aren

أمريكا بين سياستين : “ارهابي يستفاد منه” و”بعثي يجب اجتثاثه “\\ بقلم : د. فؤاد شربجي
الخميس - 30 - سبتمبر - 2021

كمايراجع مثقفو امريكا ، السياسات التي اتبعتها الادارات المتعاقبة ، في العشرين سنة الماضية ، كاستجابة لهجمات (11 ) أيلول. علينا كعرب ومسلمين ، مراجعة هذه السياسات لاتها استهدفتنا واستهدفت منطقتنا ، واستهدفت حاضرنا ومستقبلنا . واذا كان من أهم نتائج هذه السياسات ، غزو “أفغانستان والعراق”، فانها تضمنت ابتزاز السعودية والخليج، واستثمرت في تهديد “مصر وسورية” مع ملاحظة تعاونها (أمريكا) مع “باكستان وايران” في اطار هذه السياسات.

ودون أن نكون من المغرومين باسلوب (صدام حسين) بالحكم ، نسأل : لماذا لجأ الاحتلال الامريكي الى سياسة اجتثاث البعث في العراق في حين اكتفى بطرد طالبان من الحكم ، وعدم اجتثاثها بما تضمن (الاحتفاظ) بها – كما تبين لاحقا-

سياسة الاجتثاث، التي تعني (قلع الجذور) ، بماينفي امكانية الحياة أواستئنافها ، بينما سياسة طرد طالبان من الحكم وتحركها في ملاذاتها الجبيلة، أو على الحدود الأفغانية – الباكستانية ، فهذا يعني أن أمريكا أبعدتها مع توفير امكانية استئناف نشاطها ، وهذا نوع من الاحتفاظ لحين الحاجة ، الامر الذي أثبتته عملية اعادة طالبان الى الحكم.

وحول سؤالنا لماذا اعتمدت أمريكا ، سياسة الاجتثاث مع البعث في (العراق)، بينما اعتمدت سياسة الاحتفاظ مع (طالبان)؟

فان الوقائع التي جرت ، تحمل مؤشر الاجابة على هذا السؤال، حيث أن “البعث” كـ(حركة قومية عربية مدنية)، مهما أسيء الى معناه من حكام أمثال (صدام) حسين ، ومهما استخدم في تبرير قمع صدام ، الا انه يحمل بذور وجذور أيديولوجيا مدنية ، ان لم نقل علمانية ، وقومية عربية ، واسلامية متنورة . هذه الجذور، يمكنها أن اصلحت تربتها ، وطهرت من آفات الاستبداد والقمع الصدامي ، أن تعود الى اصلها التحرري القومي العربي، الساعي الى تقدم ، وارتقاء العرب.

كما يمكنها ، ان تشكل احدى أيديولوجيا النهوض العربي ، ويبدو أن هذه الامكانية ، هي مادفعت (واشنطن) الى اللجوء لمحاولة قلع الجذور ، للتخلص حتى من الامكانية ، كما دفعها الى تكريس الطائفية بالحكم في محاولة لقتل عناصر الحياة في التربة العراقية ، لاي مشروع سياسي مدني حديث يحترم التنوع المتفاعل ، “بديلا” عن التنوع المتصارع المتقاتل في اطار عروبة حضارية ، لاعرقية ، يتشارك ضمنها العرب والاكراد والايزيديين … والخ … في اطار دولة حديثة مستدامة التقدم والازدهار ، كجزء من التفاعل مع باقي الامة العربية.

من جهة أخرى ، فان وقائع العشرين سنة الماضية ، تفيد بأن “طالبان” كبيئة راعية لـ(لقاعدة وداعش) ، وكمعبر عن تشدد ديني متطرف ، وكحكم مرعب قاس وقامع للمختلف معه . طالبان بهذه الصفات ، ولهذه الاسباب ، وجدت فيها السياسة الامريكية ، (ارهاب يستفاد منه)، وكما استفادت واشنطن من الارهاب في عدد من بقاع الارض وبلادها ، يمكنها الاستفادة منه مجددا ومستقبلا في اخضاع ، أو تدمير ، أو تقسيم بلاد أخرى . هذا ماجعل الاحتفاظ بـ(طالبان)، سياسة امريكية ، تجسد مبدأ (ارهاب يستفاد منه).

أيضا ، يبدو أن السياسة الامريكية ، التي استخدمت باسم “محاربة الارهاب” ، ردا على هجمات 11 أيلول ، كانت في جوهرها ، محاولة لاجتثاث أية ايديولوجيا نهضوية حديثة ، تسعى وتهدف الى بناء دولة حديثة ، كما كانت هذه السياسة الامريكية ، تكرس مبدأ الاحتفاظ بالقوى المدمرة لأي نهوض ، والمبعثرة لأي امكانية تقدم ، والقاتلة لأي تنوير فكري . وهل من قوى تستطيع فعل كل ذلك ، أكثر من الارهاب التكفيري !

الوقائع التي جرت في 20 سنة الفائتة ، تدفع الى استنتاج ، بان الاستراتيجية الامريكية، التي اتبعت قامت على مبدأين متلازمين (اجتثاث امكانية التقدم) للشعوب المستهدفة ، والاحتفاظ بالارهاب لاستعماله وقت الحاجة وفي الجهة المستهدفة بمايحقق مبدأ (ارهاب يستفاد منه).

ومازال السؤال ، مطروحا بقوة ، لانه حكم عشرين عاما من تاريخ منطقتنا ، ويسعى ليحكم بالسنين القادمة ؟!!