aren

أمريكا والصين … السلام البارد إجباري \\ كتابة : فريد زكريا
الأحد - 8 - أغسطس - 2021

تصاعدت التوترات مؤخرًا بين الولايات المتحدة والصين بشكل كبير، حيث تظل التعريفات الجمركية التى فرضها (الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب) ثابتة في مكانها، كما تبحث واشنطن عن طرق للحد من انتشار شركات التكنولوجيا الصينية من خلال تمويل الشركات الأمريكية، فيما تحاول الصين الحد من ضعفها أمام نفوذ الولايات المتحدة، وفى ظل هذه الأجواء، قد يتخيل المرء أن التجارة بين البلدين قد تراجعت، ولكنها في الواقع قد وصلت مؤخرًا إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق.

ودعونى أرحب بكم فى العالم الجديد الغريب الذى نعيش فيه، ففى حين أن الصين والولايات المتحدة قد أصبحتا أكثر خصومة تجاه بعضهما البعض من جميع النواحى، إلا أن كلًا منهما تشكل جزءًا من اقتصاد عالمى شديد الترابط وله ديناميكية خاصة به، فعلى الرغم من تصاعد التوترات بينهما فإن التجارة كذلك تتنامى بينهما، والأمر ليس متعلقًا بالولايات المتحدة فقط، إذ شهدت الصين وأستراليا خلافات وهجمات وهجمات مضادة شديدة، ومع ذلك، فقد بلغت مشتريات بكين من السلع الأسترالية مؤخرًا مستوى قياسيًا.

وهذا هو السبب فى أن مقارنة الوضع الحالى بين البلدين بالحرب الباردة لا تعكس فى الواقع الطبيعة غير العادية لمنافسة القوى العظمى الموجودة اليوم بينهما، فخلال الحرب الباردة، كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتى يتبادلان بضائع تبلغ قيمتها بضعة مليارات من الدولارات كل عام فى أحسن الأحوال، ولكن اليوم يبلغ حجم التجارة بين الولايات المتحدة والصين نفس القدر ولكن فى غضون أيام فقط.

كما أن الاتحاد السوفييتي كان بالكاد موجودًا على الخريطة الاقتصادية للعالم الحر، وكان اقتصاده فى الغالب يدور حول الموارد، مثل النفط والغاز والنيكل والنحاس، ولكن الصين، على النقيض من ذلك، منخرطة بعمق في الاقتصاد العالمي، فهي تُعد الآن دولة تجارية رائدة في مجال السلع في العالم، وقبل عشرين عامًا، كانت الغالبية العظمى من الدول تتاجر بالسلع مع الولايات المتحدة أكثر من بكين، ولكن الوضع اليوم بات مختلفًا، ففى العام الماضى، حلت الصين محل الولايات المتحدة كأكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي في السلع.

وتحتاج الصين إلى المستهلكين الأمريكيين من أجل نموها الاقتصادى، ولكن على العكس من ذلك، فإن العديد من كبرى الشركات فى الولايات المتحدة، من «جنرال موتورز» إلى «آبل»، بحاجة إلى السوق الصينية، وحتى عندما ننظر إلى الاقتصاد الأخضر الآخذ فى الاتساع الآن فى الولايات المتحدة، فإننا سنجد أن الصين تقف وراءه أيضًا، حيث أصبحت الألواح الشمسية ميسورة التكلفة، وبالتالي منتشرة في كل مكان لأن العديد منها مصنوع فى الصين، كما أن هناك ما يقرب من تريليون دولار من الديون الأمريكية التى تحتفظ بها بكين.

وستحتاج الولايات المتحدة إلى استراتيجية تعكس مدى تعقيد هذه العلاقة، وهي الاستراتيجية التي تكون فيها الصين منافسًا، وزبونًا، وكذلك خصمًا، وقد قامت إدارة (الرئيس الأمريكى جو بايدن) بتنفيذ بعض هذه الاستراتيجية بشكل جيد للغاية، حيث جمعت حلفاء أمريكا معًا فى جبهة أكثر اتحادًا ضد الصين، مثل التحالف ضد انتهاكاتها لحقوق الإنسان، ولكن «بايدن» يواجه أيضًا حقيقة أن حلفاء الولايات المتحدة لديهم علاقات اقتصادية وثيقة مع بكين، كما يريد هؤلاء الحلفاء أن تكون لهم علاقات تجارية قوية معها وكذلك علاقات جيوسياسية قوية مع الولايات المتحدة، وقد يؤدي إجبارهم على الاختيار بينهما إلى خلق مشاكل جديدة.

وصحيح أن الصين دولة قوية لكنها لا تسيطر على العالم، وقد تواجه تحديات كبيرة في المستقبل، كما أنها تشيب بشكل سريع بسبب إرث سياسة الطفل الواحد، وقد تسببت السياسة الخارجية الجديدة الحازمة لبكين فى رد فعل عنيف من قِبَل أكبر جيرانها، من الهند إلى أستراليا إلى اليابان.

فهل يمكن لواشنطن أن تتقبل تعقيد هذا التحدي؟ إذ إنها تواجه قوة اقتصادية لا تعتمد على الولايات المتحدة فى أمنها، على عكس ألمانيا واليابان، ولكنها تواجه قوة عظمى جديدة ليست ديمقراطية ولها قيم ومعتقدات مختلفة، ومع ذلك فإنها لم تحتل البلدان أو تسيطر عليها كما فعلت روسيا ستالين خلال الأربعينيات (وهو ما أشعل فتيل الحرب الباردة).

وهذا كله يحدث في عالم انتعشت فيه التجارة الدولية ووصلت إلى مستويات ما قبل الجائحة، فهى ليست حربًا باردة جديدة ولكنها شيء أكثر تعقيدًا، إنه «سلام بارد».

“المصري اليوم”