aren

من أجل مزيد من الوطنية في”المبادرة الوطنية السورية”\\ بقلم : د.منذر خدام
الثلاثاء - 7 - مايو - 2019

 

د. منذر خدام

د. منذر خدام

بمناسبة الذكرى “الثامنة” لحراك الشعب السوري ، الذي انطلق في منتصف آذار من عام 2011 في سبيل الحرية والكرامة والديمقراطية، أصدر عدد من السوريين المعارضين (مدنيين وعسكريين) من المقيمين في الخارج بصورة رئيسة، وثيقة سياسية جاءت تحت عنوان : ” المبادرة الوطنية السورية”، يدعون فيها إلى القيام بمحاولة “لمواجهة ” ما أسموه “الوضع المأساوي”، الذي وصلت إليه اوضاع سورية والسوريين بعد ثمانية سنوات من صراع مسلح ،اتى على الأخضر واليابس في البلد، وذلك من خلال العمل المشترك لإعادة الاعتبار” للمطالب الشعبية الأساسية..باعتبارها الأساس في أي حوار وطني وأية مفاوضات بين أبناء البلد الواحد”، وجاء بيان الاشهار بتاريخ 29/4/2019 على أهم الأفكار، التي تضمنتها المبادرة.

 

توزعت ديباجة ” المبادرة ” على ثلاثة محاور رئيسة :

في المحور الأول،تم توصيف ما آلت إليه سورية والسوريين بعد ثمانية سنوات من الصراع المسلح بين (النظام) وحلفائه من جهة،والمجموعات الجهادية المتطرفة وحلفائها وداعميها من جهة ثانية.

إن ما جاء في هذا المحور من توصيف لمسار الأحداث في سورية وما آلت إليه ، نعده صائبا بصورة عامة، مع أننا نأخذ عليه ، أنه وضع جميع أطراف الأزمة في المستوى ذاته، خلال مسار الأزمة، ولم يميز بين مراحلها المختلفة، وهذا غير صحيح، ولا يخدم الحل السياسي المنشود. لقد مرت انتفاضة الشعب السوري منذ انطلاقها في الخامس عشر من آذار لعام 2011 بخمسة مراحل رئيسة متمايزة، بدأت في أولها على شكل مظاهرات سلمية مدنية، ركزت راياتها على الوحدة الوطنية، وعبرت شعاراتها عن مطالب الشعب المحقة في الحرية والكرامة والديمقراطية. خلال هذه المرحلة التي استمرت نحو ستة أشهر، كان طابع الحراك وطنيا بامتياز.

وفي المرحلة الثانية ، بدأ الحراك الشعبي يزاوج بين المظاهرات السلمية ، وحمل السلاح بذريعة الدفاع عن النفس. في أواخر هذه المرحلة التي استمرت ما يقارب التسعة أشهر ، بدأت الانشقاقات عن المؤسسة العسكرية تتسارع ، لتشكل ما صار يعرف بـ”الجيش الحر”. خلال هذه المرحلة بدأت “أسلمة” الحراك وتطيفه، وبذلك بدأ يفقد طابعه الوطني ، ليصير مجرد طامح إلى السلطة ، ليقيم من خلالها “خلافة على منهاج النبوة”.

في المرحلة الثالثة ، فإن الصراع المسلح بين قوى النظام العسكرية والأمنية وحلفائه من جهة ، وما سمي بالجيش الحر والمقاتلين المحليين والأجانب من جهة ثانية ، أخذ يرسم معالم مشهد سورية . خلال هذه المرحلة غابت المظاهرات السلمية، وما صاحبها من شعارات وطنية جامعة حتى كادت تختفي ، لصالح بروز دور المسلحين،  فكثرت كتائبهم لتغطي كامل جغرافية سورية، ولتنتقل من وضعية الدفاع عن النفس، وعن المتظاهرين السلميين – كما كانوا يزعمون- إلى الهجوم، وصار هدفهم الوحيد ، هو إسقاط النظام بالقوة العسكرية ، لبناء دولة إسلامية. منذ هذه اللحظة التاريخية ، دخلت سورية في أزمة عميقة، وصار الحديث عن ثورة شعب، أو انتفاضة شعبية ، مجرد تعبيرات مجازية.

لقد استمرت هذه المرحلة نحو (ثلاث سنوات) على وجه التقريب، دخلت البلاد خلالها في حالة كارثية بكل المعاني الإنسانية، والسياسية، والأمنية، والاقتصادية، وأخذت الأوضاع تتفاقم وتنذر بما هو أسوأ ، حيث أخذ الضغط على التمايزات الدينية و الطائفية والقومية يزداد، خصوصا مع ظهور “داعش \ تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام ” على مسرح الأزمة، وكل ذلك زاد من مخاطر انهيار الدولة، وانتشار الفوضى، وتمزق الوحدة الاجتماعية للشعب. لذلك صارت قضية الحفاظ على الدولة من الانهيار ،هي القضية الرئيسة خلال هذه المرحلة، وبالعلاقة معها صار التمايز بين الوطنية ،واللاوطنية. في خريف عام 2015 ،وتحديدا مع بدء التدخل العسكري الروسي المباشر في الأزمة السورية ،بدأت مرحلة جديدة في مسار الأزمة السورية.

في ضوء الوقائع التي حكمت المراحل الثلاث السابقة ،قبل التدخل الروسي، لم يطرح الحل السياسي بصورة جدية ،لذلك تخلت الجامعة العربية عن دورها، واستقال كل من “كوفي عنان والأخضر الإبراهيمي” لإدراكهما المبكر ،بأن لا احدا من الأطراف المحلية والدولية والإقليمية ،يريد الحل السياسي، فظروفه لم تنضج بعد.في هذه الظروف جاء التدخل العسكري الروسي في سورية ،ليغير مجرى كثير من الأحداث منها:

أولاً؛ منع انهيار الدولة السورية، وأعاد التوازن إلى الميدان خلال السنة الأولى من تدخله، ليجعله يميل بصورة حاسمة ،لصالح الجيش السوري في سنته الثانية.

ثانياً؛ لقد سرع كثيرا من هزيمة قوى الإرهاب ،وخصوصا “داعش والنصرة”.

ثالثا، غير المعادلة الإقليمية لجهة الحد من تدخلها في الأزمة السورية ،دعما للقوى الجهادية المتطرفة، فصارت جميع القوى المتدخلة في الأزمة السورية ،تدرك استحالة إسقاط النظام بالقوة، بوجود روسيا على الأرض، فأخذت تميل إلى الحل السياسي، وإلى الواقعية بالتعاطي معه.

رابعا؛ بفضل التدخل الروسي صار مسار “أستانا” ممكنا، وحقق نجاحات جيدة لجهة هزيمة القوى الجهادية المتطرفة في مناطق واسعة من سورية ، وصار التعاطي مع مسار جنيف أكثر واقعية.

خامسا؛ إن التدخل الروسي الذي حمى الدولة السورية من الانهيار والسقوط، حال أيضا دون اسقاط النظام بالقوة من قبل المجموعات المسلحة. هذا الأثر الجانبي يعود إلى طبيعة النظام في سورية، وتغول شخوصه في الدولة. لقد أدرك الروس على عكس كثير من المعارضين ،أن اسقاط السلطة السورية، أو تنحي رئيسها تخت ضغط قوى الارهاب والتطرف ومن يدعمهم من دول ،(يعني) عمليا سقوط الدولة السورية، وبالتالي تمزق البلد، وهذا ما لم يسمحوا به.إن كل المطالب بالحرية والكرامة والديمقراطية،يصير لا معنى لها في حال انهارت الدولة ،وتمزق البلد والمجتمع.

خلال المراحل -الأنفة الذكر- اختلف كثيرا دور الجيش السوري، فإذا كان خلال المرحلة الأولى ،يؤدي دورا لصالح النظام في مواجهة الحراك ، فإن دوره خلال المراحل الثلاث التالية ، صار في خدمة الحفاظ على الدولة من الانهيار ،وهي مهمة وطنية بامتياز.

أما المرحلة الخامسة ، فقد بدأت مع توقف الجيش السوري عند تخوم (إدلب) وغرب نهر الفرات ، للتوزع سورية بذلك إلى ثلاث مناطق نفوذ ، سوف يكون لها تأثيرها على أي حل سياسي للأزمة السورية.

قد يعمل الجيش السوري على اعادة السيطرة على محافظة إدلب، لكن منطقة نفوذ تركيا في شمال حلب ، وفي (عفرين) ، وكذلك منطقة نفوذ أمريكا في شرق الفرات ، فهي تنتظر الحل السياسي لإعادة توحيدها مع منطقة سيطرة النظام.

لقد تجاهلت المبادرة خصوصية ، هذا الواقع وتأثيره الأكيد على مستقبل سورية، ولم تحدد أي موقف منه. إذ لا يكفي أن تعلن عن موقف مبدئي ضد الاحتلالات، وعلى موقف إجرائي لجدولة خروج القوات الأجنبية من سورية، بل الأهم هو مصارحة السوريين بتأثير هذا التواجد الأجنبي على مستقبل سورية ، وشكل نظامها السياسي.

في المحور الثاني من المبادرة ، الذي جاء تحت عنوان “نقاط انطلاق للحل السياسي” ، ركز أصحاب المبادرة على ضرورة ” تعبئة وانتساب أكبر عدد ممكن من السوريين داخل الوطن وخارجه” إلى قوام المبادرة التنظيمي، كنقطة ” انطلاق وارتكاز للحل السياسي” المنشود .

منطلقين من قناعة صائبة ، مفادها :”بأن ديمومة الوسائل الحالية في الحكم والإدارة والتفاوض والحوار لا يمكن أن تشكل خلاصا للوطن وتحررا للمواطن”، وإذ تحسن المبادرة في توجهها إلى كل “الأطراف السورية المستقلة القرار والإرادة، المؤمنة بسوريا دولة ديمقراطية مدنية عصرية، من أجل أوسع استقطاب وطني، ويشمل ذلك المجتمع الأهلي بالمعنى الواسع من قيادات اجتماعية ودينية ومدنية ، والمكونات السياسية والعسكريين، ” فإنها تخطئ في عدم الاشارة إلى إن هذه الدعوة تشمل الفئات المعنية سواء في الموالاة أم في المعارضة، وهذا مما ينقص قليلا من وطنيتها.

ومع أن معدوا ” المبادرة” ، ربما كانوا يضمرون ذلك عندما عادوا وأكدوا على أنه من الضروري جمع أكبر عدد ممكن من ” الوطنيين السوريين على منطلقات أساسية عملية، تجمعهم في مؤتمر وطني يجمع أكبر عدد ممكن من (ممثلي) مكونات المجتمع السوري، دون تهميش أو استبعاد لأحد”، مع ذلك كان عليهم اِلإشارة إلى الموالاة والمعارضة ، ولمن هم خارج التصنيفين المشار إليهما ، لكي يستقيم مفهوم “الوطنية”.

عرضت “المبادرة” في هذا المحور ، جملة من المبادئ العامة ، عدتها “نقاط انطلاق للحل السياسي” مع أن الكثير منها ، لا يعدو كونه نتيجة للحل ، وليس منطلقا له ، ويبدو لي أن معدو المبادرة ، تناسوا أن للحل السياسي ، طرف آخر، هو “النظام” بما يمثله سياسيا وجماهيريا، وما لديه من قوة مسيطرة على الأرض.

إن أغلب هذه المبادئ ،هي عبارة عن رغبات للمعارضة، وليست مطالب في الحقل السياسي، وهي تفترض أن السوريين يجمعون عليها ،وهذا خطأ. المطلب في الحقل السياسي يقبل النقاش والمساومة ، ويمتلك بعض عناصر تحققه، لذلك كان من الأفضل القول : ان هذه “النقاط” هي موضوعات للتفاوض، وليست منطلقا له.

للأسف الشديد، ونتيجة لتعقيدات الأزمة السورية، حتى “وحدة سورية أرضا وشعبا” ،صارت وجهة نظر، كل طرف يراها من زاوية مصالحه، ومصالح من يمثل من قوى وجهات داخلية أو خارجية. ثم كيف يمكن ايقاف مسار الحرب، وجميع أدواتها الحاكمة صارت بيد الخارج. وحتى اعادة الاعمار ، صارت شرطا في السياسة من قبل القوى القادرة عليها، وهي معلنة على الأقل من قبل الاتحاد الأوروبي، وامريكا وحلفائها.

وإذا كان مطلب ” إعادة بناء الجيش الوطني السوري، بعيدا عن الحزبية والعقائدية والإيديولوجيات والطائفية، جيش في خدمة وحماية الوطن والمواطن” ، وكذلك “إعادة هيكلة أجهزة الأمن على أساس مهني يلتزم معايير حقوق الإنسان ويعمل على حفظ أمن الوطن والمواطن” ، يخص المعارضة. لكنه بالنسبة للنظام وحلفائه ، يعد خطا أحمرا ، لا يجوز الاقتراب منه. إن انجاز هذا المطلب يحتاج من جهة إلىنظام سياسي مختلف، ومن جهة ثانية يحتاج إلى زمن.

يبدو لي ، أن المعارضة بمختلف أطيافها ، ومنهم اصحاب المبادرة ، لم يفهموا جيدا طبيعة النظام، وما ينطوي عليه من ممكنات للتغيير، فجاءت كثير من مطالبها تعجيزية ، غير قابلة للتنفيذ. لنلاحظ (مثلا) قضية المعتقلين، وهي سهلة التنفيذ عمليا، كيف حولها النظام إلى قضية تفاوضية، في رد فعل صريح على موقف المعارضة ، التي وضعتها خارج التفاوض، في حين يصالح المسلحين، بل ويستوعبهم في إطار مؤسساته الأمنية. كم من أم أو أب ، تمنيا لو كان ابنهم المعتقل ، بسبب أرائه السياسية ، قد حمل السلاح، لكان سهلا مصالحته بل واستيعابه في إطار التشكيلات الأمنية ، التي يديرها الروس او الحكومة .

من الجيد ، أن تتضمن المبادرة نصا يتعلق بتجريم “الكراهية الطائفية والعرقية والإرهاب”، لكن ذلك يتعلق بالثقافة الدينية ، التي سادت نتيجة الصراع المسلح،وكانت مستترة طائفيا قبله، وبالتالي لا يمكن معالجة  قضية ذات طابع ثقافي بإجراءات قانونية عقابية، بل بتغييرها، وهذا يكون عن طريق التنمية أولاً، وثانيا عن طريق اشراك الناس في إدارة شؤونهم الخاصة ، الأمر الذي تحققه اللامركزية، والاعتراف الدستوري بحقوق جميع الهويات القومية ، الأمر الذي تجاهلته المبادرة .

وفي مجمل الأحوال ، ينبغي أن يكون واضحا ، أن زمنا طويلا ،سوف يمر قبل أن تلتئم جروح الكراهية بأشكالها المختلفة، التي حفرها الصراع المسلح عميقا في النفوس، ربما تساهم باختصاره قليلا العدالة الانتقالية في حال التوافق عليها، وهذا أمر صعب جدا في ظروف الانقسام الوطني الحاصل.

ومع ان مطلقي المبادرة ، اعتبروا “الحوار السوري– السوري” ،هو السبيل الأمثل لتحقيقها، على أن يتم “خارج أية وصاية خارجية”، فهو أمر مشكوك في إمكانية تحققه ، حتى ولو تم”بضمانات واضحة من الأمم المتحدة”، إلا إذا توجه إلى الداخل السوري ، وأن يكون الموالون جزءا منه.

في المحور الثالث ، الذي جاء تحت عنوان ” ميثاق الوطن والمواطن” ، تم عرض جملة من المبادئ فوق دستورية ، كانت قد توافقت عليها المعارضة في مؤتمرها الأول ، الذي دعت إليه ، وأشرفت عليه الجامعة العربية في عام 2012، وكان قبل ذلك قد أقرها مؤتمر “حلبون” لهيئة التنسيق الوطنية في خريف 2011، هي أقرب إلى الرغبات الثقافية النخبوية ، منها إلى المطالب السياسية، مع ذلك من الجيد ان عدها مطلقو المبادرة ، قضايا للحوار بين السوريين ، علهم يتوافقون على أن تشكل “أساسا للعقد المجتمعي الجديد ” بينهم.

من حيث المبدأ ، نحسب المبادرة ، جيدة بصورة عامة، مع انها كغيرها تحركت في حقل المبادئ العامة وليس في الحقل السياسي، ومن الجيد أيضاً أن مطلقوها لم يحسبوا أنفسهم ممثلا ” عن الشعب السوري” كما فعل أغلب تشكيلات المعارضة في الخارج، ومن الجيد أيضا تأكيد المبادرين على أنهم لا “يتمتعون  بأية صفة ، أو ميزة خاصة فيها” ، وهذا في الواقع ما حفزنا للتفاعل معها.

ومن الجيد أيضا وأيضا ، إقرارهم بأن” الشعب هو وحده من يقرر مستقبل ومصير سورية” ، كما إن فكرة عقد مؤتمر وطني من أجل الحوار السوري – السوري ،هي فكرة جيدة، شريطة ان تشمل الموالين و المعارضين، وممثلين عن النظام وعن المعارضة ، بغير ذلك يكون مؤتمرا لمعارضين فقط ، وفي هذه الحالة ، لن تكون له أية قيمة مضافة.

في نهاية هذه القراءة في وثيقة “المبادرة الوطنية” ، نود التذكير ببعض الوقائع ، التي تزيد في طابعها الوطني (إذ ليس اكثر وطنية من ايجاد حل للأزمة)، وتجعلها اكثر واقعية في الحقل السياسي. من هذه الوقائع نذكر ما يأتي:

1-تغير الواقع الميداني كثيرا لصالح النظام وحلفائه في معركته ضد المعارضة المسلحة بكل تسمياتها.

2-تنامي النفوذ الروسي والايراني في سورية.

3-تراجع نفوذ الدول التي دعمت المعارضة المسلحة في الساحة السورية.

4- تحولات سياسية مهمة لدى كثير من الدول التي دعمت المعارضة السورية ، سواء السياسية منها أم المسلحة ، لجهة القبول ببقاء النظام في أية تسوية سياسية محتملة.

5-ضغط روسيا لتجاوز جميع القرارات الدولية التي صدرت بخصوص الأزمة السورية، والعمل على جعل الحل السياسي توافقي بين النظام والمعارضة من خلال اجراء حوار مباشر بينهما.

6-تسليم الدول الغربية والاقليمية والعربية بأهمية الدور الحاسم لروسيا في الأزمة السورية، القائم اساسا على مصالحها الاستراتيجية في سورية.

7-حصول تحولات مهمة في مزاج الشارع السوري، نتيجة معاناته الشديدة من الأزمة واستمرارها، فهو لم يعد يبالي بمن سوف يحكمه، بقدر ما يهتم بإيجاد حلول تخفف عنه معاناته ، وتوقف القتل والتدمير، وتؤمن له مقومات الحياة الطبيعية.

في ضوء الوقائع السابقة الذكر، وغيرها لم نذكره، فإن الحل السياسي ، الأكثر احتمالا وواقعية، للأزمة السورية ،سوف يقوم الروس بالتعاون مع ايران وتركيا بالدرجة الأولى، وامريكا وبعض الدول العربية، بالدرجة الثانية، بإنضاجه عبر مساري (استانا وسوتشي)، او عبر التفاهمات الدولية الثنائية، ليقوم المجتمع الدولي لاحقا بإخراجه عبر مسار “جنيف”.

غير ان ثمة احتمال آخر لعملية الاخراج ، وهو عقد مؤتمر وطني في دمشق ، يشارك فيه ممثلون عن جميع السوريين من المعارضة والمولاة، وهيئات المجتمع المدني المختلفة، وهو احتمال يمكن أن يفضله النظام على مسار جنيف، وينبغي ان لا ترفضه المعارضة في حال تأمنت لها ظروف المشاركة فيه بحرية. يرجح أن يتضمن هذا الحل المحتمل ما يأتي:

أ‌-اعداد دستور ديمقراطي جديد لسورية، من قبل لجنة من الخبراء الدستوريين السوريين يتم التوافق عليها من قبل النظام وحلفائه، والمعارضة وحلفائها، بمساعدة الأمم المتحدة، يؤكد على بقاء النظام الرئاسي.

ب‌-بقاء العمل بالدستور الحالي معمولا به خلال الفترة التي يطلبها اعداد الدستور الجديد واقراره، وربما يستمر ذلك حتى انتهاء الولاية الدستورية الحالية للرئيس، بل ليس مستبعدا ان لا يتم انجاز ذلك قبل بدء الولاية الثانية له، وهو سوف يدفع بهذا الاتجاه.

ت‌- بقاء الرئيس في منصبه حتى نهاية ولايته الحالية، وليس مستبعدا بقائه في منصبه الولاية الثانية كاملة .

ث‌-الاحتفاظ بالأجهزة العسكرية والأمنية على حالها، إلى ما بعد اجراء انتخابات رئاسية وتشريعية جديدة، والتي على الأرجح لن تحصل قبل عام 2021.

ج‌- بناء الدولة السورية سوف يلحظ نقل مزيد من الصلاحيات إلى المحافظات من خلال تفعيل قانون الادارة المحلية، وربما اعداد قانون جديد او تطوير القانون الحالي.

ح‌-منح الكرد ومن في حكمهم نوعا من الإدارة الذاتية الثقافية .

خ‌-السماح بالعمل الحزبي والنقابي بعيدا عن الدولة، واخراج حزب البعث من جميع مؤسساتها وأجهزتها.

د‌-استيعاب بعض عناصر المعارضة المسلحة في اجهزة الشرطة، وقوات حفظ النظام العام في المحافظات.

ذ‌-تشكيل حكومة وحدة وطنية تشارك فيها المعارضة، وتمنح صلاحيات أكبر خصوصا لجهة العمل على اعادة الاعمار، وتطبيع الحياة السياسية والاجتماعية، وتأمين عودة المهجرين والنازحين إلى  مناطقهم .

هذا السيناريو ، الذي يعمل عليه الروس بالدرجة الأولى، لن يؤدي إلى تغيير النظام بصورة جذرية وشاملة إلا على المدى البعيد، وعلى افتراض ان النظام لن يلغيه ، بمجرد ان يتمكن من جديد في حكم البلد.

ثمة قضيتان لا ينبغي للمعارضة المساومة عليهما ، او التنازل عنهما في أية عملية سياسية تفاوضية: الأولى وهي قضية ان يكون الدستور ديمقراطي حقيقي، والقضية الثانية ضمان نزاهة الانتخابات، ما عدى ذلك فهو يقبل التفاوض والمساومة.

وفي مجمل الأحوال ،فإن المعارضة الحقيقية بمختلف أطيافها ،تمتلك حق الفيتو ،والقول “لا” ، لأي حل سياسي لا يلبي المطلب الرئيس للشعب السوري، وذلك بالانتقال إلى نظام ديمقراطي حقيقي مشبع بقيم الحرية والمسؤولية والقانون، وضمان نزاهة أية انتخابات قادمة، وعليها ان تستخدم هذا الحق في حال لم يتحقق هذا المطلب الرئيس.

بطبيعة الحال ،قد لا يغير ذلك من مجريات الحل ،لكنه يبقى استثمار في التاريخ القادم. إنها مرحلة عصيبة بلا شك مرحلة الخروج من الأزمة السورية ،خصوصا، وان معالم هذا الخروج لا يحددها السوريون بأنفسهم، بل دول أجنبية عديدة متدخلة فيها، لا يهمها منها ،سوى التأمين على مصالحها على المدى البعيد.

لكن ذلك ليس نهاية المطاف والتاريخ لا ينتهي هنا، فالشعب السوري الذي كان امثولة في التضحية في سبيل حريته وكرامته، وفي سبيل نظام ديمقراطي حقيقي، لا بد حاصل  عليها، وفي مستقبل ليس ببعيد.

طباعة
هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها