aren

نتنياهو.. متاهة «الأبواب الموصدة» \\ كتابة : حلمي موسى
الخميس - 3 - أكتوبر - 2019

اسرائيل

ليس هناك في الدولة العبرية سؤال أكثر أهمية الآن من: هل ستتشكل حكومة أي حكومة أم إن انتخابات عامة جديدة على الأبواب؟ تقريباً ليس هناك من يعرف على وجه اليقين جواباً واضحاً عن هذا السؤال، وهذا ما دفع كثيرين إلى الحديث عن دخول الاحتلال في متاهة سياسية؛ إذ أعلن الليكود الذي استلم زعيمه بنيامين نتنياهو كتاب تكليفه بتشكيل الحكومة أنه سيرد التكليف لرئيس الاحتلال رؤوفين ريفلين إذا لم يتحقق اختراق سريع.

حسب كل التقديرات فإن ريفلين المؤمن بعدم حاجة المجتمع «الإسرائيلي» للذهاب إلى انتخابات ثالثة في غضون عام، سيمنح زعيم «أزرق أبيض» الجنرال بني جانتس فرصة التفاوض لتشكيل حكومة.

وتظهر استطلاعات الرأي أن أغلبية الكيان لا تريد العودة إلى انتخابات جديدة ما يعني أن من يتحمل المسؤولية عن إعادة الانتخابات قد يتعرض لنقمة الشارع. فالانتخابات تعني خسارة الاقتصاد «الإسرائيلي» ما لا يقل عن مليار دولار هي تكلفة إجرائها وتحمل عبء الإجازة العامة من دون ضرورة. ولذلك عمل الليكود و«أزرق أبيض» على إعلان تأييدهما لخطة ريفلين لتشكيل حكومة وحدة وطنية. وبدأ الخلاف حول التفاصيل النابعة من رغبة كل من الطرفين في تأكيد فوزه وخسارة الطرف الآخر.

ومن المعلوم أن الانتخابات أنتجت وضعاً يكاد يستحيل فيه على أي من الحزبين الكبيرين تأليف حكومة من دون تحقيق اختراق جدي في المعسكر الآخر. وقد نال معسكر اليمين من دون ليبرمان وحزبه، «إسرائيل بيتنا» 55 مقعداً، فيما نال ليبرمان ثمانية مقاعد. وفي الجهة الأخرى نال ما يسمى معسكر الوسط يسار الذي يضم «أزرق أبيض» وبقايا حزب العمل وحركة ميرتس 44 مقعداً. ولأن الكتلة العربية التي نالت 13 مقعداً لا يمكن أن تكون مع معسكر اليمين، فإنها تحسب على معسكر الوسط، ولكن شرعية الحكم لا تزال تستند إلى الأغلبية اليهودية بمعنى أن الكتلة العربية لا توجد جدياً ضمن حسابات المكلف بتشكيل الحكومة إلا إذا ساندت من خارج الائتلاف. وهناك من يرفض حتى الاستناد إلى الكتلة العربية من خارج الائتلاف.

انقسام حاد

وتستند المتاهة في «إسرائيل» إلى أن الانقسام الحاد في صفوف اليمين الديني والقومي خلق وضعاً بات يصعب فيه اجتماعهما وحدهما في حكومة واحدة، وهذا على الأقل موقف ليبرمان وحزبه الذي تعهد بعدم الانضمام إلى حكومة تضم الحريديم (يهدوت هتوراه وبشكل ما، شاس ويمتلكان 17 مقعداً). ويعني هذا الموقف في حال التمسك به، استحالة تشكيل حكومة يمينية ضيقة. ويضاف إلى ذلك الحقد الشخصي القائم بين نتنياهو وليبرمان، والذي قاد الأخير إلى إسقاط حكم نتنياهو مرتين على الأقل، ولذلك حاول الليكود تحقيق اختراق في صفوف معسكر الوسط بمحاولة إغراء زعيم حزب العمل، عمير بيرتس، بمناصب كبيرة كوزارة المالية، ورفع الحد الأدنى للأجور، ولكن هذه المحاولة فشلت حتى الآن. كما حاول استرضاء ليبرمان للعودة إلى معسكر اليمين بالحديث حتى عن استعداد للتناوب معه في رئاسة الحكومة، ولم تجد هذه المحاولة نفعاً حتى الآن.

ولم تتوقف المحاولات عند هذه النقطة؛ بل حاول نتنياهو تكريس نفسه كزعيم منتصر بإعلانه التفاوض مع بني جانتس عن معسكر اليمين دفعة واحدة. وتمنح هذه المحاولة نتنياهو قوة 55 نائباً من جهة، كما تمنحه حصانة ما، تمنع «أزرق أبيض» من تحقيق اختراقات معاكسة. وقد رفض «أزرق أبيض» مناورة نتنياهو وأصر على التعاطي مع الليكود كحزب يمتلك 31 مقعداً في الكنيست. وقد صمت باقي معسكر اليمين على مناورة نتنياهو، ولكن إلى حين. فالأحزاب عموماً والأحزاب الحريدية خصوصاً تعمل من أجل مصالح جمهورها. وهي لا ترفض من حيث المبدأ التحالف مع «أزرق أبيض» إذا ضمنت مصالح جمهورها، وهذا ما يخيف نتنياهو. وهكذا يبدو واضحاً أن نتنياهو يعجز عن تشكيل حكومة يمينية ضيقة؛ لأنها لا تمتلك أغلبية في الكنيست مثلما يعجز عن تشكيل حكومة وحدة وطنية، بسبب الصراع على «لمن الغلبة». وهذا يفتح الباب أمام إعادة تكليف بني جانتس بمهمة تأليف الحكومة، لكن مهمة جانتس ليست أيسر من مهمة نتنياهو؛ بل أشد صعوبة. صحيح أن جانتس استغل الحقد المتبادل بين نتنياهو وليبرمان فتعهد كخطوة أولى لليبرمان بعدم الانضمام إلى حكومة لا يوجد فيها. وهذا شكل ورقة رابحة بيد ليبرمان الذي خشي أن ينجح نتنياهو في ضم «أزرق أبيض» إلى حكومة لا تضم ليبرمان، ولكن لنفترض أن «أزرق أبيض» وحزب ليبرمان باتا قوة «علمانية» واحدة تضم أيضاً حزب العمل وميرتس، إلا أن هؤلاء جميعاً لا يمتلكون في الكنيست إلا 52 مقعداً، وهذا يعني أنهم بحاجة إلى تأييد جهة أخرى.

الكتلة العربية

والجهة الأخرى هي واحدة من اثنتين: إما الأحزاب الحريدية أو الكتلة العربية، وتمتلك الأحزاب الحريدية 17 مقعداً، فيما تمتلك الكتلة العربية 13 مقعداً. ولكن ليبرمان سبق وتعهد بعدم الوجود في حكومة واحدة مع الحريديم وهذا يجعله يتنكر لأحد أهم شعاراته الانتخابية، كما أن المياه عكّرت جداً بين الأحزاب الحريدية وليبرمان وحزب «يوجد مستقبل» بزعامة الرجل الثاني في «أزرق أبيض» يائير لبيد. وفي المقابل قامت كل الدعاية الانتخابية لليبرمان منذ دخوله الحلبة السياسية على معاداة العرب ونزع الشرعية عن وجودهم في الساحة السياسية. ويصعب على ليبرمان تقبل فكرة تأييد الكتلة العربية، أو جزء منها لحكومة هو جزء منها. كما أن عداء الكتلة العربية لنتنياهو ليس أقل من عدائها لليبرمان وحزبه العنصري، ولذلك يصعب التفكير بتأييد هذه الكتلة لحكومة يحتل فيها ليبرمان دوراً مركزياً.

وأمام هذه المتاهة تظهر خيارات أخرى أكثر معقولية بينها غياب نتنياهو عن الساحة. وحسب التقديرات، فإن نتنياهو سيعيد التكليف للرئيس الصهيوني بعد انتهاء فترة الأعياد خلال أيام. وخلال هذه الأيام سيظهر ما إذا كان المستشار القضائي للحكومة، أفيحاي مندلبليت، سيقدم لائحة اتهام بالفساد بحق نتنياهو. ومن الجائز أن يشجع هذا بعض منافسي نتنياهو في الليكود واليمين عموماً، على التفلت من قبضته وتحدي زعامته.

المخرج الوحيد

ومن الجائز جداً أيضاً، أن حكومة وحدة وطنية برئاسة ليكودي آخر غير نتنياهو هي المخرج الوحيد المتوفر لمنع إعادة الانتخابات. فمثل هذا الخيار قد يدفع ليبرمان لتجاوز موقفه من الأحزاب الحريدية والتهديد بالانضمام إلى حكومة يمينية ضيقة، ما يدفع «أزرق أبيض» إما لقبول خطة ريفلين في حكومة برئاسة تناوبية، أو الجلوس طويلاً في مقاعد المعارضة.

“الخليج”

طباعة