aren

«موت ستالين».. كوميديا سوداء تنتزع أحشاء حمقى السياسة \\ كتابة : خالد محمود
الخميس - 10 - يناير - 2019

khali-mahmoud

العمل ينافس بقوة على الأوسكار.. وروسيا منعت توزيعه بحجة تصويره غير الملائم لشخصيات ورموز تاريخية.

كيف تحولت وجوه حاشية الحكم في الفيلم إلى أقنعة والناس إلى رسوم كاريكاتورية ؟!

أحد أعمال المخرج أررماندو يانوتشي السينمائية الأكثر تناغمًا وإقناعًا.. إنه فيلم عبقرى ومخيف في الوقت ذاته.

 

تبقى لسينما الكوميديا السوداء مذاق خاص، إذا قدمت من مخرج على طراز الاسكتلندى أرما ندو (يانوتشي)، حيث حواره الأكثر هدوءا وتناغما، وصورته اللاذعة لأقصى درجة، مثلما وجدناه فى فيلمه الأخير «موت ستالين»، المنافس بقوة على أوسكار أفضل فيلم أجنبي.

في الفيلم ــ الذي منع توزيعه فى روسيا، بحجة تصويره غير الملائم لشخصيات ورموز تاريخية، أثار موجة من الغضب والاستياء لدى الشيوعيين الروس، حيث وصفه المتحدث الرسمى باسم الحزب الشيوعى ألكسندر يوشينكو بالسخيف ــ يجيء يانوتشى كمبدع في نزع ما يسمى بـ «الأحشاء السياسية» في أقصى اللحظات سخونة واشتباكا لينتزع ضحكاتك على شخصية شهد التاريخ بديكتاتوريتها خلال فترة توليه السلطة وهي ستالين.

أحداث الفيلم عبارة عن صدمات هزلية تحمل موجات من السخرية على كيف كان يدار الاتحاد السوفييتى في ظل سطوة رجل قوى ونظامه الاستبدادى وعالمه المليء بالدماء ورفات الضحايا، في مزيج متقن من الخطوط المثيرة والحوار الهجائى في طريقة سردها، حيث كان كل من حول الزعيم ستالين ينتابهم الخوف والرعب، الذي حوّله المخرج يانوتشي إلى ما يشبه «المسخرة»، فالخوف شديد للغاية، بل متأصل بعمق فى الحياة اليومية، حتى بالألفاظ والإيماءات وليس مجرد أفعال كعمليات اغتيال أو تعذيب بالسجون لمواطنين يائسين، وقد تحولت وجوه حاشية الحكم في الفيلم إلى أقنعة، والناس إلى رسوم كاريكاتورية.

يبدأ الفيلم فى أوائل مارس عام 1953 أثناء حكم ستالين الذى جسد دوره (ادريان ماكوجلين)، البالغ من العمر 74 عاما الاتحاد السوفييتى لعقود من الزمن شهدت جرائم لا تحصى ضد الإنسانية وملايين الضحايا، بينما يطلب ستالين في المشهد الأول تسجيلا لحفل الموسيقى التي يعشقها لموزار حيث يهاتف المحطة الإذاعية للمطالبة بتسجيل لهذا الحفل.

لكن المشكلة أن الحفل لم يُسجل من الأصل، وهو ما يصيب المسئول عنه بذعر ويضطر لسحب الناس من الشوارع للجلوس بالمسرح ويستعين بمايسترو آخر ليعيد الحفل من اجل تسجيله لستالين، وفي مشهد فانتازي نرى نماذج من البشر العاديين منهم من يحمل خضارا وآخر يحمل دجاجا حيًا يستمعون وهم لا يتجاوبون مع الموسيقى الكلاسيكية، ويتم إرسال الاسطوانة إلى ستالين يفتحها ويسمع الموسيقى.

لكنه يجد معها رسالة وضعتها عازفة البيانوماريا يودينا (أولغا كوريلينكو) تتمنى فيها موته بعد ان اغتال أسرتها، وفور قراءته للرسالة، يضحك بصوت عال، ثم يدخل في نوبة سعال ويسقط مريضا، بعد أن أصيب بجلطة.

ورغم أن العمل يدور حول وقائع حقيقية، يتتابع السرد الهزلي لنرى ستالين وقد ظل ممددا على الأرض لعدة ساعات، محاطا ببوله، لأن حراسه كانوا يخشونه إلى حدٍ يمنعهم من دخول غرفته، بينما شرع وزراؤه المقربون الذين كانوا يرتجفون من مجرد نظراته، في صراعهم المحموم نحو كرسي الحكم، وهنا نجد الحاشية كلها تفكر فيمن يجلس مكانه، ويتآمر على الجميع «بيريا» رئيس الشرطة السرية والذي قدم دوره «سايمون راسل» ذاك الرجل الذي بدا كشرير يحتفظ بقوائم لأسماء من سيُعدمون بإشارة من إصبع ستالين واستجابة لنزوة من نزواته.

بينما نرى نيكيتا خروشوف الذي جسد دوره الممثل ستيف (بوسيمي ) يبرع في تملقه لزعيمه بسخرية رغم انه يميل إلى التوجهات الاصلاحية والذي يصبح الزعيم الأوحد للاتحاد السوفييتي فى عام 1956، كما تشير العناوين التى تظهر في نهاية العمل.

نجح يانوتشي في أن يمرر بدهاء رسائل سياسية خلف المشاهد المضحكة على نحو عبثي، التي يقدمها لمشاهديه في صورة نابضة بالحياة، ومما عزز من تلك الهالة الفنية المدهشة هو ان ممثليه يؤدون أدوارهم بمهارة فائقة، ومنهم جيفري تيمبر، الذي يقدم شخصية رئيس الوزرراء جورجي مالينكوف، الذي كان تاليا لستالين في هرم السلطة في الاتحاد السوفييتي السابق، رغم أنه كان يشكل في واقع الأمر لعبة في يد «بيريا».

أما مايكل (بَلين) فيجسد شخصية فياتشيسلاف (مولوتوف) التعس، الذي تعرض لـ«غسيل دماغ» بفعل المذهب الستاليني، إلى حد أنه لا يتورع عن التظاهر بأن زوجته خائنة إذا كان ذلك سيكفل له إنقاذ حياته، وكذلك الممثلة أندريا (رايزبورو) في دور سِفتلانا، ابنة ستالين المفعمة بالشكوك حيال الآخرين، أما شقيقها المدلل عاشق الفودكا فاسيلي (يؤدى دوره روبرت فريند) يجهل تماما ما الذي سيطرأ على حياته من تغيرات بعد وفاة والده.

يشكل فيلم «موت ستالين»، الذي يتسم بطابع نقدي وكارتوني ساخر، وصورة نابضة بالحياة ــ عملا سينمائيا رائعا، بمضمونه فيما يتعلق بما يقوله الساسة ويفعلونه بعيدا عن الأضواء.. هو أحد أكثر أعمال المخرج أررماندو (يانوتشي) السينمائية تناغما وإقناعا، إنه فيلم عبقرى ومخيف في الوقت ذاته، ويعبر عن انتصار لقالب الكوميديا السوداء في صفحة من أكثر صفحات التاريخ المعاصر ظلاما.

إلى حد أنه يجعل من هم في السلطة في تلك الحقبة يبدون حمقى وأغبياء فى كثير من الأوقات.

“الشروق” المصرية

طباعة