aren

أمين معلوف : وسام فرنسا وزعتر الضيعة … “شيء من الاستثمار في الثقافة” \\ بقلم : د.فؤاد شربجي
الثلاثاء - 17 - مارس - 2020

amin-maalouf-academie-francaise-french-academy_970897_highres

(أول مرة سافرت كان من بين أهم ما حملته من لبنان معي ، الزعتر، وظللت دائما احمل معي زعترا من لبنان).

هذا ماقاله ، الكاتب “أمين معلوف” في لقاء تلفزيوني ، ردا على الهدية التي قدمتها له المذيعة ، ومن ضمنها (كيس زعتر) من ضيعته ، وشرح معلوف لمحاورته ، ان قنصل فرنسا في “صيدا” في القرن التاسع عشر ، كتب في كتاب مشاهداته حول لبنان ، فقرة ، قال فيها : “ان من اغرب عادات أهالي هذه المنطقة انهم متعلقون بالزعتر ، ويحملونه معهم اينما ارتحلوا “، ويعقب معلوف : “انه عندما قرأ هذه الفقرة ، اكتشف انه بالفعل كان يحمل الزعتر كلما سافر”.

اللقاء التلفزيوني مع معلوف ، أعيد بثه منذ أيام بمناسبة تقليد الرئيس الفرنسي له ، أعلى وسام فرنسي ، ولتزامن تكريمه هذا ، فقد علق أحد الكتاب العرب ،ان فرنسا وهي تتابع أزمة لبنان الاقتصادية ، أرادت ان تقول للعالم ، ان للبنان وجه أصيل، يعبر عنه (غير) فساد الطبقة الحاكمة ، و(غير) ورثة الحكم من أمراء الحرب. انه وجه الابداع الادبي والفكري ، و”معلوف” ، أحد أبرز أمثلته.

وبالفعل ، فان الكتاب والمبدعين والمثقفين ، هم المعبرون الحقيقيون عن أوطانهم ، والابداع في كل بلد ، هو روحها الحضارية الحية ، وكم يحمل معلوف من أصالة ليروي -وهو صاحب كرسي الاكاديمية الفرنسية ، الذي لم يستطع “فولتير” ، ولا “هوغو” ، الحصول عليه- ان كل ماينتجه ، وستنتجه يديه ، اعطي له من أهله ، سواء أهله الحقيقيون (اجداده وآباؤه وأخوته) ، أو آباؤه المعنويون الذين تعلم من كتبهم وتواريخم وابداعهم …، وطعم الزعتر، الذي حمله معه ، كلما سافر، هو نكهة هذه الاصالة اللبنانية الحضارية ، التي جعلته يبني كل كتاباته ، بناء على فقرة ، تقول : (الانسانية بدأت حضارة واحدة ، وستنتهي كحضارة واحدة )، فكلنا أهل في العائلة الانسانية … وبربكم : كم من زعتر في هذه الفكرة العبقرية ؟!.

من المسائل التي تلفت النظر لمعنى الثقافة وتأثيرها ، ماقاله معلوف : ” كل ما اكتبه وانتجه، هو رسالة لبنانية للكون، وكأنما فيما اكتب ، اقدم رؤية لبنان الحضارية في الموضوعات التي اكتبها”. هل من استثمار للثقافة ، أكبر وأعظم من توصيل رسالة وطنها الحضارية ، حول كل الامور، وعن كل القضايا الانسانية للكون الانساني كله ؟!!.

تكريم (معلوف) ، وأمثاله لايكون بالاوسمة والمقاعد الاكاديمية “فقط” ، بل بالدرس والنقد والفهم العميق ، فهل ندرس مثقفينا ؟ هل نبحث في انتاجهم ؟ هل نقدم رؤى نقدية لابداعهم ؟ أم نريح أنفسنا بالاكتفاء بتمجيدهم ، وتقديس ما وصلوا اليه ؟!.

اعتقد جازما ، ان حرمان أي ابداع من الدرس والنقد ، هو بمثابة قتل له ، وقتل لامكانيات هذا الابداع ، التي لم تكشف بعد ، واسكات لطاقاته في اثارة الحوار من جديد ، ولا يهرب من النقد والدرس والنقاش، والابداع ، الا بليد ، أو كسول ، أو أحمق لا يعرف قدر الابداع، ولايحترمه.ولذلك ، فانني استذكر ماقاله معلوف (نفسه) في حديثه التلفزيوني (ذاته) عن البحث ، الذي يسبق الكتابة : (انني استمتع بالبحث كثيرا ، ويمكنني ان أقول ان البحث عندي كله متعة ، بينما الكتابة ليست كلها متعة “.

البحث ، تعني الدرس ، والفهم ، والنقد ، وهذه هي الروح الثقافية ، التي لا تحيا وتنتج ، الا بالحرية ، وبخلق بيئة تحترم  الحوار ، وتعدد الآراء ، والاجتهاد ، وكل ذلك ضروري جدا ، وأساسي جدا ، ان كنا نريد الاستثمار في الثقافة (الاستثمار الحقيقي).

معلوف كـ”أدونيس، نزار قباني ، عاصي الرحباني ، سعيد عقل ، ممدوح عدوان ، سعدالله ونوس ، حنا مينة ، جبران خليل جبران “، وغيرهم. مبدع ، متجذر بثقافته الحضارية ، ومعبر عن هذه الحضارة ، أفضل تعبير. وكلهم مثقفون عالميون لو فتشت في أغراضهم ، لوجدت “زعتر” أهلهم ، “حيا” في أزمانهم.