aren

آستانة وجنيف : نقاش آخر … د. فؤاد شربجي
السبت - 28 - يناير - 2017

بعد معركة حلب ، وقبول الفصائل المسلحة بوقف الأعمال القتالية ، قال الناطق باسم الفصائل ، أسامة أبو زيد : ( قبلنا وقف الأعمال القتالية والذهاب إلى الآستانة بسبب انعدام الخيارات أمامنا ، انعدام الخيارات وليس قلة الخيارات ) ، وأوضح محمد علوش ( جئنا إلى الآستانة مضطرين ) ، وهذا يعني أن الفصائل المسلحة ، وصلت إلى طريق مسدود ، وأن انسداد الأفق أمامها ، ليس إلا الهزيمة القاتلة .

 تجاه هزيمة الفصائل هذه ، كان انجاز الجيش العربي السوري والقوى الرديفة والحليفة ، هو انفتاح الأفق أمام الدولة السورية ، بسبب رجحان كفة ميزان القوى لصالحها بشكل حاسم ، وكل هذا ما هو إلا تعبير عن انتصار واضح وقوي ، وما قبول الدولة السورية بالذهاب إلى آستانة لانجاز ما تراه المصالحة الوطنية مع الفصائل ، إلا جزء من إحساس الدولة بقوتها وبوظيفتها كدولة أم ، معنية بالمستقبل ، ومحصنة ضد مشاعر الانتقام والتشفي .

وبدأت اجتماعات آستانة ، في ظل ميزان قوى وتوازن للحقائق واضح جلي ، الدولة المنتصرة تحاور الفصائل المهزومة ، وهدفها تحقيق مصالحة وطنية توحد السلاح في اتجاه محاربة الإرهاب ( داعش والنصرة ) وكل الفصائل الرافضة للاتفاق .

ولكن ما أن بدأت الاجتماعات في آستانة ، حتى تغيرت الصورة ، وبدأ وفد الفصائل يتصرف وكأنه المنتصر ، الذي جاء ليفرض شروطه ، وليتمسك بمطالبه التي لا تيسر الوصول إلى حل وطني ، بقدر ما تهدف إلى تقسيم الوطن ، إن لم تحصل الفصائل على الحكم كاملا، وعدنا نسمع خطاب المطالبة بالتنحي والحصول على الصلاحيات الكاملة للحكم .

وتحت شعار ” لم نأت لنطالب بالسلطة ” ، كانت جميع مطالب الفصائل تطلب السلطة ، … ما الذي جرى ؟ وكيف انقلب إحساس الفصائل بالهزيمة إلى تبني مطالب لم يطلبها المنتصر القوي ؟

ورغم كل قيل عن نجاح آستانة ، فان الواضح ، أن مسعى المصالحة الوطنية وتوحيد السلاح لمحاربة الإرهاب تحت مظلة سيادة الدولة ، من الواضح أن هذا المسعى لم ينجح تماما ، وبقي المطلب الجوهري للفصائل ، رفض الدول القائمة والاستمرار بالتمترس في مواجهتها ، وهذا يتضمن عدم الاعتراف بسيادتها ، عبر الطعن بشرعيتها .

إن توصل المراقبين إلى آلية مراقبة وقف الأعمال القتالية ، وفرض هذا الوقف إن كان صحيحا وقويا ومجديا ، فانه سيعني بقاء إدارة بعض المناطق بيد الفصائل ، بعيدا عن سيادة الدولة ، وهذا ما يثير التخوف من تأسيس التقسيم .

 ورغم أن بعض الأصوات القريبة من روسيا ، تقول : ” إن هذه الحال مؤقتة ” ، ريثما يتم الاتفاق السياسي النهائي في جنيف ، المتضمن حكومة وحدة وطنية تضع دستورا ، وتجري انتخابات نيابية ، فتعود جميع المناطق لسيطرة الدولة المركزية .

ولكن كيف ستكون الأمور ، ان فشلت مباحثات جنيف ، ولم تصل إلى هذه الحكومة الموعودة ، هل يستمر التقسيم عبر إعطاء الفصائل حكمها ، محمية بآلية وقف العمليات القتالية ؟ ويحفظ خطوط التماسك ؟ وهل هذا ما تطمح بتحقيقه الفصائل المسلحة ، ومن وراءهم ؟

ان انقلاب المهزوم ، من لغة انعدام الخيارات ، وانسداد الأفق ، إلى منتصر يطالب بتجسيد انتصاره ، هو ما أظهرته الفصائل بالآستانة ، وهو ما يجعلنا نسأل : من هو وراء هذا الانقلاب ؟!!!

هل تركيا التي تديرهم في هذه العملية ، هي من يرفع السقف لهم ، طمعا باستمرار القتال ، أم أن السعودية ، والتي يمثلها محمد علوش على رأس وفدهم ، هي من يريد جعل هزيمة أتباعها ، انتصارا ، كي تستمر الحرب ، بوهم العمل على إنهاك الدولة السورية ، باستمرار النزف والحرب ؟

أم أن المخابرات الأميركية ، تنتقم لاستبعاد بلادها من العملية ، وحشرها في موقف المراقب ، الأمر الذي دفعها إلى الإيعاز لعملائها بتفخيخ العملية ، ومنع المصالحة الوطنية السورية ؟ وهل إعلان ترامب حول المناطق الآمنة ، جزء من عمل المخابرات الأميركية هذا ، ضد سورية وشعبها ؟

ليس مهما ، أن يعلن الإعلام ، أن آستانة نجح ، وليس مجديا أن ننتقل إلى جنيف ، إن كانت الفصائل ، ما زالت تردد مطالبها بسلطة كاملة الصلاحيات ، كجائزة لها على هزيمتها .

وما معنى إطلاق سيادة الدولة ان كانت الفصائل ، ترفض العمل في إدارة المناطق تحت هذه السيادة ، وبالعكس فهي تسعى لجعل السيطرة على بعض المناطق ، أما ترسيخا لتقسيم يعطيها سيطرة ما ، أو مقدمة للاستيلاء على كرسي الحكم ؟ وكيف ستحقق سلطة بعض الفصائل على بعض المناطق وتكريس سيطرتها هذه ، بشرعية وقف الأعمال القتالية ، وكيف ستحقق هذه السلطات المحلية المتجاورة والمتنافرة والمتصارعة ، وحدة الأرض والشعب ؟

ان السوريين ، الذين عانوا ويعانون إرهاب الفصائل ، لا يعنيهم الكلام العام ولا البيانات الصحفية المنمقة ، ولا يغشهم تصريح من الآستانة ، أو من جنيف .

ما يهمهم أن تنتهي الحرب ، وتتوقف معاناتهم ، وأن ينتقلوا إلى إعادة عمران وطنهم عبر مصالحة وطنية في ظل الدولة الشرعية المنتصرة على الفصائل ، والمنتصرة بقبول المصالحة مع أفراد هذه الفصائل .

ليكون الحل معززا لحقائق الواقع : من وحدة سورية أرضا وشعبا ومؤسسات ، إلى سلطة الدولة الشرعية ، وأن انتصار الدولة على السلاح المشهر ضدها ، واستكمال هذا الانتصار بقوة المصالحة الوطنية ، لتشكيل حكومة وحدة وطنية ، تعيد النظر بالدستور وتجري انتخابات ، وتحقق شعار الدولة بالسعي للارتقاء الشامل سياسيا واقتصاديا ، كمنا الارتقاء بالعدالة والمساواة والمشاركة السياسية .

ان استمرار الفصائل بشعارات إسقاط الدولة ، وبعد هزيمة سلاحها وانكسارها بتحقيق هذا الهدف ، واستمرار الفصائل بالمطالبة بالحكم وبصلاحيات كاملة ، واستمرار الفصائل بهذا الممارسة ، فهذا يعني إصرارها على استمرار الحرب ، واستغلالها لوقف الأعمال القتالية لإعادة تجميع قواها ، … وهذا ضد إرادة السوريين وضد هدفهم في الانتهاء من الحرب والمعاناة …وربما بكون للفصائل ، هذا خيارها للانتحار .