aren

أخرجوا القاص من القمقم \\ كتابة : سامي مروان مبيّض
الخميس - 6 - يناير - 2022

منذ أسابيع، صدرت ترجمة جديدة في لندن لحكايات ألف ليلة وليلة، وضعتها الكاتبة البريطانية ــ السورية (ياسمين سيل)، ابنة الصحفي الراحل (باتريك سيل)، وحفيدة رائد المسرح العربي أبي خليل القباني. جاء في كتابها الصادر باللغة الإنجليزية بعض القصص ، التي باتت اليوم منسية من حكايات ألف ليلة وليلة، مثل “دليلة المحتالة والشاطر على،” التي سقطت من معظم الترجمات المعاصرة، وأخرى لم تكن موجودة إلا في الطبعات الأولى من الكتاب، مثل حكاية الأميرة باريزاد وعصفورها الناطق.

ياسمين سيل ، هي أول سيدة تقوم بترجمة حكايا ألف ليلة وليلة وقد اختار دار النشر اعتماد العنوان المتعارف عليه في الغرب (أربيان نايتس)  ، علماً أن العنوان الأقدم عربياً ، هو “أسمار الليالي للعرب مما يتضمن الفكاهة والطرب.” في هذه القصص الكثير من الأبطال الأسطوريين، ومجموعة كبيرة من الجن والمشعوذين والسحرة، جمعت من آسيا والشرق الأوسط، ومن مصر وفارس وبلاد الرافدين. جميعها نُقلت عبر التواتر ولا يوجد لها مؤلف، إلّا أشهر قصتين من قصص ألف ليلة وليلة: “علاء الدين والمصباح السحري” وحكاية “على بابا والأربعين لص” «حرامى». تؤكد ياسمين سيل في كتابها الجديد أن هاتين القصتين هما من تأليف القاص السوري حنا دياب، ابن مدينة حلب.

القصة الإطارية لحكايات ألف ليلة وليلة لم تتغير وصمدت مع مرور الزمان، وهي تحكى عن ملك اسمه شهريار، يريد الانتقام من كل نساء العالم بعد أن شهد خيانة زوجته وزوجة أخيه. يقرر الزواج من فتاة عذراء كل ليلة ثم يقوم بقتلها قبل أن تتمكن من خيانته، فتدخل عليه بنت أحد الوزراء، اسمها شهرزاد، وتزوجه نفسها بهدف إيقاف مسلسل الإجرام الذي يتم ليلياً في قصره.

وفى كل ليلة، تحكى له شهرزاد قصة مشوقة، ثم تتوقف عن الكلام عند بزوغ الفجر، دون أن تنهى قصتها، لكي يمنحها الملك فرصة الحياة حتى الليلة المقبلة، لسماع بقية القصة. ومن هنا طبعاً جاءت العبارة الشهيرة: “وسكتت شهرزاد عن الكلام المباح حين صاح الديك معلنا أن الصباح قد لاح.”

تعتبر قصة “علاء الدين والمصباح السحري” ومعها قصة “على بابا والأربعين لص” هما الأشهر بين حكايات شهرزاد، وقد تحوّلتا إلى أفلام سينمائية وكرتونية. وكلتاهما لم تكن موجودة في الطبعات الأولى من “ألف ليلة وليلة،” فقد تمت إضافتهما في مطلع القرن الثامن  عشر من قبل المستشرق الفرنسي أنطوان جالاند، ليتم ترجمتهم لاحقاً إلى اللغة العربية، نقلاً عن الفرنسية.

وكان جالاند قد سمع هاتين القصتين من حنا دياب خلال زيارة الأخير فرنسا في آذار 1709. وصل دياب إلى باريس قادماً من حلب مع مندوب الملك لويس الرابع عشر، الذي تعرف عليه في حلب وهو يقوم بشراء سجّاد فاخر وتحف للقصور الملكية الفرنسية. وفى باريس التقى دياب بأنطوان جالاند وروى له قصصا من التراث الحلبي الشعبي، فيها شيء من الواقع وكثير من الخيال، ومنها قصة ذلك الفتى اليتيم ومصباحه الشهير الذى خرج معه من كهف العجائب، وقصة الحطّاب الشاب وكلمة السر التي فتحت له أبواب مغارة اللصوص: افتح يا سمسم.

أحب جالاند هذه القصص البسيطة وقام بتدوينها، قبل أن يُقحمها في ترجمته الفرنسية لمجموعة “ألف ليلة وليلة،” دون ذكر المصدر. وقد بقيت هاتان القصتان تحسبان له وحده حتى جاءت مذكرات حنا دياب نفسه لتثبت حقه في هذه القصص، وهى «أي المذكرات» محفوظة  اليوم كمخطوط في مكتبة الفاتيكان، وقد صدرت في كتاب قبل بضعة أشهر.

عاد حنا دياب إلى حلب سنة 1710 وعمل في تجارة الأقمشة مع شقيقه عبد الله، وحقق ربحا جيداً، ربما يكون قد أثناه عن المطالبة بحقوقه الفكرية (والمادية) عن جزء مهم من حكايا “ألف ليلة وليلة.” وكنت قد كتبت عنه عام 2019، مطالبا بذكر اسمه في فيلم شركة ديزنى الشهير عن علاء الدين والمصباح السحري، وأنا اليوم أعود وأذكر بهذا الرجل المنسي، بمناسبة ما جاء في كتاب ياسمين سيل عنه وعن دوره في إنجاح حكايات ألف ليلة وليلة.

أما حان الوقت ليُخرج هذا القاص السوري المنسي من القمقم… ويأخذ حقه مع هوميروس وهمينغوي ومارك توين؟

“الأهرام” المصرية