aren

أهمية “علم النفس” لكاتب المسرح \\ بقلم : د.علي خليفة
الإثنين - 18 - أكتوبر - 2021

كاتب المسرح ، مطالب بأن يكون واسع الثقافة، شديد الالتصاق بمجتمعه، وعلى علم بكل تطور يطرأ عليه؛ ليكون صادقًا في تصويره الفني لمجتمعه في مسرحه.ومن العلوم التي يتحتم على كاتب المسرح معرفتها علم النفس؛ ليتمكن من تأمل النفوس البشرية ومعرفة الدوافع التي تدفعها للأفعال التي تقوم بها في حياتها.

ومعلوم في كتب أمهات النقد المسرحي ، أن الشخصية لها ثلاثة أبعاد البعد المادي والبعد الاجتماعي والبعد النفسي، والبعد النفسي يتكون من محصلة البعدين الآخرين، فلشكل الشخص وللبيئة التي يعيش فيها آثار قوية في سلوكه ونظرته للحياة، وفي إصابته أحيانًا ببعض الأمراض النفسية. ولا بد لكاتب المسرح من أن يعي هذه الجوانب الثلاثة في شخصيات مسرحياته، ويجعل كلامها وحركتها بناء على أثر هذه الجوانب فيها.

وكبار كتاب المسرح في العالم منذ الإغريق ، يدركون أهمية دراسة هذه الجوانب في الشخصية حتى قبل ظهور علم النفس كعلم على يد “فرويد ويونج وإدلر”… وغيرهم من علماء النفس في العصر الحديث. وربما كان (يوربيديس)، هو أهم كاتب إغريقي ، اهتم بكشف أغوار النفوس في مسرحه، وأرانا الدوافع النفسية التي تحرك بعض الشخصيات في مسرحه، ومن أهم الشخصيات التي سبر أغوارها النفسية في مسرحياته شخصية “ميديا” في مسرحية ميديا، وشخصية “فيدر” في مسرحية هيبوليت.

وبراعة شكسبير في تراجيدياته العظمى، تعود لحسن تحليله لشخصياته، وإبرازه الدوافع النفسية التي تحركها، ومن ذلك نرى أن عقدة النقص عند عطيل كانت وراء تصديقه كلام (ياغو) في اتهام ديدمونة بخيانتها له؛ ولهذا قتلها ظانًا خيانتها له؛ لأنه كان يظن أنه غير كفء لها في قرارة نفسه. وأيضًا كان (هاملت)، ذا نفس شديدة التردد والحيرة؛ ولهذا لم يكتف بقول شبح أبيه له بأن عمه ، هو الذي قتله بالاتفاق مع زوجته.

واستمر في البحث عن دلائل أخرى، تؤكد أقوال شبح أبيه له، وهذا التردد منه أدى به لارتكاب جرائم أخرى ، ولتعقيد الأمور ولمأساته بقتله في النهاية هو أيضًا.

وكتاب المسرح الحديث لا غنى لهم عن دراسات علم النفس والإفادة من منجزاتها، ونرى أن المسرح الحديث ما كان له أن يبدو بالصورة الواقعية التي رأيناها بها عند إبسن واسترندبرج لولا استفادتهما من علم النفس في بناء شخصيات مسرحياتهما.واسترندبرج على وجه الخصوص يهتم بتصوير الشخصيات غير المتزنة نفسيًا، ويصور أفعالها التي تترتب على اهتزاز نفوسها، كما نرى في مسرحية جوليا التي لديها عقد من أسلوب تربيتها ، فلديها ميراث في التربية من أبيها أثر فيها، كذلك تأثرت بانحراف والدتها الأخلاقي، فكانت شخصية مضطربة نفسيا نتيجة كل هذه الرواسب النفسية، التي تعمل في نفسها، وتؤثر في أفعالها.

وكتاب مسرح الطليعة لا يعبئون بالشكل المسرحي المتوراث ، بل يتمردون عليه، ويتمردون على القيم المتوارثة أيضًا، ويرى بعضهم أن الإنسان غير قادر على الاتصال بما حوله، وبهذا يشعر بغربته، وأنه حين يتحدث مع غيره فإنه اتصال ظاهري؛ لأن جوهر هذا الحديث له مع غيره يدل على أن كل طرف يتكلم فيما يخصه وأنه عاجز بالفعل على الاتصال الحقيقي مع غيره، ونرى في مسرح يونسكو هذه الظاهرة ، واضحة بشكل كبير.

وما قلناه عن نظرة كتاب الطليعة للإنسان في هذا العصر، يدخل ضمن الدراسات النفسية أيضًا، ومن هنا نرى أن كتاب الطليعة أيضًا ومنهم كتاب العبث لم يستغنوا عن علم النفس وهم يكتبون مسرحياتهم التي فيها تمرد على الشكل والمضمون في المسرح.وكبار كتاب المسرح العربي أدركوا أهمية دراسة علم النفس في بناء مسرحياتهم ورسم شخوصهم، وبعضهم كتب مسرحيات يمكن أن نصنفها بمسرحيات نفسية؛ لأنها تقوم على إصابة أحد أبطال المسرحية بعقدة نفسية تؤثر في سلوكه وأفعاله في المسرحية، ومن ذلك مسرحية (سر شهرزاد) لعلي أحمد باكثير ، ومسرحية شهريار لـ(عزيز أباظة). أما كاتبنا الكبير توفيق الحكيم ، فهو بلا شك ، اهتم بدراسات علم النفس، وأدرك أهمية الدوافع النفسية في تصرفات الشخصيات.

وفي مسرحياته الذهنية ، نرى أن أثر علم النفس ضعيف فيها؛ لأنه فيها لا يهمه أن يوجد شخصيات من لحم ودم ، تتفاعل مع الأحداث التي وضعها فيها، ولكنه مهتم فيها بعرض أفكاره الذهنية، ولا بأس من أن تكون شخصياته في هذه المسرحيات مجرد دمى يحركها لتعبر عن هذه الأفكار.ولكن الحكيم في مسرحياته الواقعية اهتم بصورة واضحة بالأبعاد النفسية لشخصياته، وأوضح أنها تقوم بأفعالها وفقًا لهذه الدوافع النفسية. كفعل الدكتور في مسرحية “لعبة الموت” في موقفه الرافض للحياة بعد موت زوجته وابنه ، وتأكده من قرب موته لإصابته بإشعاع ذري. وأيضًا نرى تصوير هذه الدوافع النفسية عند شخصيات أخرى كثيرة في مسرحياته ، مثل شخصية الغانية في مسرحية “السلطان الحائر”.