aren

أزمة سوريا وهدف ترامب الداخلي \\ كتابة : محمد المنشاوي
السبت - 19 - يناير - 2019

ترامب

لا يوجه ترامب تغريداته للرأي العام الأمريكي ككل، بل يهتم بناخبيه والأعضاء المحافظين بمجلسي الكونغرس. ليس لواشنطن أهداف استراتيجية بسوريا لذا لم تتحرك إدارة أوباما بجدية هناك رغم استخدام الأسد أسلحة كيميائية.

لا يدرك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن إقدامه على إعلان انسحاب قوات بلاده من سوريا ليس بالعملية السهلة التنفيذ والعواقب. ورغم محدودية الانتشار الأمريكي في سوريا والتي لا يتعدى 2200 مقاتل، إلا أن قرار سحبهم أكثر تعقيدا مما يتصور ترامب الذي لم يستشر جنرالاته قبل اتخاذ قراره المثير.

وجاء مقتل عدد من الجنود الأمريكيين في مدينة منبج والذي تبناه بقايا تنظيم داعش ليثبت لترامب خطأ تقديراته وضرورة عدم تفرده بهذه القرار متجاهلا الواقع المعقد على الأرض.

تضمن خطاب الاستقالة الذي قدمه وزير الدفاع جيمس ماتيس للرئيس دونالد ترامب ما يشير إلى خلافات جوهرية بين أفكار ماتيس وترامب. وجاء قرار ترامب الفردى، الذي لم يستشر فيه كبار مستشاريه العسكريين بانسحاب القوات من سوريا وبدء سحب آلاف الجنود من أفغانستان ليضع نهاية لمهام وزير الدفاع الذي لا يخفي معارضته لهذه السياسيات.

قد يكون نص خطاب استقالة ماتيس الدافع وراء قرار ترامب بالتعجيل بوقفه عن العمل مع نهاية ديسمبر الماضي بدلا من نهاية فبراير القادم. وقد يكون هناك بعد شخصى أثر على قرار ترامب، إلا أن ترامب يبدو مندفعا بحسابات السياسة الداخلية الأكثر أهمية له خلال العامين الباقيين في فترته الرئاسية. وتعرض ترامب لانتقادات من أعضاء جمهوريين وديمقراطيين من داخل مجلسى الكونجرس بسبب تحركاته لإنهاء الوجود الأمريكي في سوريا على عكس ما يراه مساعدوه والقادة العسكريون.

تدعم الكتلة المحافظة اليمينية المؤيدة لترامب تحركاته، وكتب السياسى المحافظ المخضرم بات بوكانان مدافعا عن سياسة ترامب قائلا «يقوم ترامب بفعل ما وعد به بدقة خلال حملته الانتخابية. وهدف قراراته الأخيرة هي سحب جنودنا من الحروب التي لا تعرف نهاية في الشرق الأوسط، والتي كان من الغباء التورط فيها على يد الرؤساء السابقين.

وعلى حكام وشعوب تلك الدول أن تستمر فى حروبها بدون جنودنا الأمريكيين». وأضاف بوكانن أن «أمريكا ليست قوة مطلقة لتحارب حروبهم، عندنا تحديات أكبر تتعلق بالصين وورسيا وكوريا الشمالية وإيران». وجاء توقيت قرار ترامب وما تبعه من استقالة ماتيس ثم تعجيل ترامب بمغادرته البنتاغون في الوقت الذي تعرف فيه واشنطن مواجهة حادة بين ترامب والديمقراطيين على خلفية الإغلاق الجزئي للحكومة الفيدرالية.

وخرجت وسائل إعلام محافظة لتضغط على ترامب كى لا يتراجع أمام قادة الحزب الديمقراطى فيما يتعلق بموقفه الحازم من قضية الهجرة غير الشرعية وضرورة تمسكه ببناء جدار حاجز عند الحدود الجنوبية مع المكسيك.

وذكرت محطة فوكس أن على ترامب الاستمرار في تنفيذ وعوده الانتحابية، والتي منها أيضا سحب القوات الأمريكية من سوريا وإنهاء الوجود العسكرى في أفغانستان. وشملت تغريدات ترامب التأكيد على موقف شعبوي ينال رضا قاعدته الانتخابية إذ قال «نحن ندعم جيوش العديد من الدول الغنية حول العالم، وهذه الدول تستغل الولايات المتحدة ودافعي الضرائب بها فى التجارة معنا أيضا».

ولا يوجه ترامب تغريداته للرأي العام الأمريكي ككل، بل هو يهتم بناخبيه والأعضاء المحافظين داخل مجلسي الكونغرس. وبقرار ترامب بسحب القوات من سوريا، يفتح ترامب جبهة جديدة في صراعه مع أجهزة الدولة الأمريكية العميقة، وهو ما يلقى رواجا وقبولا بين أوساط قاعدته الانتخابية التى تدين بالولاء له.

ذلك في الوقت الذي يستعد ترامب فيه لمواجهات كبيرة مع لجان مجلس النواب التي تعهد قادتها بفتح تحقيقات تخص علاقة ترامب وعائلته المحتملة بروسيا والسعودية على خلفية موقفه من التحقيق في التدخل الروسي والموقف من قتل جمال خاشقجي.

لا تعرف واشنطن ما يمكن أن يطلق عليه «استراتيجية ترامب فى سوريا»، خاصة مع وجود رئيس أمريكى غير تقليدى لا يعترف بالحسابات التقليدية لمنظومة العلاقات الدولية. ربما يكون لترامب استراتيجية بسيطة تتمثل فى الخروج من المستنقع السوري. لكن أغلب الأمر أن ترامب لا يملك تصورا واضحا حول الأزمة أو أبعادها أو تداعياتها أو طرق إنهائها. لكن الأهم من البحث عن استراتيجية ترامب هو محاولة فهم الإطار الذي يتحرك فيه ترامب ويؤثر على قراراته السابقة وخطواته المقبلة بخصوص الأزمة السورية.

ليس لواشنطن أهداف استراتيجية مباشرة تهمها فى سوريا، ومن هنا يمكن تفهم عدم تحرك إدارة الرئيس الأسبق أوباما بجدية في سوريا حتى مع تخطى نظام الأسد الخطوط الحمراء واستخدم أسلحة كيميائية. فقط ترغب واشنطن في تقليص نفوذ إيران بسوريا، وإعادة النظر في تداعيات عودة النفوذ الروسي لسوريا ولمنطقة الشرق الأوسط الذي يمثل قلقا كبيرا في دوائر الدفاع والمخابرات الأمريكية، لكنه لا يزعج ترامب بالضرورة.

يريد ترامب الظهور بمظهر من ينفذ وعوده الانتخابية مهما كان الثمن. أمام ترامب تحقيقات جادة حول الدور الروسي في الانتخابات الأمريكية الأخيرة، والتي لا يعرف أحد بعد مصير هذه التحقيقات والتي لا يستبعد معها احتمال وصول هذه التحقيقات لشخص الرئيس ترامب.

ولا بديل أمام ترامب إلا الاعتماد على قاعدته الصلبة التي تؤمن بـ«أمريكا أولا». إلا أن أخبار التطورات في شمال سوريا ومقتل عسكريين أمريكيين من شأنه أن يقلب السحر على الساحر ولا يجد ترامب أمامه إلا الانصياع لتقديرات جنرالاته وتأجيل الانسحاب من سوريا لمستقبل قد يكون قريبا.

“الشروق” المصرية