aren

مهزلة المهازل في تركيا \\ كتابة : د.محمد نور الدين
السبت - 11 - مايو - 2019

كان يمكن لحزب العدالة والتنمية أن يغطي بورقة توت عورات اغتصاب الديمقراطية في تركيا، بأن يرضخ لحكم الشعب، ويقبل بخسارته لمدينتي إسطنبول وأنقرة. لكن الحزب لا يكتفي بالسيطرة المطلقة على السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية والعسكرية، ومنذ 17 عاماً، بل هو لا يسمح بأن يتم أي اختراق مهما كان صغيراً لسلطاته المطلقة. وهذا ما تجلى في قرار اللجنة العليا للانتخابات بإبطال انتصار أكرم إمام أوغلو مرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض برئاسة بلدية إسطنبول الكبرى الذي هزم بن علي يلديريم أحد أقوى الشخصيات في حزب العدالة والتنمية.

انتخابات الإعادة ستجرى في 23 يونيو/حزيران المقبل. وتعليلات اللجنة أن هناك أخطاء، منها أن بعض رؤساء الأقلام لم يكونوا موظفين رسميين، بل من العمال، علماً أن الحكومة هي التي تعين هؤلاء.

هذه الانتخابات لا يمكن أن تكون انتخابات إعادة، بمعنى إعادة الاقتراع بالمرشحين أنفسهم وبالناخبين أنفسهم وبالتحالفات نفسها، والأهم بالظروف نفسها. بل هي انتخابات جديدة بظروف ومقاييس وتدابير جديدة بالكامل، والأهم لن يبخل الحزب الحاكم بأي وسيلة لممارسة كل الضغوط والترهيب لمنع مرشح المعارضة من الفوز. وهذه وحدها تجعل من انتخابات الإعادة غير شرعية.

كان يمكن لحزب العدالة والتنمية الحاكم أن يجمّل صورته، والخروج على الرأي العام وعلى العالم بأنه يؤمن بصناديق الاقتراع، وهو الذي يكرر دائماً احترامه لنتائجها. لكن هذا الاحترام كان قائماً ما دامت النتائج لصالحه. وعندما كانت النتائج لغير صالحه، كان يلجأ إلى أكثر من وسيلة لتعطيل النتائج. حصل ذلك مع رؤساء البلدية الأكراد، ولا سيما في المناطق الكردية، حيث اتهمتهم الحكومة بالإرهاب، وبتعاونهم مع حزب العمال الكردستاني، وهو ما أدى إلى إقالة رؤساء العشرات من البلديات، وتعيين آخرين من قبل الحكومة بدلاً منهم.

وفي اغتصاب العملية الانتخابية، وعدم احترامها تعطيل نتائج الانتخابات النيابية في 7 يونيو/حزيران 2015 وإعادتها بعد أربعة أشهر، حيث عوّض الحزب خسارته السابقة. لكن ذلك لم يأت بالمجان، فقد مارست حكومة حزب العدالة والتنمية حينها كل أنواع البطش والقتل والتدمير والتفجيرات ضد المناطق الكردية على مدى تلك الأشهر.

والمثال الأخير في إسطنبول، كان آخر نموذج على دوس حزب العدالة والتنمية بأقدامه الإرادة الشعبية في إسطنبول. وكاد يفعل ذلك في أنقرة، لكنه امتنع نظراً للفارق الكبير بين مرشحه وبين مرشح المعارضة الفائز، والذي تجاوز ثلاث نقاط في المئة. لقد وجهت اللجنة العليا للانتخابات شريكة العدالة والتنمية في «المؤامرة» طعنة نجلاء لما يسمى في تركيا بالديمقراطية.

لم يتحمل حزب العدالة والتنمية حتى قشور الديمقراطية.ولكن ما لجأ إليه سيكون وبالاً عليه. ولن يصدق أحد هذه المهزلة بإعادة الانتخابات، لا في الداخل التركي ولا لدى الرأي العام العالمي. وبهذه الخطوة يكرر حزب العادلة والتنمية ما كان فعله السلطان عبدالحميد في العام 1878 عندما انقلب على الدستور العثماني الذي كان وضع قبل سنتين من ذلك، وكان أول دستور في تاريخ الدولة. واستمر تعليق الدستور حتى العام 1908 عندما حدثت الثورة ضد عبدالحميد. لكنه بقي يماطل سنة إلى أن أطيح به في العام 1909 لتكون تركيا أول دولة في الشرق الأوسط يحدث فيها انقلاب عسكري دموي. وفي النصف الثاني من القرن العشرين وحتى اليوم عرفت تركيا بأنها دولة الانقلابات العسكرية، لكنها مع حزب العدالة والتنمية تحولت إلى دولة الانقلابات على الحريات والعلمانية والديمقراطية والشفافية. وإبطال انتخابات إسطنبول ليس سوى آخر مثال على ذلك.

لقد نجحت المعارضة في إيصال مرشحها في إسطنبول إلى سدة رئاسة البلدية. لكن ظروف 23 يونيو/حزيران المقبل قد تختلف. فقد لا تبقى المعارضة موحدة، وقد يتم تهديد فئات من الناخبين وتحشيد الأنصار بطريقة مختلفة، بحيث لا تنتهي النتائج مساء الأحد وصباح الاثنين إلا ومرشح حزب العدالة والتنمية هو الفائز.

قوبل قرار اللجنة العليا للانتخابات بانتقادات حادة من جانب رموز حزب العدالة والتنمية السابقين مثل عبدالله غول وأحمد داود أوغلو. أما حزب الشعب الجمهوري المعارض، فقد ردّ على القرار بالدعوة لخوض انتخابات الإعادة بأكبر زخم ممكن، فيما وصف كمال كيليتشدار أوغلو زعيم الحزب، اللجنة العليا ب«العصابة». لكن هذا لا يكفي في مواجهة حزب السلطة الذي لا يؤمن بالعملية الانتخابية ولا بنتائجها إذا كانت في غير صالحه. والمسألة في تركيا تتطلب من المعارضة قراراً تاريخياً بإيجاد وسائل تحرك جديدة لمواجهة الاستبداد السلطوي وعدم الانجرار إلى فخ ما يسمى باللعبة الديمقراطية التي ليست في تركيا سوى اسم على غير مسمى، ومهزلة ليس قبلها ولا بعدها.

“الخليج”

طباعة