aren

أميركا في منعطف خطير.. التعددية الحقيقية أو الاندثار \\ كتابة : توماس فريدمان
الخميس - 11 - يونيو - 2020

 

 

20200530102551

هناك أكثر من منظور لتفسير ما يحدث في شوارع أميركا منذ مقتل (جورج) فلويد على يد الشرطة في مدينة مينيابوليس بولاية مينوسوتا، ولكن برأيي أن المنظور الأهم ، هو أن بلدنا يمر بعملية إعادة التفاوض بشأن شعاره التأسيسي،ختم الولايات المتحدة : «مجرد واحد من بين الجميع».

أود أن أقول ، إن هذا الشعار بدأ يتحوّل إلى «لا شيء من بين الجميع»، وأخشى أن يصبح «أنا وحدي من بين الجميع». لكنني متأكد من أنه إذا أردنا أن نزدهر في القرن الحادي والعشرين، فيجب أن يكون الشعار: «نحن من بين الجميع». أقول هذا لسببين:

أولاً، لقد ولدت وترعرعت في منطقة «نورثسايد» في مينيابوليس، وأعرف الجوانب الجيدة فيها، والجوانب القبيحة، وكلاهما برزا على المستوى الوطني أخيرا، ومثلّا صورة مصغرة للصراع الوطني الواسع حول ما يجب أن يكون عليه شعارنا اليوم بالضبط. ولدت عام 1953 في الجزء الذي ولد فيه والداي من المدينة، بعد أن هاجر والداهما من أوروبا الشرقية. كان هذا الحي في الأساس، عبارة عن «غيتو» لليهود والسود، الذين لم يندمجوا في المجتمع، وظلوا معزولين معا بجدران من العنصرية ومعاداة السامية. بعد الحرب العالمية الثانية، حدثت هجرة جماعية من أبناء الجالية اليهودية في الحي، إلى ضاحية سانت لويس بارك، التي كان سكانها بيضاً بنسبة %100، من المسيحيين والإسكندنافيين، فتحول سكانها بين عشية وضحاها إلى %80 من المسيحيين الإسكندنافيين البيض و%20 من اليهود.

وفي الوقت نفسه، فإن الأمريكيين من أصل أفريقي، الذين تأثروا بالعنصرية الهيكلية، بمدارسها السيئة والقيود على المناطق، والطرق السريعة والمصانع الملوثة، وكلها عززت الفقر عبر أجيال، لم يتمكنوا من الهروب من «نورثسايد»، الذي انفجر فيه أعمال الشغب في عام 1967. عندما تخرّجت في المدرسة الثانوية في سانت لويس بارك عام 1971، كان لدينا أمريكيان اثنان من أصل أفريقي في مدرستنا المكونة من نحو 2500 طالب.

كان لدي أيضا “عمة وعم”، انتقلا للعيش في بلدة “ويلمار” الصغيرة، غرب وسط مينيسوتا، وأسسا شركة فولاذ في عام 1949. وشكّلا، مع عائلتين يهوديتين أخريَين، شكلاً من أشكال «التنوّع» لسنوات في مدينة كلها من البيض. بعد المدرسة الثانوية، غادرت مينيسوتا لاستكشاف العالم. عدت بعد نحو 40 عاماً لتأليف كتاب (جزئيا عن مينيسوتا) في عام 2015، بعنوان: «شكراً لك على التأخير»، ووجدت أن العالم كان قد اكتشف سانت لويس بارك وويلمار. بحلول ذلك الوقت، أصبح طلبة مدرسة سانت لويس بارك الثانوية، بيضاً بنسبة %58، وسوداً بنسبة %27، ولاتينيين بنسبة %9، وآسيويين بنسبة %5، وسكان بلاد أصليين بنسبة %1.

انقسم الجسم الطلابي الأسود تقريبا بين الأمريكيين من أصل أفريقي والمهاجرين الجدد من الصومال. ولم يكن في مدرستي الثانوية طلبة مسلمون آنذاك، لكنها تضم الآن مسلمين أكثر من اليهود.

في أيار\ مايو 2019، زرت مدرسة ويلمر الثانوية ، بغرض كتابة مقالة حول تطورها منذ طفولتي ووجدت أن جسمها الطلابي يتألّف من شباب من قرابة 30 دولة عبر أميركا اللاتينية والشرق الأوسط وآسيا، وجرى بناء ما يقرب من نصف المدينة البالغ عدد سكانها 21 ألفاً، هم من اللاتينيين والصوماليين، وغيرهم من المهاجرين من شرق أفريقيا وآسيا. وكانت الحاجة أمّ الاندماج، بالنسبة الى هؤلاء الذين لم تكن لديهم الكثير من الأوهام. فقد كانت ويلمار، مثل الكثير من مدن مينيسوتا، بحاجة إلى العمال المهرة على جميع المستويات. وبهذه الطريقة بدأت تنهار الجدران أولاً. وتدرك مدن مينيسوتا التي لا يمكنها إدارة التنوع اليوم، أنها ستذبل. وهم يرون أماكن مثل ويلمار وسانت لويس بارك، التي لا تزال لديها الكثير من القضايا العرقية التي تجب إدارتها، تزدهر بعد أن أصبحت أكثر تنوعا.

وكما أشرت في كتابي «مينيسوتا الجميلة» ــــ شعار الولاية غير الرسمي ــــ غطى على الكثير من العنصرية الممنهجة ووحشية الشرطة على مر السنين، ولا يزال. فلم يكن قتل فلويد ، حدثا فريداً. لكن الصحيح أيضا أن الولاية فيها كثير من الناس ، يريدون تغيير هذا الواقع. لقد أظهر مقتل فلويد لهؤلاء الناس أن الإصلاح يحتاج أدوات جديدة تماماً.

وهذا يعيدني إلى شعارنا الوطني.كان من السهل القول «مجرد واحد من بين الجميع» عندما كان معظم «الجميع» من البيض ومن أوروبا، وعندما كانت الأقلية السوداء والبنية صغيرة، وحين لم تتم معاملتهم، من الناحية الرسمية ومن ثم بشكل غير رسمي، كأعضاء متساويين في المجتمع. ولكن كما تشهد سانت لويس بارك وويلمار، حتى ولاية مثل مينيسوتا أصبحت الآن أكثر تنوعاً. ومثل الولايات المتحدة عموماً، ستصبح مدنها الرئيسية «أقلية الأغلبية» على مدى العقدين المقبلين. لسوء الحظ، فإن هذا المستوى الجديد من التنوع، بدل أن يكون مصدراً للقوة، أصبح أخيراً سبباً للإصابة بالشلل.

بهذه الطريقة تحول شعارنا إلى «لا شيء من بين الجميع». لقد أنشأ المؤسسون الأوائل نظاماً لفصل السلطات، لكنهم افترضوا أن السياسيين سيصلون في النهاية إلى حل وسط، لإنجاز المهمة. لكن في الآونة الأخيرة، أصبح الاستقطاب ، قبلياً ، لدرجة أن الحلول الوسط باتت مستحيلة، وتجمد النظام في آلة الفيتو، كما أشار العالم السياسي فرانك فوكوياما. لذا، لا يمكننا اتخاذ القرارات الكبيرة والصعبة معاً بعد الآن.

ذهب فوكوياما في مناقشة حول المصالح الأمريكية إلى القول إنه «كما يشير الكثير من الناس، لم يكن الاستقطاب متماثلاً. كان هناك تحول واضح إلى اليسار من قبل الحزب الديموقراطي، ممثلاً ببيرني ساندرز، لكن الشيء الحقيقي الذي تغير هو تحول من قبل الحزب الجمهوري إلى موقف لم يكن مألوفاً تماماً لجمهوريي ريغان، حيث أصبحت الدولة نفسها، تُعتبر عدواً في نظر الكثيرين من جناح حزب الشاي.

ثم تم الاستيلاء عليها من قبل جناح ترامب الذي كان نوعاً من مجموعة قومية يمينية متطرفة. وأعتقد أن ذلك، أدى إلى الأزمة الراهنة التي نعيشها، حيث وصلت القرارات الأساسية إلى طريق مسدود بالفعل. وقد قاد هذا الشلل البعض إلى اليمين إلى التوق إلى الشعار الثالث «أنا من بين الجميع»، أو كما أعلن دونالد ترامب ذات مرة: «أنا الوحيد الذي يمكنه إصلاح الوضع». يعتقد ترامب أيضاً أنه يمكنه ببساطة أن يتجاوز حالة الشلل من خلال الاستيلاء على المزيد من السلطة التنفيذية، وينتهك الدستور، لكنه ليس وحده في هذا الرأي.إن قادة روسيا والصين وألمانيا وتركيا والبرازيل ، يشتركون جميعاً في هذا الاندفاع الاستبدادي.

الطريقة الوحيدة للمحافظة على أمريكا، هي إذا أصبح شعارنا «نحن من بين الجميع». لقد أصبح شعبنا الآن ، أكثر تنوعاً من أي وقت مضى. والتنوُّع، عندما نعطيه حقه، يصبح مصدراً هائلاً للمرونة والابتكار والإبداع والتجديد. لكن ولكي يصبح قوة لأمريكا، فإنه لم يعد من الممكن أن يعتمد على أغلبية بيضاء ، تتعلم «التسامح» تجاه غير البيض من أحفاد العبيد والمهاجرين.

التصويت الشعبي التسامح مهم بالتأكيد. لكن شعار «نحن من بين الجميع» يدعونا جميعا – من كل الألوان – إلى التزام أعمق بالتعددية: تقدير قوي للمساهمة المميزة لكل مجموعة عرقية والتزام يتجاوز الخطابة للتأكد من أن كلاً منها لديه المدارس والحكم والشرطة التي تمكنها من هذه الاسهامات. أعجبني قول كاي كولز جيمس، أول أمريكية من أصل أفريقي ، وأول امرأة ترأس مؤسسة التراث، وهي مؤسسة فكرية محافظة، في مقال حديث على موقع Foxnews.com: «حان الوقت لتحمل أميركا المسؤولية وتوسع الازدهار الإنساني لجميع مواطنيها، وليس فقط للأغلبية منهم».

من الواضح أن الخوف من العيش في أمريكا المتنوعة ، هو الذي حشد نواة قوية من البيض للالتزام بترامب بغض النظر عما يفعله، ولتشجيع الحزب الجمهوري على محاولة التمسك بالسلطة بأي طريقة ممكنة، من خلال التلاعب وقمع الناخبين والسيطرة على مجلس الشيوخ من خلال الولايات ذات الكثافة السكانية غير المتنوعة والمحاكم من أجل الاستمرار في الفوز بالكلية الانتخابية، مع خسارة التصويت الشعبي.

هذه ليست استراتيجية مستدامة لإدامة أمريكا. نحن بحاجة إلى حزب محافظ صحي، حزب يتبنى التنوع، لكنه يقدم مبادئ محافظة لكيفية الحصول على أقصى استفادة منه. فلا يمكن للحزب الجمهوري مواصلة محاولاته للفوز بالرئاسة من خلال المناورات ، بينما يخسر التصويت الشعبي بهامش كبير. إذا استمر ذلك، فإن أمريكا، هذه التجربة العظيمة، ستنفجر في النهاية. ثم يُكتب على شاهد قبرنا: «من بين الجميع، لم يبقَ سوى النُتَف والقطع والشظايا». لا يمكننا أن نسمح بحدوث ذلك.

“القبس”الكويتية