aren

نهج كوشنر لتحقيق السلام في الشرق الأوسط محكوم عليه بالفشل \\ كتابة : حنان عشراوي
الأربعاء - 12 - يونيو - 2019

20196723416504636955454565043208

منذ البداية، ظهر للجميع أن اختيار مجموعة من الرجال الذين يتحركون بدوافع أيديولوجية، وتربطهم علاقات شخصية بالرئيس الأمريكي (دونالد ترامب)، وإسرائيل، ولا خبرة لهم في السياسة العالمية، ولا في القانون الدولي، ولا حقوق الإنسان، لتقديم خطة للسلام في الشرق الأوسط، وكأنه أمر هزلي.

فلا يمكن الوثوق بمثل هذا المزيج الفتاك من التحيز الديني المتشدد، والقومي، فضلاً عن قيامهم بالاستثمار المباشر في الاحتلال الإسرائيلى، مع تبنيهم وجهات نظر تتفق مع أقصى اليمين فى تل أبيب، في تولي هذه المهمة الضخمة المتمثلة في صنع السلام، ناهيك عن قيادتهم لعملية سياسية موثوقة، من المفترض أن تتسم بالنزاهة والاحترام.

ويعد جاريد كوشنر، السياسى المبتدئ، والذى عينه والد زوجته، رئيس الولايات المتحدة، كرئيس لفريق «السلام» فى الشرق الأوسط، مجرد مثال واحد على هذه المجموعة غير المؤهلة، وغير المسؤولة.

فقد كان كوشنر أحد المسؤولين عن إدارة مؤسسة تدعم وتمول الجيش الإسرائيلى، كما تقوم المؤسسة الخيرية التابعة لعائلته بتمويل عمليات البناء فى مستوطنة بيت إيل الإسرائيلية غير القانونية، بالقرب من رام الله بالضفة الغربية، بينما كان السفير الأمريكى الحالى لدى إسرائيل، ديفيد فريدمان، رئيسًا لمنظمة تدعى «أصدقاء بيت إيل الأمريكية»، كما ضاعف ضم المحامى السابق للرئيس ترامب، جيسون جرينبلات، لفريق كوشنر، مع ولائه المعلن لإسرائيل، بصفته مبعوثًا للسلام، من العبثية.

ويمثل هذا الفريق خروجًا كبيرًا عن السياسة الأمريكية، بما فى ذلك سياسة الإدارات السابقة الأكثر تحيزًا، ونظرًا لخلفيته، فإن الموقف المتعجرف، والعنصرى، الذى أظهره كوشنر فى مقابلة تليفزيونية أجراها مؤخرًا، ينبغى ألا يكون مفاجئًا. فقد صرّح كوشنر، قائلًا إنه على الرغم من أن الفلسطينيين يستحقون تقرير المصير، فإنه غير واثق فى قدرتهم على الحكم، وهذا التصريح المروع يمثل رأيًا استعماريًا، ونبرة شخص يعتبر نفسه «الراعى»، وهو كلام لا مكان له فى الخطاب الدولى المحترم.

ويبدو أن «فريق السلام» الخاص بترامب مازال عالقًا فى الحقبة الاستعمارية، عندما كان إخضاع الشعوب الأخرى مُبررًا، وذلك بسبب الادعاء العنصرى بأنهم غير قادرين على الحكم، وأنهم يجب أن يكونوا ممتنين لإعانة أسيادهم لهم، وأنهم بحاجة لإثبات أنهم يستحقون الحرية والإنسانية.

ولكن الحق فى تقرير المصير هو حق عالمى، ومطلق، وغير مشروط، وذلك بموجب القانون الدولى، فهو غير قابل للتفاوض، وتحقيقه هو مسؤولية جميع الدول، وفى حالة فلسطين، فقد اعترف المجتمع الدولى بهذا الحق مرارًا وتكرارًا، ولكن من الواضح أن كوشنر، مثل صهره ترامب، يجهل القانون، ويكره الحقائق.

ومن خلال افتراض أن الولايات المتحدة لها الحق فى الحكم على حق الشعب الفلسطينى فى تقرير مصيره، فإن كوشنر يؤكد على تحيز هذه الإدارة، التى تعامل إسرائيل بشكل استثنائى، من خلال المكافآت والرشاوى، بينما تعامل الفلسطينيين بشكل سلبى، وتمارس ضدهم التنمر والاستبعاد.

وتعد إجابات كوشنر خلال المقابلة بمثابة امتداد لسياسات إدارة ترامب على مدى العامين الماضيين، فقد كان القرار، أحادى الجانب، وغير القانونى، بالاعتراف بضم إسرائيل، غير الشرعى، للقدس، هو الأول فقط فى سلسلة من القرارات السياسية، والمالية، العدوانية، وغير المسؤولة، التى لا تهدف إلى تحقيق السلام، ولكن إلى إضعاف الفلسطينيين لدفعهم للخضوع والاستسلام.

كما أغلقت الإدارة الأمريكية مكتب التمثيل الفلسطينى فى واشنطن العاصمة، والقنصلية الأمريكية العامة فى القدس، والتى كانت تخدم العلاقات الأمريكية- الفلسطينية منذ عام ١٨٤٤، وقد أوقفت التمويل الذى أقره الكونجرس للمجتمع المدنى الفلسطينى، والمستشفيات، والبنية التحتية، ثم تبع ذلك وقف تمويل وكالة الأونروا، التى تخدم أكثر من ٥ ملايين لاجئ فلسطينى، وذلك بناءً على طلب من فريق كوشنر للسلام.

وقد أثرت هذه التدابير سلبًا على ملايين الفلسطينيين الذين يدعى كوشنر أنه يهتم بأمرهم، ويفهمهم بشكل أفضل مما يفهمون أنفسهم.

وهذا هو المنطق المعيب لـ«ورشة البحرين» المُخطط لعقدها على الرغم من المخاوف الفلسطينية، والدولية، وعدم مشاركة القيادة الفلسطينية فيها، فهى فى الواقع تهدف إلى إدماج إسرائيل فى المنطقة، على المستويين المالى والسياسى، مع تجاهل السياق القانونى، والسياسى، للاحتلال الذى يحرم الفلسطينيين من إمكاناتهم الاقتصادية، وحقوقهم السياسية، ومع ذلك، لايزال كوشنر يدعى أن ورشة العمل هذه ستخدم المصالح الفلسطينية.

وقد تحالفت إدارة ترامب مع العناصر الأكثر تطرفًا، وعنصرية، ويمينية، فى السياسة الإسرائيلية، كما أصبح الخطاب السياسى الإسرائيلى اليوم منافسة بين اليمين الدينى المتطرف، واليمين العلمانى المتطرف، حول مَن يمكنه إلحاق المزيد من الألم بالشعب الفلسطينى، وضم المزيد من الأراضى الفلسطينية.

وتاريخيًا، أثبتت مثل هذه المواقف العنصرية الاستعمارية الوقحة فشلها، ومع ذلك، حتى مع ضمان فشل خطة كوشنر، فإن نهجه، المجوف، قصير النظر، يعد خطيرًا، وذلك لأنه يهدد بتخريب أى جهد حقيقى فى صنع السلام فى المستقبل.

فصهر ترامب هو خاطئ للغاية فى تقدير الموقف الحالى، فالشعب الفلسطينى لا يتسول الصدقات، ولا يسعى لتحسين ظروفه، بل يسعى إلى الحصول على حقه الطبيعى، وغير القابل للتصرف، فى تقرير المصير، والحرية، والسيادة، والكرامة، وهى الأمور التى لا يعتمد أى منها على موافقة كوشنر، ولا إدارة ترامب.

* عضوة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية

“المصري اليوم”

طباعة