aren

أبعد من جورج قرداحي \\ بقلم : نبيه البرجي
السبت - 30 - أكتوبر - 2021

   بعد تلك السنوات من اللااكتراث (ولو من قبيل المرؤة العربية) , ولبنان يمضي , أكثر فأكثر , نحو الخراب , بل ونحو الموت , فجأة اكتشفت المملكة أن لبنان ما زال موجوداً على الخريطة , وأن اللبنانيين ما زالوا على سطح الأرض …

    أبواب قصر اليمامة مقفلة في وجه رؤساء حكوماتنا , حتى ولو رأوا في البلاط القبلة الدينية , والقبلة السياسية . ما الذي حدث حتى فتحت أبواب النار على وزير لا بد أن يحظى بامتناننا لأنه أعادنا الى الذاكرة السعودية , والى الأجندة السعودية !

   من يصدق أن مملكة , بذلك النفوذ الاقليمي والدولي , وبتلك الأرمادا المالية والسياسية , تطلق براكين الغضب على مواطن لبناني دخل , كما غيره من الوزراء , من ثقب الباب الى التشكيلة الحكومية , لا بسبب حنكته السياسية , ولا بسبب رصيده الأكاديمي , أو المهني , وانما بسبب ولائه لاحدى المرجعيات المناطقية , ولكونه ـ سابقاً ـ نجماً تلفزيونياً في برامج ترفيهية , واجتماعية , على احدى الشبكات التابعة للمملكة ؟

   نعلم أن الغضب على لبنان , وتركه هكذا , وحيداً , يلفظ أنفاسه الأخيرة , مردها الى وجود “حزب الله” كقوة سياسية ضاربة , والى اتهام الحزب بدور عملاني في الادارة السياسية , والعسكرية , لـ”أنصار الله” في اليمن . وبايعاز من ايران التي نسأل هل كان يمكن أن يكون لها موطئ قدم في لبنان لولا الغياب العربي (والغيبوبة العربية) ابان الاحتلال الاسرائيلي , وكان نتاج وضع الجنوب اللبناني تحت سلطة ياسر عرفات , وبضغط عربي , ما استتبع كل الويلات التي حلت بلبنان على امتداد العقود الأربعة المنصرمة .

   المملكة على بيّنة تامة بأن لبنان , ومنذ قيامه عام 1920 , دولة مركبة طائفياً وسياسياً , ودون أن يحظى , الا في حالات عابرة , بسلطة تحاول الانتقال به من منطق المغارة الى منطق الدولة . هكذا التداخل العضوي بين التصدع السياسي والتصدع الطائفي لتبقى الدولة البطة العرجاء بين ملوك الطوائف …

    للمثال , حين كان هناك من يرى أن ياسر عرفات هبط , للتو , من عباءة صلاح الدين , ثمة من رأى في آرييل شارون النبي الذي خرج , للتو , من الكتاب المقدس .

   بدا واضحاً من الحوار التلفزيوني الذي جرى مع “المواطن” جورج قرداحي الذي تعوزه الفذلكة اللغوية في الكلام السياسي استدرج الى قول ما قاله في التراجيديا اليمنية , ودون أن ندري لماذا تم “نبش” الفيديو الآن وليس لدى تشكيل الحكومة .

    لماذا الحملة على هذا الوزير بالذات ؟ وهل الغاية فعلاً  تفجير الحكومة التي جيء بها لترسم خارطة الطريق الى الخروج من الأزمة التي زعزعت كل مقومات الدولة , فاذا بها على شاكلة الفيل الذي يتعثر بحصاة . أكثر من يد غليظة تضغط لابقاء لبنان في حالة الموت السريري الى أن تتبلور التسويات (الصفقات) الكبرى حول المنطقة أو لاستخدامه كورقة (او كجثة) في حلبة الصراع ؟

   لم تعد قضية اللبنانيين تنكة المازوت , ولا فاتورة المولدات , ولا الأسعار الخيالية للأدوية . القضية الآن تدعى جورج قرداحي اذا كان لنا أن نصدق تلك “الخدعة البصرية” . هل حقاً أنه اختير  كبش المحرقة لابلاغ من يعنيهم الأمر بأن طريق سليمان فرنجية الى قصر بعبدا بمثابة الحلم المستحيل , ولا عودة خليجية الى لبنان الا اذا حمل سمير جعجع لقب فخامة الرئيس ؟

   مخجل جداً أن يظهر وزير الاعلام اللبناني , وهو المسيحي , في رسم كاريكاتوري في احدى الصحف السعودية بزي رجل دين شيعي . هل يمكن أن تصل بنا التفاهة , وأن تصل بنا الكراهية , وأن تصل بنا ثقافة القرون الوسطى , ونحن في القرن الحادي والعشرين , الى حد التأجيج المذهبي في حين أن المجتمعات المتقدمة تتحدث عن عالم ما بعد الكائن البشري ؟ 

  أولئك الذين طالما وصفناهم براقصات الدرجة الثالثة في ملهى الباريزيانا يحذرون من اقدام المملكة على طرد اللبنانيين العاملين فيها . ما ذنب هؤلاء ؟ وهل لاحظ أحدكم أن أميركا , أو قرنسا , أو ألمانيا , تطرد أي شخص من أراضيها بسبب خلافها مع حكومة هذا البلد ؟

   المسألة أبعد بكثير من كلام رجل قيل على الهواء , وذهب مع الهواء . ولتتوقف هذه المهزلة …

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها