aren

أردوغان إذ يھدد بـ”تدمیر”.. اتفاق”استانا” \\ كتابة: د. محمد خروب
الأربعاء - 18 - يوليو - 2018

 

التوقيت الذي اختاره الرئيس التركي اردوغان لاجراء مكالمته الهاتفية “المثيرة” في مضامينها مع نظيره الروسي، لم يكن وليد الصدفة. بل تمّ اختياره ليتزامن من أجندات ومواعيد ذات أهمية قصوى في الظرفين الاقليمي والدولي الراهنين. فهي – المكالمة – جرت عشية قمة هلسنكي التي انتهت للتو بين بوتين وترامب، فضلا عن كونها تأتي مباشرة بعد “التذمّر” التركي من عدم تنفيذ “خريطة الطريق” الاميركية – التركية حول مدينة منبج السورية، وزعم انقرة ان واشنطن “لم” تلتزم ما وقع عليه شاويش اوغلو و بومبيو, وخصوصاً إنسحاب قوات سوريا الديمقراطية (الكردية في معظمها) من المدينة السورية, ناهيك – وخصوصاً – ان المكالمة جاءت على وقع هزيمة الجماعات الارهابية في الجنوب السوري وتحرير مدينة درعا وريفيها.. الشرقي والغربي، الامر الذي اثار قلق الدوائر التركية.. بأن محافظة إدلب ستكون التالية على جدول اعمال الجيش السوري، لتنظيفها من الجماعات الارهابية متعدِّدة الاسماء والمُشغِّلين والرايات والمرجعيات، حيث تسيطر تركيا عليها، وفق ترتيبات مناطق خفض التصعيد، التي رعتها الدول الثلاث الضامنة في اتفاق استانا (روسيا، ايران وتركيا).

هل قلنا اتفاق استانا؟ نعم، فهو الاتفاق الذي هدّد الرئيس التركي في مكالمته مع الرئيس الروسي، بأن”التدمير “سيطال”جوهره” اذا “ما تقدّمت قوات النظام السوري نحو محافظة ادلب، بطريقة مماثِلة لما حصل في درعا، ما يعني ان اردوغان يُلوِّح بالخروج من هذا الاتفاق والتمّرد عليه ، اذا ما وعندما تُقرّر دمشق بان الوقت قد حان لاستعادة هذه المحافظة المتمرِّدة والمحتلَّة مِن الجيش التركي “الضامن”، كذلك من حلفائه واتباعه من الجماعات الارهابية وفي مقدمتها جيش فتح الشام (النصرة) وهيئة تحرير الشام وحركة احرار الشام الاسلامية، وفصائل اخرى اقل عدداً وعُدّة وإن كان اكثرها “رسوخاً” الحزب التركستاني الاسلامي (جهادي تكفيري صيني)، وكلّهم وبلا استثناء على علاقة جيدة وتنسيق مع “جيش” الدولة الضامِنة (تركيا) ، التي انيط بها مهمة ضبط المحافظَة ولجم الجماعات الجهادية التكفيرية، لكنها فعلت عكس ذلك تماماً، عندما أدخلت شرطتها العسكرية تحت حماية هذه الجماعات، وهي تشارِكهم شؤون أرياف المحافظة وأحياء مدينة إدلب.

ليس اردوغان بالسياسي الساذج ، الذي يمكن ان يذهب بعيداً في التحذير من تدمير جوهر اتفاق استانا الثلاثي، دون ان يكون قد أخذ في حسبانه رد فعل سيد الكرملين الذي يُولي لهذا “المسار” أهمية استثنائية. ليس فقط ان اجتماعا سيُعقد اواخر الشهر الجاري بين “الاطراف” السورية التي شاركت قبل ذلك في لقاءات سابِقة، لم تُحقِّق الكثير لكنها لم تفشَل تماماً. فضلاً عن قرب انعقاد قمة طهران بين قادة الدول الثلاث الضامنة، بعد قِمتَيْ موسكو وأنقرة.

اردوغان “الجديد” بمعنى الذي دشّن النظام الرئاسي الذي يمنحه صلاحيات داخلية واسعة، ويُطلق يده في الملفات الخارجية. يبدو انه استشعَر امكانية خسران نفوذه ودوره في الشمال السوري، بعد ان لمس تصميماً سورِياً و”روسِياً” على وضع حدٍ لـ”جيب” الجماعات الارهابية الأخير في ادلب، لهذا يريد اللعب بهذه الورقة التي إذا ما فقدَها، فإن مصير غزوتيه “درع الفرات” و”غصن الزيتون”..لن يكون مختلفاً، وسيضطر للانكفاء داخل بلاده وإن كان استثمر “جيداً” هاتين الغزوتين في حملته الانتخابية الرئاسية والبرلمانية، لحصد المزيد من أصوات القوميين والمتطرفين الأتراك، وخصوصاً من الإسلامويين واولئك الذين تُداعبهم أوهام استعادة الأمجاد السلجوقِية والعثمانِيّة.

من السابق لأوانه الجزم بمواصلة اردوغان التلويح بـ”تدمير” اتفاق استانا عبر الانسحاب منه، لكن ليس مبالغة القول:ان ورقة إدلب ستكون مثابة كرة نار بالنسبة له. لأن المؤشرات تشي بأن استثماره في الجماعات الإرهابية والرهان عليها قد سقط ، ولم يعد امامه سوى الالتزام بمضامين وجوهر التفويض التي حصل عليه ليكون ضامناً لمحافظة ادلب، او يترك للجيش السوري والحليف الروسي مهمة تنظيف هذه المحافظة وعاصمتها من رجس الارهابيين وسطوتهم.

في السطر الأخير..اتفاق استانا لن يُدمّر، وليس بمقدور اردوغان الانسحاب منه ، لا الآن ولا في المستقبل القريب. لان الأكلاف السياسية والعسكرية وخصوصاً الاقتصادية والتجارية ، ستكون أفدح مما لو بقي فيه.

..والأيام ستروي.

“الرأي ” الاردنية