aren

هل أصبح بوتين في وضع غير مريح؟
الأحد - 21 - يوليو - 2019

احتجاجات روسية

التجدد – (خاص) مكتب واشنطن

تظاهر أكثر من (عشرين ألف) شخص من المعارضة الروسية، أمس السبت، وسط موسكو، ورددوا هتافات «روسيا ستكون حرة» و«هذه مدينتنا»، وذلك بعدما أبطلت السلطات ، عشرات من المرشحين المناوئين للسلطة للانتخابات البرلمانية في العاصمة “موسكو”. وجاءت دعوة المعارضة إلى التظاهرة، بعدما رفضت السلطات ، ترشح نحو (60) شخصا لانتخابات برلمان موسكو، في اقتراع مرتقب في سبتمبر/‏أيلول المقبل.

طالب المتظاهرون بانتخابات حرة وعادلة ، ، فيما رفع بعضهم في جادة وسط موسكو، علم البلاد ، ولافتات كتب عليها «لا لبوتين»، و«لي الحق في التصويت»، حيث أشارت منظمة «وايت كاونتر» غير الحكومية، إلى أن ما لا يقل عن 22,500 شخص ، شاركوا في هذا التجمع، الذي يعد الاكبر للمعارضة الروسية – حتى الآن-

واستبعدت الهيئة الانتخابية في موسكو ،الأربعاء، 57 مرشحاً، أغلبيتهم من المعارضين ، بسبب أوجه نقص شكلية، أو مخالفات، الأمر الذي يندد به هؤلاء. ودعي سكان العاصمة إلى المشاركة في الانتخابات الإقليمية والمحلية في 8 سبتمبر/‏أيلول المقبل، لانتخاب (45) نائباً بالبرلمان المحلي. وينص القانون الانتخابي على أن يجمع المرشحون المستقلون ، تواقيع ما لا يقل عن 3% من المسجلين على اللوائح الانتخابية في كل دائرة بالعاصمة، أي ما يوازي توقيع (5 آلاف)، لكي يسمح لهم بالمشاركة.

في محاولة لفهم حقيقة مايحدث في شوارع موسكو ، جهات متابعة لهذا المسار السياسي الداخلي الروسي، تكشف لـ”موقع التجدد الاخباري”،تدرج فصول الازمة المستجدة،وذلك انطلاقا من الاجابة على التساؤل التالي:

ما الذي يحتج عليه الروس ، فعلا؟

بينما يطلق خبراء اقتصاد روس ، تحذيراتهم ، من أن البلاد معرضة لخطر اندلاع الاحتجاجات، الناجمة عن انخفاض مستويات المعيشة ،وانتشار الفقر، ينظر آخرون الى هذا الافتراض،بانه خاطئ، وبان أصحابه ، يمثلون التكنوقراط الليبراليين ، من الذين يعملون داخل النظام (غير) الليبرالي للرئيس الروسي فلاديمير (بوتين).

ويرى هؤلاء في تقييم الاضطرابات الاجتماعية الحالية في روسيا، انها خليط من الإحباط الاقتصادي ، وبين شيء أكثر أهمية بكثير: الكفاح من أجل الكرامة. ففي الجانب الاقتصادي من طبيعة الاحتجاجات الاجتماعية الحالية ، لدى الروس شكاوى اقتصادية خطيرة، خاصة في ظل الانخفاض بالدخل الأسري الحقيقي ، والثابت منذ عام 2014 ، بالاضافة الى ان الاستهلاك الخاص ، أصبح ضعيفا للغاية.

وكمثال على ماحصل ، يستذكر المتابعون ، ماحدث بالعام الماضي، عندما نفذت الحكومة إصلاحات جذرية في المعاشات التقاعدية – والتي، من بين أمور أخرى، رفعت سن التقاعد بخمس سنوات – كانت الاحتجاجات الشعبية هائلة ، بما يكفي لإجبار بوتين ، ليس فقط للدفاع عن السياسة علنا، بل أيضا لتقديم بعض التنازلات. وفي الواقع، لم يكن الروس ، مقتنعين تماما بحجج بوتين، كما تراجعت ثقة الشعب في الحكومة بشكل ملحوظ.

على الرغم من تلاشي الاحتجاجات على إصلاحات المعاشات التقاعدية (جزئيا بسبب بعض الاعتقالات من قبل القوات الحكومية)، فقد عاقب الناخبون ، حزب روسيا المتحدة لبوتين في الانتخابات الإقليمية خلال سبتمبر/ أيلول، حيث انخفض معدل تأييد بوتين – من حوالي 80٪ – إلى 64 – 68٪ ، منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2018.

بوتين

ثم عاد ، وأصبح (بوتين) ، يتمتع بشعبية كبيرة ، كما كان قبل ضم شبه جزيرة القرم، وقد ساهم الخطاب القومي في تعزيز موقفه، فيما يرى البعض انه وبعد “خمس سنوات”، يبدو أن هذا التكتيك لن ينجح مرة أخرى، في هذه الأيام، لم يعد يبدو أن الروس مقتنعون بالخطاب المعادي للغرب ، والخطاب العسكري.

مع ذلك، تظل معدلات تأييد بويتن ، مستقرة، على الرغم من كونها أقل من المرغوب، مما يشير إلى أن الروس قد قبلوا إلى حد كبير الأزمة الاقتصادية ، باعتبارها “طبيعية”، ولكن هذا لا يعني أن الروس على استعداد لقبول سلوكيات “طبيعية” أخرى من قبل حكومتهم.

-وعلى سبيل المثال – يلفت هؤلاء (خبراء الشأن الداخلي الروسي) ، النظر للاحتجاجات ، التي اندلعت في شهر مايو/ أيار في مدينة “ايكاترينبرج”، رابع أكثر مدن روسيا ، اكتظاظا بالسكان، حول خطط الحكومة لبناء كاتدرائية أرثوذكسية جديدة في واحدة من المناطق الخضراء ، القليلة المتبقية في المدينة.

كانت المسألة تتعلق بالفساد، وليس الاقتصاد أو حتى الدين – حيث عارض الروس المتحفظون بشدة هذه الخطوة ، فقد سئم الناس من العلاقة بين السلطات الحكومية، والكنيسة الأرثوذكسية الروسية، ورجال الأعمال المفضلين، وحرصا منه (بوتين) ، الحفاظ على دعم قاعدته التقليدية – الروس العاديين خارج موسكو – أمر بوتين السلطات المحلية بوقف المشروع، على الأقل مؤقتا ، لقد كان فوزًا نادرًا للمجتمع المدني الروسي.

مثال آخر ، فقد اندلعت في وقت لاحق احتجاجات بسبب اعتقال إيفان (غولونوف)، وهو صحفي تحقيقات ، ينشر أخبار عن الفساد في الأعمال التجارية، وعن تهم مخدرات مشبوهة، وسوء معاملته في الحجز من قبل الأجهزة الأمنية.

احتجاجات روسية

كان يشعر الناس بالاستياء مما حصل للصحفي ، وازاء ذلك قرر الكرملين الإفراج عن غولونوف ،فجأة، بدلا من قضاء سنوات في السجن، كما توقع العديد. مرة أخرى، كشف بوتين عن رغبته في إرضاء الشعب، بدلا من المخاطرة بزيادة تراجع الدعم الشعبي.

بعد إطلاق سراح غولونوف، احتجزت الشرطة ، أكثر من (500) متظاهر ، ظلوا في شوارع موسكو، احتجاجا على قمع روسيا الواسع لوسائل الإعلام المستقلة ، واحتجاز السجناء السياسيين. علاوة على ذلك، ظهرت حالة من العصيان المدني ، الأكثر لفتا للنظر في أقصى (شمال روسيا)، بمقاطعة أرخانجيلسك، بعد أن اكتشفت (عن طريق الصدفة)، خطط الحكومة لشحن القمامة من موسكو لدفنها في غابات المنطقة الأصلية – في مدينة شيس – قام السكان المحليون بمظاهرات ، استمرت لمدة عام ، وانتشرت إلى المناطق المجاورة.

ملمح آخر، للعنصر الاقتصادي في الاحتجاجات القائمة : حيث يثور شعب المنطقة الفقيرة ، ضد موجات تأتي من قبل موسكو الغنية ، لكنه لا يطالب باتخاذ إجراءات لرفع دخلهم الحقيقي ، وبدلا من ذلك، فإنهم يدافعون عن مساحاتهم العامة من سيطرة الحكومة المركزية ، ليس فقط من خلال المطالبة بإنهاء بناء مدافن النفايات، ولكن أيضا بالدعوة إلى إقالة حاكمهم، وفي الآونة الأخيرة إقالة (بوتين نفسه).

على الرغم من وقف الحكومة لخطط دفن النفايات في “شيس” خلال شهر مايو/ أيار، إلا أن بوتين لم يذكر الاحتجاجات ، إلا مرة واحدة، ووصف النزاع بأنه إقليمي بحت. ويقول المتابعون لهذا التطور ، انه ليس من قبيل المصادفة ، أن لا يطرح بوتين هذا الموضوع في 20 يونيو/ حزيران، خلال برنامج “الخط المباشر” لبوتين : وهو بث سنوي مباشر ، يجيب فيه الرئيس على أسئلة الروس.

وفي تقييم هذا الحدث : ان هذا أمر غير مسبوق ، فقد أظهر المحتجون في (أرخانجيلسك)، الحزم الاستثنائي والاحترافية والبصيرة ،تجاه حكومة بوتين ، فلم تتم قيادة المظاهرات من قبل جماعة ، أو حركة معينة،ذات مخططات سياسية كبرى ، وبدلا من ذلك، فإن المحتجين في أرخانجيلسك ، مثل أولئك في يكاترينبرج وموسكو ، هم ببساطة أناس ، يطالبون حكومتهم بمعاملتهم بالاحترام الذي يستحقونه.

الخلاصة : “بما ان للاسترضاء حدوده، يبدو أن الكرملين ، يعمل على وضع كيفية لاجتياز هذا النوع الجديد من التمرد الداخلي ، لتغدو المواجهة مفتوحة بين الضغط بالشارع وفعاليته ، بمواجهة استراتيجية بوتين المفضلة لزيادة الدعم العام “.

والسؤال،الآن،هل أصبح بوتين في وضع غير مريح؟.

طباعة