aren

«أزمة برونسون» بين واشنطن وأنقرة \\ كتابة : د.محمد نور الدين
السبت - 11 - أغسطس - 2018

 

فتحت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحرب على تركيا. فرض ترامب عقوبات مالية على وزيري الداخلية سليمان صويلو، والعدل عبد الحميد غول، بسبب عدم إطلاق تركيا القس الأمريكي أندريه برونسون المعتقل في تركيا بسب اتهامه بالتجسس لدولة خارجية، علماً بأن برونسون يعيش في تركيا منذ أكثر من عشرين سنة. وفي المقابل ردت تركيا على الإجراء الأمريكي بفرض عقوبات مماثلة على وزيري الداخلية والعدل الأمريكيين.

وطرحت «أزمة برونسون» العديد من الأسئلة والتساؤلات حول خلفيات القرار الأمريكي، كما عن مستقبل العلاقات التركية -الأمريكية. فالقس الأمريكي اعتقل في تركيا بعد محاولة الانقلاب العسكرية في 15 يوليو/ تموز 2016 ومع ذلك فإن واشنطن لم تثر الموضوع بهذه الطريقة، وتجعل منه مشكلة. الأرجح أن ترامب يريد تحقيق أكثر من مكسب: داخلي من خلال إطلاق سرح برونسون عشية الانتخابات النصفية لمجلس الشيوخ، وكسب أكثر من مليون صوت من أتباع المذهب الذي ينتمي إليه برونسون. ولكن السبب الأكثر ترجيحاً متصل بالعقوبات الأمريكية الجديدة على إيران التي بدأت يوم الثلاثاء الماضي. وترامب لا يريد هذه المرة أن تكرر أنقرة خرق العقوبات كما فعلت قبل سنوات، واستمرت في التعامل مع إيران.

لا شك في أن الولايات المتحدة تبدو أكثر جموحاً بكثير في سياساتها الخارجية، في ما يتعلق بقضية القدس وفلسطين وفي قضية الاتفاق النووي وفي مسألة اتفاق باريس للمناخ والعلاقات التجارية مع أوروبا والصين. أما كيف ستنتهي أزمة برونسون فهذا متروك للأيام، بل الأسابيع المقبلة، مع احتمال ألا يخرج أحد خاسراً منها عبر تبادل معتقلين أتراك في أمريكا مع القس برونسون، على ما تلمح بعض الأوساط التركية.

أما تأثير هذه الأزمة في مستقبل العلاقات التركية- الأمريكية فهذا يفترض مقاربة الموضوع من أكثر من زاوية.

تاريخياً، مرت العلاقات بين الطرفين في أكثر من أزمة كان البلدان يتخطيانها بعد فترة. ففي العام 1964 حصل توتر في الجزيرة القبرصية بسبب الخلاف بين القبارصة الأتراك والقبارصة اليونانيين، بل إن تركيا هددت بالتدخل العسكري يومها إذا لم يوقف الطرف القبرصي اليوناني، تعدياته على الطرف القبرصي التركي.

لكن المفاجأة جاءت من الرئيس الأمريكي ليندون جونسون في رسالة إلى رئيس الحكومة التركي عصمت إينونو، مهدداً إياه من أن تركيا لا يحق لها استخدام الأسلحة الأمريكية من دون التوافق مع الإدارة الأمريكيةً ومن أنه في حال استخدمت تركيا هذه الأسلحة وتدخلت في قبرص أوفي حال، تعرض تركيا لهجوم سوفييتي، فإن حلف شمال الأطلسي لن يدافع عن تركيا.

لقيت رسالة جونسون غضباً شديداً من إينونو، ومن الجيش التركي، وقد بدأت تركيا تقارباً من بعدها مع الاتحاد السوفييتي. لكن العلاقات بين تركيا وأمريكا عادت إلى طبيعتها بعد فترة.

وفي العام 1974 كانت تركيا تغزو جزيرة قبرص، وتقوم بتدخل عسكري واسع النطاق احتلت في إثره نصف الجزيرة التركي. وقد واجهت واشنطن الغزو بإجراءات غير مسبوقة، في رأسها وقف بيع السلاح لتركيا. علما بأن رئيس الحكومة التركية حينها بولنت أجاويد، يقول إن الحظر لا علاقة له بقبرص، بل بضغوط أمريكية لوقف زراعة الخشاش في تركيا.

غضبت تركيا، وأعلنت في خطوة مضادة استقلال جمهورية شمال قبرص التركية الشمالية في مطلع العام 1975 كما أوقفت استخدام كل القواعد والمراكز العسكرية، بما فيها إينجيرليك، على الأراضي التركية من جانب الولايات المتحدة. كذلك انفتحت تركيا على منظمة التحرير الفلسطينية، ودعت ممثلاً لها لزيارة أنقرة في العام 1975. ومع ذلك،تجاوز البلدان هذه الأزمة الكبيرة بعد فترة، وعادت تركيا عضواً طبيعياً ومركزياً في حلف الأطلسي، وزعيمته الولايات المتحدة. وبعد ذلك تكررت الأزمات بين أنقرة وواشنطن، ولا سيما في العراق.

تتشابه أزمة برونسون مع الأزمات السابقة. لكن بعض الظروف متغيرة. فتركيا اليوم على علاقات جيدة مع روسيا، ومع إيران. وهي على خلاف كبير مع واشنطن بسبب تورط واشنطن في محاولة الانقلاب قبل سنتين، ورفض أمريكا تسليم فتح الله غولين لتركيا، وبسبب دعم الأمريكيين لقوات الحماية الكردية في شمال سوريا.

مع ذلك، فليس من المحتمل أن تتدهور العلاقات أكثر، فالحاجة متبادلة بين البلدين في إطار حلف شمال الأطلسي، كذلك لا يستطيع الاقتصاد التركي تحمل الضغوط الأمريكية الكبيرة التي بدأت تأثيراتها السلبية بتدهور سعر صرف الليرة بصورة كبيرة بعد انفجار أزمة برونسون، ولا يريد الرئيس التركي أيضاً التخلي عن الغطاء الغربي في ظل عدم اتضاح الحلول النهائية في سوريا. وما دامت تركيا ليست عضواً بنيوياً في حلف مشرقي جديد فلن تغادر مربعها الأول الغربي.

“الخليج”الاماراتية