aren

“أسامة الباز” حجر الأساس فى نظام مبارك …وعندما اقتلعوه سقط النظام \\ كتب : محسن عبد العزيز
الجمعة - 20 - أبريل - 2018

صورة تجمع الرئيس المصري الراحل أنور السادات ، والرئيس المصري السابق حسني مبارك ، ويظهر الى جانب السادات ، المستشار ” أسامة الباز ” .

 

عقل مصر السياسي زمن ” السادات ” و” مبارك”

بطرس غالي : «الباز تحول إلى بطل عصابتنا فى كامب ديفيد»

من أي طينة جاء هذا الرجل القصير المكير ، ليدخل إلى قلب السياسة المصرية دخول الصقر، ويراوغ الإسرائيليين مراوغة الثعلب فى كامب ديفيد ، وبعدها ليتربع على قلب السادات ، فيمنحه وسام الجمهورية من الطبقة الأولى ؟

من أي طينة جاء هذا الرجل الحكيم ، ليرمي بكل مظاهر السلطة جانبا ، فلا حراسة ولا سيارة خاصة ، وإنما رجل بسيط ، يمشي فى الشارع بحرية ، دون أن يخاف من أحد ؟

من أي طينة جاء هذا الرجل ، ليصبح العقل السياسي لمصر ، فيحبه المصريون ، ويطمئنون أن الوطن بخير ، كلما شاهدوه ، أو تحدثوا معه ؟

……………………………

كيف استطاع أسامة الباز ، المستشار السياسي للرئيس الأسبق حسني مبارك ، أن يكون صوت الناس البسطاء ، وأسئلة المثقفين ، ورأي المعارضة فى قصر الرئاسة ؟

رأيته راكبا المترو مرات عددة ، مرة حوله الناس يناقشونه ، أو يسألونه في شىء ، ومرات واقفا وحده، وكنت أقترب أتأمله محترما صحته ، ومانعا فضولي من اقتحامه.

أسامة الباز ، كان المسؤول الوحيد ، الذي يمكن أن تراه فى أي مكان يركب المترو ، ويزور المعارض الفنية ، ويتحدث فى الندوات ، وتربطه علاقات وثيقة بالمثقفين والصحفيين والكتاب ، والفنانين.

في إحدى ندواته بمعرض الكتاب في القاعة ، التي كانت تمتلىء بآلاف الحاضرين والأسئلة ساخنة عن التوريث ، وعدم تعيين نائب للرئيس مبارك ، وعن أمريكا وإسرائيل وإيران الخ ..

استمع (الباز) لسيل الأسئلة الساخنة ، ثم قام وخلع الجاكيت والساعة ، وشمر القميص عن ساعديه ، وقال ضاحكا : ” إنه يفعل هذا حتى يستطيع أن يجيب عن كل هذه الأسئلة ” ، وضجت القاعة بالضحك.

وفور أن راح يتحدث ، ران الصمت على القاعة الكبيرة ، والباز يجيب بطلاقته المعهودة عن أصعب الأسئلة ، بأبسط العبارات ، دون أن يجرح أحدا..

ندواته ، كانت محاضرة فى السياسة الدولية ، كان يلقى خلالها دائما الضوء على الصين الصاعدة ، لمواجهة أمريكا ، وينفى التوريث ، وأن مصر ليست دولة صغيرة ، ليحدث بها ذلك.

من أين جاء هذا الرجل ؟

تقول الحكاية : إنه ولد بقرية (طوخ الأقلام ) في السنبلاوين بالدقهلية ، وإن والدته ابنة العمدة ، كانت تشفق عليه أكثر من إخوته ، لأنه كان نحيفا ضعيف البنيان ، ولعل هذا الضعف ، وتلك النحافة ، أورثاه الذكاء والحيلة فى التعامل مع المحيطين ، بينما ورث الفصاحة واللباقة عن والده الشيخ سعد الباز ، أحد رجال الأزهر.

عندما التحق بكلية الحقوق ، أصرت الأم ــ كما يقول شقيق العالم الشهير فاروق الباز ــ على الانتقال للقاهرة ، لأنها لم تتخيل أن يعيش بمفرده ، بعيدا عنها.

بعد تخرجه ، عمل أسامة الباز ، وكيلا للنيابة ، لكنه لم يستمر طويلا ، وسافر إلى أمريكا ، للحصول على ماجستير القانون من جامعة هارفارد ، ثم التحق بالعمل فى وزارة الخارجية ، وأصبح مديرا لمكتب إسماعيل فهمى وزير الخارجية.

وعندما استقال فهمى ، وتبعه محمد إبراهيم كامل وزير الخارجية التالي ، لم يبق مع السادات ، غير  “أسامة الباز”.

ولفت هذا الوضع الغريب ، نظر الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر ، فكتب يتحدث عن المفارقة بين الوفدين المصري والإسرائيلي ، بين فريق إسرائيلي كامل ، ورئيس مصري وحيد (معه) خبير سياسي وقانوني بعد استقالة وزيري الخارجية.

المفارقة ، أن أسامة الباز ، الذي و لد 1931 ، وتخرج في كلية الحقوق عام 1952 ، عندما سمع من إسماعيل فهمي ، عن نية السادات السفر إلى القدس ، غضب غضبا شديدا ، وقال: ” هذا جنون لاشك أن الرجل غير متزن.. ولابد من منع ذهابه إلى القدس ، حتى ولو استعملنا القوة ” ، بينما كان رد فعل محمد البرادعي المستشار القانوني لوزارة الخارجية ، كما يردد إسماعيل فهمي فى مذكراته «التفاوض من أجل السلام فى الشرق الأوسط» ، هو الاعتراض ، ولكنه لم يعبر عن رأيه ، بنفس العنف .

ثم وجه الدكتور البرادعي سؤالا إلى أسامة الباز ، قائلا: ماذا تفعل لو أصر السادات على رأيه ؟ هل تذهب معه ؟! ، أجابه الباز : ” لن أذهب للقدس الا جثة هامدة”.

الباز-2

ومواقف الباز الحماسية هذه ، لم تنفذ على أرض الواقع ، لأنه رافق السادات خلال زيارته للقدس ، وكتب له الجزء القانوني الخاص بالقضية الفلسطينية في الخطاب الذي ألقاه السادات فى الكنيست عام 1977 ، بينما تولى موسى صبري ، وأنيس منصور ، كتابة الجزء الإنساني.

يسهل تفسير موقف أسامة الباز المتناقض ، فهو شاب ومن الطبيعي أن يكون موقفه الوطني ، معارضا لزيارة السادات للقدس ، لكن لم يكن بمقدوره أن يستقيل مثلا ، ويتحدى رئيس الجمهورية ، ناهيك على أن رفض المكانة المرموقة في قمة السلطة ، ليس من الكياسة ، لشاب يخطو أولى خطواته في دهاليز السياسة العميقة.

بعيدا عن أي تفسير ، أو تبرير ، فإن وجود شخصيات تملك القدرة على النقاش والجدل مع رأس النظام ن هو مكسب للحقيقة وللوطن ، بدلا من ترك الساحة بكاملها ، لمن يوافقون الرئيس في كل شىء.

الرئيس في النهاية بشر، تغيب عنه أشياء ، ويحتاج دائما لمن يكون عينه على الحقيقة ، وبالفعل كانت بصمات أسامة الباز واضحة خلال المفاوضات الشاقة مع الإسرائيليين.

وخلال الاجتماع الذي عقد فى فندق مينا هاوس ، في ديسمبر 1977 ، عقب زيارة السادات للقدس ، الذي رفض حضور ممثلي سوريا والأردن ولبنان وفلسطين ، في هذا المؤتمر ، كان بطرس غالي هو القائم بأعمال وزير الخارجية بعد استقالة إسماعيل فهمي وبعده محمد رياض.

خلال هذا المؤتمر ، تحدث رئيس الوفد الإسرائيلي إلياهو بن (اليسار) ، عن رغبة إسرائيل فى السلام ، وأفرد خريطة للعالم ، وقال: ان من ينظر إلى هذه الخريطة وما تبعها من خرائط ، يجد أن الدول شهدت على مر السنين تغيرات كثيرة فى حدودها.

فحدود الدول ليست من الثوابت ، ولهذا لم تعد هناك دولة لم تضم أو تخصم منها مساحة من الأرض ، وقبل أن يرد الدكتور عصمت عبدالمجيد رئيس الوفد المصري ، اقتحم الدكتور أسامة الباز الميكروفون ، طبقا لتعبير كاتبنا الكبير صلاح منتصر، وقال:

” إن الذي فات المندوب الإسرائيلي أنه إذا راجع تاريخ الدول على مر السنين فسيجد أنه رغم صحة مقولة تغير خرائط الدول على مر السنين إلا أن الذي لا يعرفه أن هناك دولتين فى العالم لم تتغير حدودهما منذ بداية التاريخ وهما مصر والصين.

وقال: ” ارجو ان ترجعوا إلى خريطة مصر أيام مينا إلى الآن. وسوف تجدونها نفس خرائط اليوم بدون أي تغيير. وإذا كانت مصر قد حافظت على حدودها خلال آلاف السنين ولم تفرط في أي جزء منها بغض النظر عن الأحداث والظروف فلن تأتي اليوم أو غدا لتفعل ما لم يفعله الأجداد وأجداد الأجداد”.

وهنا طوى ممثل الوفد الإسرائيلى خريطته.

كان أسامة الباز ، أبرز اللاعبين فى كامب ديفيد بعد السادات ، بالطبع فمحمد إبراهيم كامل وزير الخارجية ، كان قلقا متوترا طيلة الوقت ، بينما أسامة الباز يشع بالذكاء والطاقة ، كما ذكر بطرس غالي فى كتابه «طريق مصر للقدس».

فى هذه المفاوضات ، لم يكن الوفد المصري موحدا لا فى الشخصيات ولا المواقف، يرجع ذلك إلى أسلوب السادات ، الذي أربك الجميع ، فلم يكن يبلغ أعضاء الوفد بلقاءاته مع كارتر أو بيغين.

ومن الطبيعي أن يكون الوفد المصري فى حالة ارتباك ، فوزير الخارجية غاضب دائما وبطرس غالي وزير الدولة يتحسس الوضع وحسن التهامي مستشار السادات يبدو حالما.

وعصابة وزارة الخارجية (التعبير لبطرس غالي) أسامة الباز ونبيل العربى وعبدالرؤوف الريدي ، لا تعرف أين تقف بين الرئيس المتساهل ووزير الخارجية الغاضب ، حتى أحس وزير الخارجية أنه فقد السيطرة على وفده ، وأصبح يشعر بالخزي ، ففي رأيه طبقا لبطرس غالي أن السادات لم يكن يدرك بالضبط ما يريد تحقيقه ، كان ثابتا فى موقف ، ولينا فى آخر ، دون سبب واضح.

في مثل هذه الأجواء الغريبة ، ستظهر حنكة أسامة الباز ، ويصبح هو المفاوض الرئيسي مع الأمريكيين والإسرائيليين.

حيث لم يعد أعضاء الوفود الثلاثة المصري والأمريكي والإسرائيلي ، يشتركون فى المفاوضات ، وكان كارتر وأسامة الباز وباراك ، يقومون بالعمل ، ولو أن كثيرين فيما بعد ادعوا مشاركتهم العميقة والكلام للدكتور بطرس غالي ، الذى يقول :

تحول أسامة الباز إلى بطل «عصابتنا» مناضلا من أجل صيغة تعترف بحقوق الفلسطينيين ، وكان يجتمع مع كارتر وباراك من الثامنة صباحا إلى الخامسة بعد الظهر ، ثم يستأنفون فى المساء من الثامنة حتى العاشرة.

ونظرا لفرط حماس أسامة الباز ، وتشدده ، فإن كارتر كان يقول : ” إنني أخشى على السادات من هذا الشاب المتحمس”.

بعد دوره الصعب فى كامب ديفيد ، أصبح أسامة الباز مستودع ثقة الرئيس السادات ، ومنحه وسام الجمهورية من الطبقة الأولى ، ثم عهد إليه بأن يقوم بإعداد مبارك سياسيا ، ليصبح قادرا على إدارة الدولة عندما يخلف السادات.

وأسامة الباز ، هو المعلم الحقيقي لمبارك ، الذي كانت لديه القدرة على مراجعته ، وكان فى فترة الإعداد يلخص له كتب التاريخ ، ويعرض عليه أفلاما تسجيلية لسير زعماء مصر.

وعندما أصبح مبارك رئيسا ، كان أسامة الباز ، هو المستشار السياسي للرئيس ، وأقرب الشخصيات إلى قلوب الناس، يرونه فيطمئنون ويسمعون منه جملا كاملة لها معنى ، وفيها روح وحياة .

كان يتكلم للناس ، فيصدقونه كواحد منهم ، وكان حجر الأساس فى نظام مبارك ، وعندما اقتلعوا هذا الحجر بالتآمر والتخطيط للتوريث ، أنهار النظام كله.

باز 3

كان الباز ، قد تعود أجواء المؤامرات في مكتب الرئاسة ، وإذا أحس أنهم غاضبون عليه ، فانه يختفي تماما حتى يحتاجوا إليه ، ويقلبوا عليه الدنيا فيعود.

لكن مع مجىء عام 2005 ، قالوا لمبارك : ” إنه أصبح عقبة فى ملف التوريث”.

وروت زوجته أميمة تمام ، أن مبارك سأل أسامة الباز عن رأيه في التوريث ، فقال : إن ذلك سيكون له عواقب جسيمة لا تستطيع الحكومة ولا مؤسسة الرئاسة تفاديها ، وبعد ذلك تم إبعاده نهائيا.

وعاد إلى العمل فى مكتبه المتواضع بالخارجية ، وقيل إنه كان يعكف على كتابة مذكراته ، لكن الزهايمر كان أسرع من قلمه وأوراقه.

فالتهم الذاكرة الحديدية والعقل اليقظ ، ولم يكن المرض سوى رفض الباز لحقيقة ما جرى معه ، ولكن عندما حدثت ثورة 25 يناير ، عادت إليه الروح مرة أخرى ، وكان أسامة الباز مستشار الشعب ، هو الوحيد من رجال دولة مبارك ، الذي نزل إلى الميدان بلا خوف،نظر، ورأى، وعلم ، وأيقن ، أنه كان على صواب.

ولكن عاوده المرض مرة أخرى وفي فجر السبت يوم 14 سبتمبر 2013 ، ذهبت روحه إلى خالقها بعد حياة حافلة بالأخلاص للوطن عن عمر 82 عاما.

وعائلة أسامة الباز نموذج للأسرة المصرية المتوسطة ، التي استطاعت بالعمل والجد والاجتهاد أن تصل بابنائها إلى أعلى المراكز ، فأصبح منهم العالم والسياسي والضابط والطبيب وأستاذ الجامعة ز

عائلة تدعو للفخر حقا ، فالشقيقان محمد وعصام ، كانا ضابطين فى المدفعية ، وأسامة كان يلي الأخ الأكبر محمد ، وبعده عصام ، ثم فاروق عالم الفضاء الشهير ، ثم ثلاث بنات ليلى درست الفنون ، وثريا أستاذ الكيمياء ، وأصغرهن صفاء طبيبة ، ثم حازم أستاذ ميكانيكا بالجامعة الأمريكية في الشارقة ، وأخيرا نبيل خبير ائتمان.

وقد تزوج أسامة الباز من السفيرة مها فهمي أم ابنه باسل ، وفي عام 1996 ، تعرف على المذيعة أميمة تمام أثناء تغطيتها لزيارة آل غور نائب الرئيس الأمريكي وتزوجها.

وبعد وفاته ، قالت الفنانة نبيلة عبيد ، إنها تزوجته ، واستمر زواجهما تسع سنوات ، وأن الرئيس مبارك كان يعلم بهذا الزواج.

“الأهرام”