aren

أكراد سوريا.. مأزق ما بعد «داعش» \\ كتابة : د. محمد عباس ناجي
الخميس - 28 - فبراير - 2019

 

يمكن القول إن الانتصار على تنظيم «داعش» الذي تحاصره حالياً ميليشيا قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في آخر جيب له في بلدة الباغوز بشمال شرق سوريا، يمثل سلاحاً ذا حدين بالنسبة لأكراد سوريا.

كيف يكون الانتصار سيفاً ذا حدين؟ إنه من ناحية يضفي أهمية وزخماً خاصاً على الدور الذي قام به الأكراد في هذا الانتصار، على مدى الأعوام الخمسة الماضية منذ إعلان سيطرة التنظيم على بعض المناطق الرئيسية في العراق وسوريا. لكنه من ناحية أخرى يثير مخاوف كردية لا يمكن تجاهلها بشأن مرحلة ما بعد هذا الانتصار، أو بمعنى أدق بشأن المكاسب الاستراتيجية التي يحاول الأكراد الحصول عليها بمقتضى هذا الدور الذي قاموا به بدعم من جانب الولايات المتحدة الأمريكية.

وبعبارة أخرى، فإن القضاء على «داعش» ربما يدشن مرحلة جديدة بمعطيات مختلفة قد لا تتوافق بالضرورة مع رؤية الأكراد لمستقبلهم السياسي في هذه المرحلة، خاصة في ظل التحولات الملحوظة في مواقف القوى الدولية والإقليمية المعنية بتطورات الصراع في سوريا، والتي لا توفر هامشاً واسعاً من المناورة أمامهم.

إذ رفض النظام السوري منح أي حكم ذاتي للأكراد في المناطق التي يسيطرون عليها، والتي تمثل نحو ثُلث مساحة الأراضي السورية، حسب تصريحات المستشارة الإعلامية للرئيس السوري بثينة شعبان، في 19 فبراير الجاري، التي اعتبرت فيها أن ذلك يمكن أن يؤدي إلى تفتيت وحدة الأراضي السورية.

كما لم تتضح بعد ملامح السياسة الأمريكية إزاء الترتيبات السياسية والأمنية التي يمكن أن يجري العمل على صياغتها في شمال سوريا خلال المرحلة القادمة. ورغم ترحيب الأكراد بقرار واشنطن الإبقاء على «قوة حفظ سلام» أمريكية قوامها 200 جندي في سوريا، إلا أن ذلك لم يقلص مخاوفهم من التداعيات التي يمكن أن يفرضها استكمال الانسحاب الأمريكي في غضون شهر إبريل القادم. إذ إن ذلك قد يفتح الباب أمام استحقاقات سياسية خطيرة، على غرار قيام تركيا بشن عملية عسكرية ضدهم في المناطق القريبة من حدودها، أو الإصرار على إدارة «المنطقة الآمنة» التي تحولت إلى محور رئيسي للتفاهمات التي تجري سواء بين الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا، أو بين الأخيرة وكل من روسيا وإيران.

ومع أن احتمالات شن هذه العملية العسكرية ليست قوية بعد، خاصة مع عدم تبلور تلك التفاهمات في شكل خطوات إجرائية على الأرض، لاسيما أنها تفرض معطيات متناقضة، بسبب تباين السياسات بين واشنطن من جهة وكل من موسكو وطهران من جهة أخرى، إلا أن ذلك لا ينفي أن هذا الانسحاب قد يُعرِّض الأكراد للانكشاف السياسي وربما يضطرهم إلى تبني خيارات أخرى ذات تكلفة عالية.

من هنا، بدأ الأكراد في التحرك سريعاً لتفادي المأزق الذي يمكن أن يتعرضوا له في مرحلة ما بعد إعلان الانتصار على «داعش». وكان طبيعياً أن تبدأ تلك التحركات من العواصم الغربية الرئيسية، على غرار واشنطن وباريس ولندن، حيث قامت رئيسة الهيئة التنفيذية في مجلس سوريا الديمقراطية إلهام أحمد بجولة في العواصم الثلاث.

واللافت في هذا السياق، أن الأكراد تعمدوا تأكيد أن الانتصار على «داعش» لا يعني أن الحرب انتهت ضده، خاصة مع وجود «خلايا نائمة» تابعة له ما زالت لديها القدرة على تنفيذ عمليات إرهابية لرفع تكلفة هذا الانتصار. بل إنهم تعمدوا توجيه تحذيرات متواصلة بشأن احتمال عودة «داعش» إلى الظهور من جديد في المناطق التي سبق أن خرج منها.

ومن دون شك، فإن الأكراد يسعون من خلال ذلك إلى تحقيق هدفين: أولهما، الحفاظ على الدعم العسكري واللوجستي الذي تقدمه بعض الدول الغربية، لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية. وثانيهما، محاولة إقناع الأخيرة بعدم اتخاذ خطوة مشابهة للقرار الأمريكي بالانسحاب العسكري من سوريا.

وقد يستغل الأكراد الخطوة الأمريكية الأخيرة بالإبقاء على 200 جندي لتعزيز جهودهم في هذا الصدد، باعتبار أن تلك القوات، رغم محدوديتها، سوف تقلص من احتمالات قيام تركيا بشن عملية عسكرية طالما هددت بها خلال المرحلة الماضية، خاصة أن ذلك سوف يتوازى مع تعزيز الوجود الأمريكي بالقرب من الحدود السورية-العراقية، لمراقبة الوضع الميداني داخل سوريا.

لكن لا يبدو أن جهودهم في هذا الصدد سوف تحقق نتائج بارزة. إذ إن الدول الأوروبية لا تتجاوب بشكل بارز مع المطالب الخاصة بالإبقاء على قواتها في سوريا بعد الانسحاب الأمريكي، سواء كانت هذه المطالب أمريكية أم كردية، حيث سعت واشنطن بدورها إلى التدخل لدى حلفائها لإقناعهم بعدم اتخاذ خطوة في هذا السياق، إلا أنها لم تتمكن على ما يبدو من تحقيق ذلك، في ظل مخاوف أوروبية واضحة بشأن الأعباء التي يمكن أن يفرضها الانسحاب الأمريكي على وضع قواتها في سوريا.

وهنا، فإن الأكراد قد يتجهون في هذه اللحظة إلى اختبار بديل آخر، هو توسيع نطاق التفاهمات القائمة حالياً مع روسيا والنظام السوري. وقد بدا لافتاً أن موسكو حاولت استمالتهم خلال الفترة الأخيرة، عبر طرح مبادرة جديدة بنشر شرطة عسكرية روسية في بعض المناطق التي يسيطرون عليها، على غرار ما قامت به في المناطق التي شملتها اتفاقات خفض التصعيد.

لكن هذه التفاهمات تواجه عقبات عديدة، أهمها العواقب التي يمكن أن يفرضها ذلك، خاصة على صعيد توقف الدعم الغربي، وإصرار دمشق على عدم تقديم تنازلات، بشكل بدا واضحاً في التصريحات الأخيرة لبثينة شعبان، فضلاً عن حرص روسيا على استمرار قنوات التواصل مع تركيا في إطار «مسار سوتشي»، الذي قد يدفعها إلى محاولة استغلال الورقة الكردية لتعزيز قدرتها على فرض ترتيبات سياسية وأمنية محددة في المرحلة القادمة. وقد بدأت مؤشرات ذلك في الظهور فعلاً، على غرار محاولاتها إقناع تركيا بتفعيل اتفاق أضنة الذي وقعته مع سوريا في عام 1998، والذي تسعى من خلاله إلى إعادة تطبيع العلاقات بين أنقرة ودمشق وتعزيز سيطرة الأخيرة على معظم الأراضي السورية مجدداً.

ورغم أن تركيا لم تتجاوب مع ذلك بشكل واضح، على الأقل حتى الآن، رغم تلميحاتها بشأن الانفتاح على دمشق، إلا أن ذلك لم يقلص من مخاوف الأكراد من احتمال تحول مناطقهم إلى محور لصفقة جديدة بين خصوم الأمس.

وعلى ضوء ذلك، لا يبدو أن أكراد سوريا يملكون مروحة خيارات متعددة، في ظل السيولة الملحوظة في مواقف القوى المعنية بتطورات الصراع في سوريا، وهو الوضع الذي يبدو أنه سيستمر خلال المرحلة القادمة، بما يعني أن مستقبلهم السياسي أصبح رهناً بمصالح وحسابات أطراف أخرى في الداخل والخارج.

“الخليج”