aren

هل ستستمرّ الهيمنة الأميركيّة العالميّة لقرنٍ آخر؟ \\ كتابة : أسعد أبو خليل
السبت - 24 - نوفمبر - 2018

 

20181123234046540636786132465404538

تملك أميركا ربع الثروة العالميّة وتسجّل ٣٥٪ من الابتكارات العالميّة (أ ف ب )

الكتابُ الذي صدرَ حديثاً عن دار نشر جامعة كورنيل جديرٌ بالقراءة: «بلا منافسة: لماذا ستبقى أميركا القوّة العالميّة العظمى الوحيدة» لمايكل باكلي. الكتاب لا يحيدُ عن سياق الإجماع الأكاديمي الأميركي حول صوابيّة، لا بل ضرورة، السيادة الأميركيّة العالميّة، لكنه يُفصِّلُ إلى درجة كبيرة حقيقة قدرة الصين وروسيا على منافسة أميركا في العالم. وهذا الكاتب ضروري للقراء العرب لأننا – بسبب رفضنا للهيمنة الأميركيّة في العالم – ننساقُ وراء أوهامٍ حول منافسين لا قدرةَ أو رغبة لهم على تحدّي أميركا.

إعلام الممانعة – خصوصاً لكن ليس حصراً محطة «الميادين» – بالغَ كثيراً في التعويل على بروز محور «بريكس» كمنافس جدّي للهيمنة الأميركيّة. لكن المحور ليس إلا لقاء مناسبات، وما يفرّقُ بين أعضائه أكثر مما يجمعُه. إن احتمالَ نشوب حرب بين الصين والهند، مثلاً، أكبر من احتمال نشوب حرب بين الصين والولايات المتحدة. إن ثمن تحدّي الولايات المتحدة باهظٌ في عصر السيطرة الاحتكاريّة الوحدانيّة، وأنساق عقوبات الحكومة الأميركيّة مؤثّر كما أنساق المساعدات الأميركيّة (المشروطة دوماً).

كتاب باكلي يُحفِّز على إعادة النظر في تقييم أجل الإمبراطوريّة الأميركيّة وفي تقدير إمكانيّات بروز قوى مضادة أو منافسة لها. لكن إعادة النظر لا تعني التسليم بحتميّة الهيمنة الأميركيّة، أو أن عوامل سقوط أو صعود امبراطوريّة يمكن أن تُحتَسب علميّاً.

هناك عوامل تؤثّر في صعود أو سقوط الامبراطوريّة. لو أن أنور السادات كان رئيساً لمصر في أزمة السويس لم تكن الامبراطوريّة البريطانيّة ستتعرّض لإذلالٍ قاتلٍ لها – ولم يكن السادات في وارد تأميم القناة. وقرار يوليوس قيصر بفتح بلاد الغال (ولم يكن قرارُه يحظى بتأييد مجلس الشيوخ في روما) وسّعَ حدود الامبراطوريّة الرومانيّة إلى مساحة لم يسبقه إليها قيصر من قبله.

أي أن قرار يوليوس قيصر (قبل أن يكون قيصراً) بشنِّ حرب ضد بلاد الغال كان يمكن أن يؤدّي إلى إضعاف الامبراطوريّة لا إلى إعلاء شأنها. ولو أن هتلر لم يتخذ قراره بغزو روسيا لكان أجلُ الامبراطوريّة التي باشر في إنشائها قد امتدَّ لسنوات، أو لعقود.

يعترف باكلي أن مؤشّرات التصنيف الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعيّة لا تضع الولايات المتحدة في موضع الصدارة حول العالم (والمؤلّف يقبل بتراتبيّات التصنيف بلا كيف، حتى التراتبيات السياسيّة مثل «فريدوم هاوس» أو ترتيب الفساد لمنظمة «الشفافية الدوليّة» واللتيْن تعتريهما معايير بعيدة من العلميّة).

يعترف باكلي (ص. ١) أن عدداً من المقاييس لا يضع أميركا في المرتبة الأولى في العالم: هي في المرتبة السابعة في نسبة التعلّم، وفي المرتبة الحادية عشرة في البنى التحتيّة، وفي المرتبة الثامنة والعشرين في الفعالية الحكوميّة، وفي المرتبة السابعة والخمسين في التعليم الأوّلي، وفي المرتبة الثالثة والأربعين في متوسّط العمر المتوقّع، وفي المرتبة السادسة والخمسين في نسبة وفاة الأطفال، والأولى في نسبة الإدمان على العقاقير الأفيونيّة، وهناك أكثر من مئة دولة ذات مستوى دخل أكثر عدلاً، و١٢ دولة تتمتّع بمستويات أعلى من السعادة.

لكن في المقابل هناك تفوّق أميركي كبير وواضح في تلك المعايير التي تحتُسب كناصر القوّة العالميّة، أو الامبراطوريّة. هي تملك ربع الثروة العالميّة (بالرغم من أن سكانها يبلغون ٥٪ فقط من سكّان الأرض)، وتسجّل ٣٥٪ من الابتكارات العالميّة و٤٠٪ من الإنفاق العسكري العالمي. وهي مقرّ لـ٦٠٠ شركة من أصل ٢٠٠٠ شركة الأكثر ربحاً في العالم، ولـ٥٠ من أصل «مئة أفضل جامعة في العالم».

أما التفوّق والانتشار العسكري فهذا جليّ: إذ هي تنتشر في ٨٠٠ قاعدة (والمؤلّف يورد رقم ٥٨٧ قاعدة عسكريّة) في ٤٢ دولة في العالم.

إن التفوّق الأميركي، خصوصاً بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، لا شكَّ فيه وليس هناك مِن عوامل تقلّل منه حاليّاً بالرغم من تحديّات سياسيّة وتعثّرات عسكريّة. لم يبالغ بول كنيدي عندما وصف الامبراطوريّة الأميركيّة بأنها «أعظم قوّة عظمى قطّ» (بول كنيدي، «أعظم قوة عظمى قطّ»، مجلة «نيو برسبكتيف كوارترلي» —وقد اعتمد كنيدي في تعميمه عن حجم الامبراطوريّة الأميركيّة على مقارنة في تاريخ الامبراطوريّات على مدى ٥٠٠ سنة في كتابه «صعود وسقوط القوى العظمى»).

والمقارنة بين حاملات الطائرات العملاقة الأميركيّة (بعددها العشرين مقابل واحدة للصين وواحدة لروسيا) يظهر حجم التفاوت في القدرات العسكريّة – على الأقل بهذا المؤشّر لأنه يحدّد القدرة على الانتشار السريع والمتسع حول العالم. ومحقٌ كنيدي في وصفه لحاملة الطائرات الأميركيّة «إنتربرايز» بأنها «بلدة صغيرة» تعيش خلف هيكل معدني، بطول ١١٠٠ قدم وعرض ٢٥٠ قدماً، وبعلو يقارب مبنىً من عشرين طابقاً.

وهي تحمل طاقماً مؤلّفاً من ٣٢٠٠ بحّار لإدارة السفينة فيما يعمل، فوق ذلك، ٢٤٠٠ طيار وأطقم قوات جويّة لخدمة سبعين طائرة حديثة. والحاملة لا تسافر وحيدة بل يصحبها طراد على طراز «إيجيس»، ومجموعة من الطرادات والمدمّرات، وسفن إمداد. ويقول كنيدي إن ثمن تشغيل حاملة طائرات يقارب ميزانيّات عسكريّة لعدد من الدول (ص. ٨ من مقالته).

لكن هذا التفوّق العسكري ليس وحده المسؤول عن ديمومة الامبراطوريّة الأميركيّة، بحسب المؤلّف باكلي بل هناك عامل التفوّق الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. إن خلاصة الكتاب تكمن في تحدّي النظريّة السائدة حول حتميّة صعود الصين، والمحاججة أن نظريّات الصعود الصيني تعتمد على معايير مغلوطة وتقلِّل من مكامن الضعف في الدولة الصينيّة.

يقول باكلي إن المقارنة بين القوّة الصينيّة والأميركيّة تعتمد خطأً على معايير تقليديّة للقوّة، أي الناتج المحلّي الإجمالي والإنفاق العسكري من دون حسبان ما يؤثّر في صعود القوّة، أي الإنفاق العسكري الذي يذهب لضبط الأمن في البلاد ويمنع القلاقل، وأن هذا يقلّل من حجم الإنفاق العسكري الصيني لا الأميركي (لأن ميزانيّة الدفاع الأميركيّة هي مكرّسة لدور الهيمنة العالميّة فيما تقوم قوى الأمن المحليّة بضبط الأمن ومنع القلاقل من ميزانيّة محليّة لا تندرج في ميزانيّة الدفاع).

ويضع المؤلّف الهند والصين ضمن دول تزيد من إنفاقها العسكري ومن حجم اقتصادهما إلا أنهما مثقلتان بإنفاق هائل للرعاية الاجتماعيّة والأمن الداخلي إلى حدّ منهك لاقتصادهما – ولقدراتهما العسكريّة.

ويقول المؤلّف إن نظريّة أجل الامبراطوريّات (أي أنها محدودة بزمن محدَّد) لا تنطبق على الامبراطوريّة الأميركيّة لأنّها، خلافاً لامبراطوريّات بادت، تتمتّع بعناصر قوّة جغرافيّة وديموغرافيّة ومؤسّساتيّة لم يسبق لامبراطوريّة أن تمتّعت بها. ويدعم المؤلّف نظريّته بالقول إن عناصر القوّة للامبراطوريّة الأميركيّة تشمل كل المجالات – خلافاً لسابقاتها.

لكن هذا هو مكمن الضعف، والانحياز السياسي، في كتاب يتوخّى العلميّة: إذ إن المؤلّف يقلّل من عناصر القوّة الصينيّة ويعظّم من عناصر القوّة الأميركيّة مهملاً في آن عناصر الضعف الأميركيّة. والمؤلّف بناء على الحروب العالميّة أو الإقليميّة بين قوّة حديثة صاعدة وبين قوّة أخرى مهيمنة (ستة عشرة مرّة في الخمسمئة سنة الماضية) يخلص إلى القول إن إمكانيّة حدوث ذلك ضد الإمبراطوريّة الأميركيّة معدوم.

لكن ذلك معدوم اليوم، فيكف له أن يتوقّع ذلك مستقبلاً؟ يقول إن ذلك مستحيل على ضوء عناصر القوّة الحاليّة وفيه هذا دعم لحجّته. لكنه لا يفسّر كيف أن قوى غير صاعدة بتاتاً (مثل «طالبان» في أفغانستان أو المقاومات – على أنواعها – ضد الاحتلال الأميركي في العراق) نجحت في السنوات الأخيرة من إفشال هيمنة الامبراطوريّة «الحتميّة».

في الموضوع الاقتصادي، أو في تحليل عناصر القوّة الاقتصاديّة بين الصين وأميركا، يخلص المؤلّف إلى أن احتساب قوّة الصين على أساس الناتج المحلّي الإجمالي لا يعطي صورة حقيقيّة عن قوّة الصين، وهو يفضّل عليه احتساب الناتج المحلّي الخالص بالنسبة إلى الفرد.

يرى أن الصين مثقلة بأعباء الرعاية الاجتماعيّة وإطعام عدد هائل من السكّان (وأن هذا العبء يصيب أيضاً القوّات المسلّحة حيث تذهب نسبة كبيرة من الميزانيّة على أعباء خارج نطاق نظم التسليح)، إضافة إلى عبء ضبط الأمن (وهذا العبء هو أقلّ بكثير في الحالة الأميركيّة). ويقارن بين الشركات الصينيّة والشركات الأميركيّة ويخلص إلى أن الأخيرة أنجع وأكثر إنتاجاً من الصينيّة. يستشهد بدراسة تقول إن العامل والشركات الأميركيّة هي أكثر إنتاجاً من العامل والشركات الصينيّة بسبع مرّات.

وفي المقارنة العسكريّة يرى أن القدرات العسكريّة الأميركيّة متفوّقة على القدرات الصينيّة بنسبة «بين خمس وعشر مرات»، ويرى أن النجاح العسكري الصيني لن يتخطّى في حالة مواجهة مباشرة بين الجبّاريْن مسافة بضع مئات من الأميال من الأراضي الصينيّة، فيما تتفوّق أميركا – وتقدر أن تمنع السيطرة الصينيّة في الجوّ والبحر – في كل شرق وجنوب آسيا، وأن أميركا تستطيع أن تمنع الصين من غزو تايوان.

ويُعمِّم الكاتب كثيراً في استنتاجاته، كما يقرّر، مثلاً، أن قدرات النظم التسليحيّة الصينيّة هي نحو نصف قدرات أميركا، لكنه لا يعطي عناصر محدّدة لتقرير ذلك في غياب مواجهة حربيّة أو اختبار على الأرض لتلك القدرات. هو يستشهد بأرقام تشير إلى أن تدريب الطيّارين والجنود الصينيّين يستغرق أقلّ من نصف مدّة تدريب الطيّارين والجنود الأميركيّين.

والنقيصة الكبرى للقدرات العسكريّة الصينيّة تكمن في انعدام تجربة القتال المباشر لأن آخر تجربة قتاليّة للصين كانت في الحرب المحدودة مع فييتنام في ١٩٧٩. وكلفة إعداد عناصر القوّات العسكريّة الصينيّة هي أكثر بنسبة ٢٥٪ من كلفة إعداد العناصر الأميركيّة، كما أن كلفة ضبط الأمن الداخلي في الصين تستحوذ على ٣٥٪ من الميزانيّة العسكريّة وتستخدم نصف عناصر الجيش المتفرّغ.

لكن أميركا منتشرة حول العالم وهي غارقة في قائمة طويلة من الحروب والصراعات والتدخّلات العسكريّة مما يحدّ من حريّة تحرّكها وهذا لا يثقل الصين على رغم أنها أكثر قدرة من الصين على نقل قوّاتها ونشرها بسرعة. والتجربة القتاليّة للقوّات المسلّحة الأميركيّة هي عامل قوّة تدريبيّة (وتجريبيّة للسلاح) لكنها من ناحية أخرى دليل على محدوديّة قدرة القوة المسلّحة على فرض إرادة امبراطوريّة. هذا العامل غائب تماماً عن حسبان باكلي.

إن الفصل في تحديد أجل قوة عظمى، أو في إجراء مقارنة بين قوتيْن عالميّتيْن، لا يمكن إلا أن يتقرّر بناء على الاعتماد على معايير القوّة الصلبة فقط. فـ«مجلس الاستخبارات الوطني»، الذي يقدّم مشورة للرئيس الأميركي حول أخطار الأمن القومي البعيدة المدى، يعتمد على معايير الإنفاق العسكري والإنفاق على الأبحاث والتطوير، والناتج المحلّي الإجمالي، إضافة إلى العامل الديموغرافي. المؤلّف يعتمد في المقارنة العسكريّة على معيار «سينك»، الذي يشتمل على معايير الإنفاق العسكري والقوّات المسلّحة والسكان والسكّان المدينيّين وإنتاج الحديد والفولاذ واستهلاك الطاقة.

لكن المؤلّف يختلف (عن حق) في معارضته لمعيار «سينك» بسبب إهمال نوعيّة المستوى والمهارة والتكنولوجيا العسكريّة بين الدول (ص. ١٧).

ومن الصعب الاختلاف مع المؤلّف في رفضه النظريّة السائدة التي تترقّب موعد تفوّق حجم الناتج المحلّي الإجمالي للصين على حجم الناتج الأميركي (والموعد بعد سنوات على افتراض نسب نموّ مقبولة للصين، وهذا الموعد مُنتظر في العقد المُقبل) أو موعد تخطّي نسبة الاقتصاد الصيني من الاقتصاد العالمي نسبة الاقتصاد الأميركي على أنه مؤشّر حتمي على صعود أكيد للامبراطوريّة الصينيّة وتفوّقها على المنافس الأميركي.

(إن حجم الناتج الصيني اليوم هو ١٢ تريليون دولار مقابل ١٩ تريليوناً للناتج الأميركي، ونسبة الاقتصاد الصيني من الاقتصاد العالمي هي ١٥٪ فيما نسبة الاقتصاد الأميركي هي ٢٤٪، فيما كانت تلك النسب في عام ١٩٨٤ هي ٢،٧٪ للصين و٣٤٪ لأميركا، مما يعطي فكرة عن النموّ الصيني).

المؤلّف يأخذ في الاعتبار صعوبات في الاقتصاد الصيني وانخفاض نسبة النموّ (كما يذكّر بنظريّات الصعود الياباني في الستينيّات وهي أصبحت بائدة)، إضافة إلى أن الاقتصاد وحده لا يُقرّر النصر والهزيمة العسكريّة. وأفضل مثال يستعين به المؤلّف هو «حربيْ الأفيون» في القرن التاسع عشر بين الصين وبريطانيا.

فالصين تمتّعت بأكبر ناتج محلّي إجمالي وأكبر قوّة عسكريّة في العالم حتى نهاية القرن التاسع عشر لكنها مُنيت «بقرن من الإذلال» في الحروب (على قول المؤلّف، ص. ٢٠). (وحروب الأفيون هي أفضل مثال عن الوحشيّة الاستعماريّة الغربيّة، إذ إن بريطانيا اكتشفت أن إيراد بيع الأفيون في السوق السوداء في الصين يفوق إيراد بيع الفضّة، فقرّرت تهريب نحو ١٢ طنّاً من الأفيون في السنة.

وعندما حاولت الصين منع تهريب الأفيون، شنّت بريطانيا الحرب على الصين ولم تكتفِ بالنصر العسكري بل ألحقته بشروط وتعويضات مُذلّة، كما أنها في ما يُعرف بـ«حرب الأفيون الثانية» أصرّت على حقها في تهريب الأفيون وبيعه في السوق الصينيّة). وهذا المثال يدعم نظريّة المؤلّف بأن بريطانيا كانت أقوى من الصين في القرن التاسع عشر على رغم تفوّق الصين في المؤشرات الكلاسيكيّة للقوة العسكريّة والاقتصاديّة.

كما أن الإنتاج الاقتصادي يشمل الإنفاق الحكومي: وتوظيف أناس في مجال «الذباب الإلكتروني» مثلاً يختلف عن توظيف الناس لبناء الجسور. والإنفاق على «الأبحاث والتطوير» لا يضمن الإتيان بنتائج.

وهو يستشهد بالتجربة السوفياتيّة، حيث زاد الإنفاق السوفياتي على «الأبحاث والتطوير» والتوظيف العلمي باضطراد من الستينيّات حتى الثمانينيّات، لكن عدد الابتكارات والنماذج التصنيعيّة وبراءات الاختراع والمنتوجات المربحة والجوائز العلميّة العالميّة انخفض. في عام ١٩٨٥، باعت أميركا ٧ ملايين حاسوب بينما لم ينتج الاتحاد السوفياتي إلا ٩٠٠٠ (ص. ٣٠).

هناك يُقحم المؤلّف نظريّته بأن أعباء الرعاية الاجتماعيّة استهلكت نصف موارد الحكومة، وبرامج الدعم الغذائي نالت حصّة ٣٠٪ من الميزانيّة السوفياتيّة في الثمانينيّات. هنا يظهر انحياز المؤلّف اللاإنساني: فالسباق الرأسمالي لا يأخذ في الاعتبار العناية بالفقراء والمعوزين والمحتاجين. هذه، بالنسبة له، أعباء تعيق عمليّة المنافسة الامبراطوريّة التي تعلو على كلّ ما عداها من اعتبارات حتى لو طحنت الناس في البلد، أو في الدول النامية.

والعون الأممي الذي قدّمه الاتحاد السوفياتي هو أيضاً كان عبئاً معيقاً للصعود الامبراطوري (قدّمت موسكو بين ٢ إلى ٤٪ من ناتجها الداخلي الإجمالي إلى الدول الحليفة فيما لم تنفق الحكومة الأميركيّة أكثر من ٠،٣٪ من الناتج الإجمالي على برامج المساعدات الخارجيّة).

ولا يرى المؤلّف في المؤشّرات الصينيّة إلا السلبي منها، وإن كانت هذه المؤشّرات ستعرقل أي طموح صيني للصعود الامبراطوري. التعليم الرسمي في الصين، مثلاً، لا يشمل إلا المرحلة المتوسّطة، وعلى رغم زيادة عدد الجامعات بنحو الضعف، فإن نسبة العمّال الحائزين على شهادة جامعيّة لا يتعدَّى العشرة في المئة (مقارنة بـ٤٤٪ في أميركا، ص. ٣٦).

وفي تراتبيّة الجامعات العالميّة ليس هناك إلا جامعتيْن في أوّل مئة جامعة، وسبعة فقط في أوّل مئتيْ جامعة، فيما تضم أميركا خمسين من أصل أوّل مئة جامعة و٧٧ من أصل أوّل مئتيْ جامعة. وهجرة الأدمغة لا تزال مشكلة تعاني منها الصين، ولا تعاني منها أميركا البتّة. تستولي أميركا سنويّاً على ٣٥٠٠ عالم ومهندس صيني، ونحو مليون من كل بلاد العالم (بمن فيهم ٢٠ ألف «مخترع» و١٠ آلاف عالم ومهندس).

الصين تحاول عكس هجرة الأدمغة عبر تقديم إغراءات ماليّة (بقيمة ١٦٠،٠٠٠ دولار للفرد لكن البرنامج جذب علماء في أعمار أقل إنتاجاً وابتكاراً: ٩٠٪ من العائدين كانوا من أعمار تزيد على الخمسة والأربعين، ص. ٣٨). وحتى مادة «صنع في الصين» لا تؤشّر بالضرورة على تفوّق تجاري – صناعي صيني لأن باكلي يذكّر بأن أكثر من نصف محتويات التصنيع الصيني مصنوع في أميركا نفسها.

ويستخف بمشاريع البنى التحتيّة لأنه يقول إن ٦٠٪ منها تكلّف أكثر مما ستجني من عائدات اقتصاديّة (يدلّل على «مدن الأشباح» التي يبدو أنها ستعمّ السعوديّة).

لكن في المقابل لا يستشهد المؤلّف في مؤشّرات لمصلحة الصين – وقد وردت قبل أيّام في تقارير مسهبة في «نيويورك تايمز». إن الصين باتت تحتلّ المرتبة الأولى في العالم في نسبة تملّك المنازل واستعمال الإنترنت وعدد خرّيجي الجامعات (لكن المؤلّف يذكّر بأن ربع مواد التعليم الجامعي يغطّي تدريس الماركسيّة الإجباري، فيما ينفق الجنود نحو ٢٠ -٣٠٪ من وقت دراستهم لدراسة العقيدة الشيوعيّة، ص. ٦٧).

وقد انخفضت نسبة الفقر المدقع بين السكّان إلى أقلّ من ١٪. وهناك عناصر يصعب تقنينها رقميّاً، مثل الأرقام. فالشعب الصيني بات أكثر تفاؤلاً بالمستقبل من الشعب الأوروبي والشعب الأميركي – المزهو بـ«الحلم الأميركي». كيف لا يتفاءل الصينيّون وقد عاشوا تجربة رفع ٨٠٠ مليون نسمة من الفقر؟ ومواليد عام ٢٠١٣ في الصين يُتوقّع أن يعيشوا سبع سنوات أكثر من الذين وُلدوا في عام ١٩٩٠ (عشر سنوات أكثر للنساء).

وكانت الصين تقود العالم في عدد الفقراء وباتت تقوده في حجم الطبقة المتوسّطة. (لكن النمو الاقتصادي الصيني زاد نسبة التفاوت الطبقي بنسبة تقارب نسبتها في أميركا – وهي من أكثر دول العالم مع إسرائيل في التفاوت الطبقي).

لا يعترف المؤلّف بقدرة الصين على فرض هيمنة إقليميّة، ولا حتى باحتلال تايوان. يقول إن الوجود العسكري الأميركي الهائل في شرق آسيا سيحدّ من طموحات الصين. وعقيدة الأمن القومي لإدارة ترامب عبّرت عن مخاوف من بروز منافسة صينيّة أو روسيّة: والبناء العسكري موجّه ضد ذلك، بما فيه زيادة سفن البحريّة من ٢٧٢ سفينة حاليّة إلى ٣٥٠ على مدى العقود الثلاثة المقبلة. وهذا البناء هو لصدّ القوّة الصينيّة.

يرسم المؤلّف صورة برّاقة عن مستقبل الامبراطوريّة الأميركيّة بناء على فكر يمزج بين التقييم الواقعي الحقيقي المسنود بحقائق وبين فكر التمنّي الذي يُقلّل من قوّة الخصم. وهو يرفض إمكانيّة تطبيق نظريّة «ميزان القوى» لأن ليس هناك من تحالف يمكن أن ينافس التحالف الذي تعقده أميركا (بالقوّة وبالمال) مع ٦٨ دولة في العالم (ص. ١٠٥).

لكن حتى لو سلّمنا بصحّة تقديرات المؤلّف فإنها يجب أن تترافق مع تقدير للعوامل الذاتيّة التي يمكن أن تدمِّر الجموح الإمبراطوري من الداخل. ولا يجب أن تشكّل مواد الكتاب دافعاً للاستسلام أمام هيمنة عالميّة جائرة بل يجب أن تشحذ الهمم.

“الاخبار”

طباعة