aren

أموال الملياردير أديلسون وأموال العرب \\ كتابة : محمد المنشاوي
الأربعاء - 5 - فبراير - 2020

شيلدون

فى القاعة الشرقية بالبيت الأبيض؛ حيث أعلن الرئيس دونالد ترامب قبل أيام صفقة القرن، جلس فى الصف الأول الملياردير شيلدون أديلسون بجوار زوجته ماريام.

والاثنان من بين أغنى الأزواج فى العالم بثروة تفوق الثلاثين مليار دولار جمعاها من امتلاكهما وإدارتهما لإمبراطورية من الكازينوهات وصالات القمار بمدينة لاس فيجاس بولاية نيفادا الأمريكية.

ويملك الزوجان أكبر صحف إسرائيل توزيعا هى «إسرائيل اليوم» وأهم صحيفة فى لاس فيجاس «لاس فيجاس ريفيو جورنال».

وللزوجين علاقات وطيدة برئيس الوزراء الإسرائيلى، بنيامين نتنياهو، وبالرئيس دونالد ترامب وعائلته، وفى نوفمبر 2018 قدم الرئيس ترامب للسيدة ماريام أديلسون أعلى وسام مدنى فى الولايات المتحدة «وسام الحرية الرئاسى» لأعمالها الخيرية ومشروعاتها المؤيدة لإسرائيل.

وعلى الرغم من اعتماد مليارات الزوجين على صالات القمار والكازينوهات فى «مدينة الخطيئة الأمريكية»، لا يتردد الزوجان فى استخدام أموالهما لدعم الجماعات والمرشحين والكنائس والمنظمات الدينية المؤيدة لإسرائيل، ويدرك الزوجان أن دعمهما المطلق لإسرائيل بما فيه ضرورة ضم وادى الأردن والمستوطنات، وقبل ذلك الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل، يعد عملا دينيا يكافئهم عليه الرب.

تبرع أديلسون بملايين الدولارات لحملة الرئيس دونالد ترامب الأولى، وينفق بلا توقف على دعم حملة إعادة انتخاب ترامب، ويدعم الزوجان أى مرشح للكونجرس من أى حزب طالما يُظهر ولاء للمواقف الإسرائيلية.

من ناحية أخرى، مثل دعم جهات توفر إطارا فكريا يغلف فكرة وأسس صفقة القرن على رأس أولويات أديلسون خلال السنوات القليلة الماضية، فالصفقة تحتاج إلى غطاء فكرى لتبريرها، وإلى مبرر مقنع لأنصارها، وإلى براجماتية تفرض على أعدائها، وطورت أموال الزوجين إطارا فكريا لصفقة القرن تبنته أكثر أجنحة تيار المسيحية الصهيونية تطرفا، ولا يتردد أنصار هذا التيار فى الإشادة بأفكارها ولا يملون من السعى إلى ترجمته وفرضه أمرا واقعا كما رأينا فى خطة صفقة القرن التى طرحها ترامب يوم الثلاثاء الماضى.

خطوط عريضة يجتمع حولها أنصار هذا التيار، المعروف بدعمه غير المحدود وغير المشروط لإسرائيل، فى وقت لا يكترث بأى من حقوق الفلسطينيين المنطقية والمشروعة، والمتفق عليها حتى بين أغلبية الإسرائيليين، ولفهم رؤية هذا التيار المهم الذى يتبع الغالبية العظمى من أنصاره (هناك من يقدرهم بأكثر من 50 مليون أمريكى) العقيدة البروتستانتية يجب فهم تأثر البروتستانتية باليهودية، وكيف نتج عن هذا التأثر تعايش يشبه التحالف المقدس بين البروتستانتية واليهودية بصورة عامة، وأوجدت علاقة أكثر خصوصية بين الصهيونية اليهودية والبروتستانتية الأصولية. وتتميز حركة المسيحية الصهيونية بسيطرة الاتجاه الأصولى عليها (من أهم سياسييها حاليا نائب الرئيس مايك بنس) وتؤمن «بضرورة عودة الشعب اليهودى إلى أرضه الموعودة فى فلسطين، كل فلسطين، وإقامة كيان يهودى فيها يمهد للعودة الثانية للمسيح وتأسيسه لمملكة الألف عام»، وتأثرت المسيحية الصهيونية بثلاث حركات، تجمع بينها خلفية التفسير الدينى المعتمد على النصوص التوراتية، وعلى الرغم من تباين هذه التوجهات وتناقض بعضها مع بعض أحيانا، فإن التفسير الحرفى للتوراة والإيمان بضرورة مساعدة إسرائيل جمع بينها.

ويؤمن هذا التيار أن عملية سلام الشرق الأوسط المستمرة منذ أكثر من أربعة عقود استمرت طوال هذه الفترة دون تحقيق تقدم، ويعتقد أنصار هذا التيار أن «المبادئ البالية القديمة، مثل الأرض مقابل السلام، أو حل الدولتين (فلسطينية بجوار دولة إسرائيلية)، أو أن القدس الشرقية عاصمة لفلسطين، أصبحت أوهاما يجب معها التمتع بالشجاعة لعدم الحديث عنها بعد الآن«. ويدعو تيار المسيحية الصهيونية إلى التفكير الجديد لحل الصراع، بعيدا عن أوهام الماضى، ليمكن التفاعل بمنطلقاتٍ جديدةٍ وحسم الصراع وحله.

وينطلق منطق حسم الصراع عند هذا التيار من رؤيةٍ تاريخية لصراعات القرن العشرين، وهى صراعات تم حسمها بانتصاراتٍ واضحة وصريحةٍ، وباعتراف كل أطرافها ونجاحها فى إنجاز سلام بعد ذلك. ويستشهدون هنا بحالة الهزيمة الكاملة لألمانيا واليابان فى الحرب العالمية الثانية، والتى نعمت فيها الدولتان بالسلام الكامل لاحقا، بعدما اعترفت أولا بالهزيمة الكاملة، واستسلمت للمنتصرين. ويستشهدون كذلك بحالة الحرب الأمريكية فى فيتنام، حيث تم هزيمة أمريكا وحلفائها الجنوبيين، وتحقيق انتصار ساحق لفيتنام الشمالية، وتوحيدها فيتنام، وهزيمتها الخطط الأمريكية، وهو ما سمح بعد ذلك بوجود سلام وعلاقات ممتازة بين واشنطن وفيتنام.

أما الصراعات والحروب التى لم تُحسم بهزيمة واضحة، واعتراف كامل بالهزيمة، لم يتحقق السلام فيها ولا بعدها، فيستشهدون للتدليل عليها بحالة الحرب الكورية من 1950 إلى 1953، وانتهت بهدنة فقط، على الرغم من سقوط ملايين الضحايا بين الأطراف المتحاربة، وهو ما ترك النزاع مستمرا. وبالمنطق نفسه، يرى مفكرو المسيحية الصهيونية أن عدم حسم إسرائيل انتصاراتها العسكرية وعدم دفعها الفلسطينيين والعرب إلى الاعتراف الكامل وغير المشروط بالهزيمة هو ما يجعل الصراع مستمرا بلا نهاية.

ويؤمن هذا التيار بأنه لا يجب الانتظار لحل قضية الصراع الفلسطينى الإسرائيلى كى تحل بقية قضايا الشرق الأوسط وصراعاته، ويعتقدون أن أصل الصراع وقلب المشكلة هو عدم الاعتراف الفلسطينى بإسرائيل دولة يهودية مستقلة، يؤمنون أنه لم تعد هناك أى إمكانية لقيام دولة فلسطينية، بعدما خسر الفلسطينيون فرصة تاريخية منحت لهم بين عامى 2000 ــ 2008، يدعون الفلسطينيين إلى إدراك أن قادتهم والقادة العرب هزموهم، وضيعوا فرصا حقيقية للسلام. يريدونهم أن يقروا بانتصار المشروع الإسرائيلى، وهزيمة المشروع الفلسطينى العربى، وبأن لا مكان لهم فى الضفة الغربية، وأن بديل دولة مستقلة يتبخر سريعا.

وعلى الرغم من وجود العديد من مليارديرات العرب ممن تفوق ثروتهم ثروة أديلسون، لا يستثمر أحد منهم فى دعم حقوق الفلسطينيين، أو الاستثمار فى محاولة تغيير الرأى العام الأمريكى أو دعم المرشحين المؤيدين للحقوق الفلسطينية. بل على العكس يستثمر هؤلاء فى أجندات ضيقة، لكنها فى أغلب الوقت تضر بالمصالح والصورة العربية. لم يترك أغنياء العرب الفلسطينيين غنيمة لإسرائيل وداعميها فقط، بل يتم استغلال رأس المال العربى والحكام العرب للضغط على الفلسطينيين للقبول بواقع جديد.

“الشروق”المصرية