نروجي في أوسلو، أو الهجمات على أحد المساجد في عاصمة نيوزيلندا، هذا فضلاً عن ظهور الحركات الشعبوية التي هي شكل جديد من أشكال العنصرية. ولكن روا ينسى أن ظهور الشعبوية هو ردة فعل عنصرية ضد الغزو الثقافي الاسلامي للمجتمعات الغربية.ثمة دليل آخر يقدمه روا هو أن الاسلام كان، قبل صعود الحركات الاصولية، بعيداً عن التطرف وأقرب الى الاعتدال والوسطية والتسامح. هنا أيضا يتناسى روا أن الاسلام الذي يتحدث عنه، لم يصبح كذلك إلا بعد دخول المجتمعات الاسلامية في عالم الحداثة وتأثرها بمفاهيمه ونظمه وقيمه. من هنا كانت ردة الفعل ضد هذا التحول نحو التحديث الفكري والثقافي في غير بلد اسلامي. وكانت حركة الاخوان المسلمين في مصر، بما تفرع عنها من الاحزاب السياسية والتنظيمات الجهادية، هي الابرز في حمل لواء العودة الى الاصول والاعتصام بالنصوص.

4- الرابعة هي تأكيد روا بأن “المشكلة ليست في راديكالية الاسلام بل في أسلمة الحركات الراديكالية”. وهكذا فهو ينفي صفة التشدد والتطرف عن الاسلام لإلصاقها بالحركات الاصولية والمنظمات الجهادية. ومسوّغه الى ذلك أن الظاهرة الاصولية هي ظاهرة عالمية من أبرز سماتها العدمية، أي رفض العالم، ولذا فهي تمارس العنف الأعمى والفاحش أي القتل للقتل.بذلك يجرد أوليفييه روا الحركات الاسلامية المتطرفة من أساسها الديني ومحتواها العقائدي الاسلامي. ولكن الوقائع تأتي دوماً بعكس ما يحلّل وينّظر.

فالهجمة الارهابية التي تعرضت لها مدينة برشلونة في آب 2017، كان مهندسها وصانعها إمام الجامع فيها. نعم ثمة عدمية في السلوك الارهابي. ولكن ليس بمعنى رفض كل شيء. فالعدمية بحسب مفهومي لها هي أن حراس العقائد والشرائع الدينية هم أول من يخرج عليها أو يتخلى عنها. وعلّة ذلك أنه لا يمكن لها أن تطبق في هذا العصر الا على نحو ما طُبّقت عليه: فشلاً ذريعاً تجسّد في ترجمة الشعارات بأضدادها، وفي انتهاك كل القيم والحرمات أو في كل الانظمة والقوانين.هذا ما تشهد به التجارب. فالحصيلة حيث حكم الاسلاميون أو سيطروا، تقهقر حضاري وفقر معرفي، استبداد سياسي وإرهاب عقائدي. وتلك هي فضيحة العمل الديني الاسلامي. فبدلاً من أن يفكر الاسلاميون بمراجعة التجربة، وإعادة النظر بالثوابت والمسبقات، فإنهم سعوا الى القبض على السلطة والبقاء فيها بأي ثمن، ولو بالتحالف مع الشيطان أو بالتواطؤ مع من يعتبرونهم خصومهم أو أعداءهم على المستوى الحضاري والثقافي.

تشهد على ذلك العلاقة الملتبسة، الخفية والعلنية، بين أميركا والاخوان المسلمين. ومن المفارقات، في هذا الخصوص، أن الولايات المتحدة قلما اهتمت بدعم الحكومات الديموقراطية، خاصة في العالم العربي، نظراً للتحالف الذي عقدته مع الحكومات والحركات الاسلامية في حربها ضد الكتلة الشيوعية وضد التيار القومي العربي. وها هي تحاول الان الضغط على الرئيس التونسي قيس سعيّد، ليس من أجل الحفاظ على المسار الديموقراطي، بل من أجل دعم راشد الغنوشي رئيس حزب النهضة الاسلامي .*خلاصة نقدي أن مقاربة أوليفييه روا، هي قراءة مغلوطة مخادعة، تدعي تشخيص الواقع، فيما هي تقلب الحقائق وتزور الوقائع، لتشهد على جهل صاحبها بالاسلام والفكر الاصولي، أو على محاباته ومعاندته. وهي قراءة تصب في مصلحة الفكر الاصولي، قد دفعت فرنسا ثمنها الباهظ تراجعاً عن قيمها كدولة حديثة، علمانية، مدنية؛ كما تدفع أثمانها المجتمعات العربية الارهاب العقائدي القدسي، وانفجار الحروب الاهلية التي تمزق غير بلد عربي.

وأوليفييه روا ليس وحده وإنما هو ينظّر ويفتي لخط إيديولوجي يضم في فرنسا تحالف اليسار المتطرف والحركات الاسلامية. وكلاهما يعتبر نفسه ضحية، ضحية الرأسمالية بالنسبة الى اليسار. وضحية الزمن الكولونيالي بالنسبة الى البلدان الاسلامية، ثم ضحية محاولات التهميش والاقصاء بالنسبة الى المسلمين الفرنسيين. هذا في حين أن فرنسا ، التي تخضع لابتزاز وارهاب المنظمات الجهادية، إنما هي الضحية حقاً، لميزتها وفرادتها، كمساحة لحرية التفكير والتعبير يحاول استغلالها الاسلاميون للقضاء على هذا المنجز الحديث.ولهذا التحالف نظيره في العالم العربي هو تحالف اليسار الفاشل مع محور المقاومة والممانعة، والاحرى القول التحاقه به. ولذا نجد مثقفي هذا المحور يهتمون بترجمة كتب أوليفييه روا ونشر آرائه، وبالتهجم على الذين ينبرون لنقده وفضح بضاعته الفكرية، حتى تخاله أحد أئمتهم. فهو بحجة فهم الظاهرة الاصولية يقدم قراءة مغشوشة، مسمومة، عن الارهاب الجهادي، تماما كما أن محور الممانعة ، بحجة دعم المقاومة وتحرير الارض، يتستر على استراتيجيته التوسعية الرامية الى السيطرة على غير دولة عربية.

إن روا، كمختص بالفكر الاسلامي، يتوقف عند الاعراض والنتائج ويهمل الاسباب والعوامل الفعلية التي أدت الى نشوء الظاهرة الارهابية، كما تتجسد في الفكر الاحادي والعقل اللاهوتي والمشروع الاصولي، أي في ما يفضي الى مقاومة محاولات النهوض والاصلاح والتقدم، للعودة بالمجتمعات العربية الى الوراء.ولا أراني أظلم روا إذ اعتبره المروج الاول للفكر الاصولي. والغريب أن بعض الصحافيين الذين يقدمون أنفسهم، عبر كتاباتهم وافتتاحياتهم، بوصفهم يتصدون لمهمة النقد والتعرية بالحركات الاصولية ولمحور الممانعة، إنما يشتغلون بالترويج لاراء روا، لكي يشهدوا على جهلهم بأفكاره وبالواقع، بالإسلام وبالحركات الاصولية.

والمجتمعات العربية هي الضحية لمثل هذا الجهل المركب، الذي يجعل صاحبه يفكر على شاكلة من يدعي محاربتهم، فيحسب المشكلة هي الحل، أو الحل بوصفه هو المشكلة. كفانا جهلاً ونفاقاً ومحاباة.

*ما هو الدرس المستخلص؟

– أن لا نثق بما يُعلن ويُطرح، خاصة من جانب اصحاب الحركات الاصولية والمشاريع الايديولوجية الشمولية. فالغرائز والاهواء والنزوات، لدى البشر، أقوى من الفضائل والقوانين والنبوات، بالرغم من مزاعم الرسل والانبياء.

-أن لا شيء يبقى على ما هو عليه. واذا كان لكل مجتمع ثوابته، فالعلاقة بها هي علاقة متغيرة، متجددة، والا تحولت الى عوائق ومآزق. ويا لها من أكذوبة أن يدعي أتباع الأنبياء المماهاة معهم، فيما يفصل بينهم كل ما به تصنع الحياة اليوم ويتشكل العالم من الشروط والظروف أو القيم والمفاهيم أو الأدوات والرسائل.

– لنتوقف عن ممارسة لعبة الفصل بين الاسلام والحركات المتطرفة. فالجهاديون، المنخرطون في منظمات القاعدة وداعش والنصرة وطالبان، لم يأتوا من عالم آخر، وإنما هم تعلموا في كليات الشريعة وتخرجوا على يد شيوخها من الدعاة. نحن إزاء جيلين، أو نموذجين الفارق بينهما، مثاله الفارق بين ابن لادن وراشد الغنوشي.

فأصحاب النموذج الاول يريدون ترجمة ما تعلموه، تحت شعار الاسلام هو الحل، لتطبيق الشريعة وإقامة الدولة الاسلامية، سواء تحت اسم الخلافة أو الامارة. أما أصحاب النموذج الثاني، الذين ينتمون الى جيل الآباء المؤسسين، فقد دفعتهم مقتضيات العمل السياسي، فضلاً عن شهوة السلطة، الى تقديم تنازلات، على مستوى الخطاب، لا تتماشى مع المبادئ والشعارات، كالتحالف الضمني بين الاخوان والأميركان الذي هو أشبه بزواج غير شرعي، بين الولايات المتحدة وأنصار الشريعة.

وقد وجد هؤلاء في مقولة التمكن، مبرراً لسياساتهم وتراجعاتهم. هذا ما عبر عنه زعيم حزب النهضة في تونس بقوله للجهاديين: لا تستعجلوا. دعونا نتمكن، أي انتظروا حتى نقبض على السلطة، لكي نطبق شرع الله وأحكامه. ويبدو أن طالبان تحاول الان أن تلعب نفس اللعبة، عندما تتحدث عن تغير طرأ على نهجها يجعلها تحترم القيم الحديثة، كالديموقراطية والتعددية وحقوق المرأة. هذا الفارق بين النموذجين هو فرق في الزي والمظهر أو في الاسلوب والتكتيك. و لكن كلاهما ضد العالم الحديث بقيمه ونظمه، بفلسفاته وسياساته. وكلاهما أثبت فشله، لأنه لا يمكن أن تبنى حياة حديثة بما استهلك أو فسد أو باد من النماذج والصيغ أو المفاهيم والاساليب.

وها هم الاسلاميون في المغرب، قد انضموا الى لائحة أشقائهم الذين فشلوا في إدارة قضاياهم وخربوا بلدانهم ، في مصر والسودان أو في تونس ولبنان.لنفق من سباتنا. فما يحتاج اليه العربي ليس الترويج لأوليفييه روا الذي يدغدغ مشاعر المسلمين ليخدعهم، بل إجراء تحول بنيوي جذري على هويته الدينية، بإخضاع المسلمات والثوابت وكل ما هو مسكوت عنه، الى عمل المساءلة والمراجعة أو الفحص والنقد. هذا ما نحتاج اليه إذا أردنا الخروج من المأزق الحضاري،

الذي تقودنا اليه دعواتنا المستحيلة واستراتيجياتنا القاتلة وأصولياتنا المدمرة: أن نبتكر صيغاً جديدة لحياتنا تتيح لنا تحسين شروط عيشنا، كما تتيح لنا أن نحسن التواصل بيننا أو بيننا وبين الاخر والعالم.

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها