aren

أحداث سوريا تكشف عمق العجز الإسرائيلي \\ كتابة : د.‏ محمد السعيد إدريس
الثلاثاء - 5 - سبتمبر - 2017

تعبر «نظرية الأمن الإسرائيلية» بشكل دقيق عن خصوصية الدولة الإسرائيلية من منظور الارتباط القوي والدقيق بين وجود هذه الدولة وامتلاكها قدرات أمنية قادرة على حماية هذا الوجود الذي يعتبرونه مزعزعاً ومعرضاً دائماً للخطر.

يعرف الإسرائيليون، قبل غيرهم، أن دولتهم ليست أكثر من ” دولة مصطنعة” وغير طبيعية ، تأسست على أنقاض دولة وحقوق شعب آخر هو الشعب الفلسطيني ، ولذلك كانوا ومازالوا حريصين على امتلاك قدرات أمنية إستراتيجية متفوقة ، لتثبيت وجود الدولة الإسرائيلية وحمايتها ضد أي تهديد.

هذا هو جوهر نظرية الأمن القومي الإسرائيلي، التي تربط بين الأمن والوجود الإسرائيلي ، والتي تأسست على امتلاك «الردع المتفوق» ابتداءً من «التفرد بامتلاك قدرات نووية عسكرية متطورة»، إضافة إلى مرتكزات أخري منها امتلاك قدرات عسكرية قادرة على التفوق النوعي على كل الدول العربية مجتمعة، ومنها الحيلولة دون ظهور أي دولة يكون في مقدورها تهديد الأمن الإسرائيلي.

ولقد استطاع الإسرائيليون، وعلى مدى ما يقرب من سبعة عقود مضت منذ تأسيس الكيان الصهيوني عام 1948، الحفاظ على تماسك وتفوق نظريتهم الأمنية وظل الأمن الإسرائيلي بمنأى عن أي تهديد حقيقي طيلة تلك السنوات.

لكنهم يشعرون الآن، وربما للمرة الأولى، أن نظريتهم الأمنية تتداعى ، وأنهم لم يعد في مقدورهم، التصدي بقوتهم الذاتية، للمخاطر التي تتهدد هذا الأمن في ظل التطورات المتسارعة لإيقاع الأحداث في سوريا .

التي أخذت تفرض «معادلة جديدة لتوازن القوى» ليست في صالح الأمن الإسرائيلي، والتي لخصها بنيامين نتانياهو رئيس حكومة الكيان الصهيوني بكلمات موجزة قائلاً: «تنظيم «داعِش» يخرج وإيران تدخل « لكنه أضاف إلي هذا التوصيف » نعارض بحزم التمركز العسكري لإيران وملحقاتها في سوريا، وحزب الله في مقدمة ذلك، وسنعمل كل ما ينبغي من أجل الحفاظ على أمن إسرائيل».

بدأت إسرائيل تدرك أن إيران في طريقها إلى أن تتحول إلي «دولة جوار» من خلال حرصها علي أن تخلق لنفسها، ولحزب الله معها واقعاً عسكرياً بالقرب من هضبة الجولان المحتلة، بكل ما يعنيه ذلك من تهديد مباشر لأمن إسرائيل، ناهيك عن سقوط كل رهاناتها علي المنظمات الإرهابية الحليفة وعلي رأسها «داعش» و«جبهة النصرة» لتدمير الدولة السورية وتمزيق وحدتها.

لذلك عملت إسرائيل على إنقاذ ما يمكن إنقاذه والتدخل لدى الحليف الأمريكي والصديق الروسي لأخذ المصالح الإسرائيلية في الاعتبار وبالذات في منطقة جنوب سوريا.

لذلك عارضت إسرائيل بقوة اتفاق أو تفاهم وقف إطلاق النار في الجنوب الذي جاء محصلة تفاهم روسي- أمريكي لكنها اكتشفت ما لم تكن تأمله أو تتوقعه أنها لا تملك بذاتها القدرة على تغيير هذا الاتفاق.

وهنا تجد إسرائيل نفسها، وربما للمرة الأولى، عاجزة على حماية أمنها القومي بقدراتها الذاتية، وكانت توصية «يوسي كوهين» رئيس «الموساد» ضرورة اللجوء إلى الولايات المتحدة واستغلال العلاقة الجيدة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للضغط علي روسيا لتغيير الاتفاق والاستجابة للمطالب الإسرائيلية.

أخذت الحكومة الإسرائيلية بهذه التوصية ، وسافر كوهين على رأس وفد أمني كبير يضم رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية (هرتسي هاليفي) ، ورئيس الهيئة السياسية- الأمنية بوزارة الدفاع ( زوهر بلطي) ، للقاء كبار المسئولين الأمنيين في الإدارة الأمريكية ، وعلى رأسهم رئيس مجلس الأمن القومي الأمريكي الجنرال (هربرت ماكماستر) ، ورغم أن الموضوع الرئيسي للمباحثات كان الوضع في جنوب سوريا ، إلا أن تلك المباحثات تجاوزت ذلك إلى ما هو أبعد وتطرقت إلى الملف الإيراني.

ونقل كوهين لمسئولي الأمن الأمريكي تقديرات الموقف الإستراتيجي في تل أبيب ، التي تشير إلى تنامي القوة الإيرانية بعد التوقيع على الاتفاق النووي مع إيران عام 2015، كما نقل رفض إسرائيل لاتفاق وقف إطلاق النار في جنوب سوريا، وطالب كوهين الأمريكيين بـ ” ضرورة إبرام اتفاق جديد يقضي بخروج أية قوات تابعة لإيران وحزب الله من سوريا”.

لم يحصل الوفد الإسرائيلي على استجابة أمريكية ، لذلك كان العتاب الإسرائيلي مُراً عبروا عنه بقولهم أن «الولايات المتحدة ألقت بإسرائيل أمام عجلات الحافلة مرتين، الأولي نتيجة الاتفاق النووي مع إيران، والثاني عندما تجاهلت طلباتها حول سوريا والوجود الإيراني فيها».

ونشر موقع «واللا» الاستخباراتي الإسرائيلي تقريراً مفاده أن الوفد الإسرائيلي لم يحصل على انطباع باعتزام الولايات المتحدة تعديل ، أو إبرام اتفاق جديد يأخذ في اعتباره المطالب الإسرائيلية، ولصدمة الإسرائيليين ، لم يشغلوا أنفسهم كثيراً بالأسباب الحقيقية لسلبية الرد الأمريكي .

وهي أن اتفاق وقف إطلاق النار في الجنوب ، هو محصلة توازن القوى وتوازن المصالح بين واشنطن وموسكو في سوريا، وأن واشنطن قبلت بالاتفاق كأمر واقع رغم أنها ترفضه ولا تقبل بأي وجود لإيران أو لحزب الله في سوريا قبل إسرائيل نفسها.

وهذا ما جعل «يوسي ميلمان» يكتب في صحيفة معارف معلقاً على لقاء الوفد الإسرائيلي في واشنطن مع المسئولين في واشنطن لحث الإدارة الأمريكية على تغيير موقفها في سوريا بأنه “كان مثل المشاركة في جنازة أو تقديم تعاز، ولكن بأدوار معكوسة : المعزون هم الأمريكيون .. والثكالى هم الإسرائيليون ، أما الجنازة فكانت مراسم دفن السياسة الأمريكية في سوريا” .

وفسر ميلمان هذا المشهد في مقال آخر لصحيفة «معاريف» قال فيه أن أعضاء الوفد الاستخباراتي الإسرائيلي “نالوا حقنة دسمة من العطف.. فالولايات المتحدة بقيادة الرئيس دونالد ترامب ترى الأمور بانسجام مع إسرائيل وتعتبر إيران عدواً، لكن قدرتها على التأثير في سوريا محدودة، ذلك لأنه مثل سابقه باراك أوباما قرر ترامب هو الآخر بأن يكون التدخل الأمريكي في سوريا محدود بهزيمة داعش “.

لم يدرك بنيامين نتنياهو هذه المعاني، ورغم ذلك أصر على أن يذهب للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سوتشي ، وهناك انبرى في التحذير من الخطر الإيراني والمطالبة بالتصدي له «ليس لدرء خطر يحدق بإسرائيل فحسب، بل أيضاً بحلفائها السُنة في المنطقة» .

وشدد أمام بوتين من أن «الإيرانيين يعملون على لبننة سوريا» لكنه لم يحصل على شئ له معنى أكثر من ابتسامة بوتين، الواعي بحقائق الموقف في سوريا والداعي بضوابط تحالفه مع إيران ومعالم المشهد السوري الجديد.

ربما يكون قد حصل، على نحو ما تحدثت الصحافة الإسرائيلية، كما حصل وفده الاستخباراتي إلى واشنطن، على صورة تذكارية، لكنه حصل في سوتشي على «مايكروفون روسي» ليتحدث عما يشاء ويريد، دون أن يدري أنه يتحدث عن «العجز الإسرائيلي».

“الأهرام “