aren

من لا يملك يعطي لمن لا يستحق \\ كتابة : د.محمد نور الدين
السبت - 30 - نوفمبر - 2019

أعلن مجلس الأمن القومي التركي، الثلاثاء الماضي، أن عملية «نبع السلام» في شرق الفرات ستستمر حتى تحقيق أهدافها. وفي الوقت نفسه كان وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف يناشد الأكراد أو قوات الحماية الكردية الانضمام إلى الجيش السوري «وكلما كان ذلك أبكر كان أفضل».

القاسم المشترك بين الموقفين هو سوريا التي تحولت منذ وقت طويل إلى حقل تجارب سياسي وعسكري وقانوني. الموقف المعلن من تركيا هو أنها تريد تنظيف شمال سوريا المحاذية للحدود مع تركيا من تواجد قوات الحماية الكردية. وقد عقدت من أجل ذلك اتفاقين خلال أقل من أسبوع، شكّلا سابقة في العلاقات الدولية. الأول مع الولايات المتحدة والثاني مع روسيا.

اتفاق أنقرة في 17 أكتوبر/‏تشرين الأول كان بين الوفد الأمريكي برئاسة نائب الرئيس مايك بنس والتركي برئاسة رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان. أما اتفاق سوتشي في 23 أكتوبر فبين أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين. الاتفاقان تمحورا حول أرض محددة هي شمال سوريا، ومن ضمنها «المنطقة الآمنة» التي تريد تركيا إقامتها داخل سوريا. في الاتفاقين توافق على أن تكون هذه المنطقة بين تل أبيض وراس العين بطول حوالي 120 كلم وبعمق 32 كلم، تكون تحت السيطرة (يجب أن تقرأ الاحتلال) التركية المباشرة. وفي الاتفاقين، على قوات الحماية الكردية أن تخلي المنطقة من عين العرب/‏كوباني إلى الحدود العراقية وطولها 444 كلم، وبعمق 32 كيلومتراً. الفارق أن اتفاق سوتشي أعطى تركيا أكثر مما أعطاها اتفاق أنقرة. إذ نص على تسيير دوريات تركية – روسية مشتركة على طول هذه الحدود بعمق 10 كلم. أي أعطى تركيا الحق بالتواجد ولو غير الدائم في كامل المنطقة الحدودية التي تقع خارج المنطقة الآمنة. والتساؤل هو: أي من الاتفاقين على منطقة جغرافية واحدة ساري المفعول؟ وهل يمكن لجهتين متعارضتين، هما أمريكا وروسيا، أن تكونا في الوقت نفسه مرجعية لحسن تنفيذ الاتفاقين؟

جانب آخر هو أن أطراف الاتفاقين يقررون مصير منطقة ليست ضمن حدودهم، أي ليست ضمن حدود تركيا أو روسيا أو الولايات المتحدة. والاتفاقان، بمعزل عن الموقف القانوني أو السياسي للحكومة السورية، لا يحملان توقيع الدولة السورية. وبالتالي هما مثل وعد بلفور لليهود في فلسطين: وعد من لا يملك لمن لا يستحق. فلا فلسطين ملك لبريطانيا، ولا اليهود هم أصحاب الأرض الأصليين. كذلك، ليست سوريا وشمالها ملكاً لروسيا والولايات المتحدة، ولا يحق لهما منحها لجهة ثالثة هي تركيا التي لا تستحقها.

في هذا الوقت، كان مجلس الأمن القومي التركي يشير إلى أن عملية نبع السلام ستستكمل وفقاً لقرارات مجلس الأمن الدولي واتفاقية أضنة وحق الدفاع المشروع عن النفس. وكان ملفتاً في البيان أن تشير تركيا للمرة الأولى أن عملياتها العسكرية داخل سوريا تأتي في إطار اتفاقية أضنة. وبالعودة إلى نص الاتفاقية، فإن تعهد سوريا عام 1998 بمنع تواجد مقاتلي حزب العمال الكردستاني على أراضيها، قد يكون مبرر تركيا للتدخل العسكري، نظراً لأن قوات الحماية الكردية المؤيدة لحزب العمال الكردستاني، والمصنفة إرهابية، كما لدى تركيا، كذلك لدى دمشق، عادت للتمركز في سوريا. لكن يمكن أن يكون التدخل العسكري التركي وفقاً لملاحق سرية (لم تنشر ولم يؤكدها أحد ومطلوب من أنقرة ودمشق تأكيد أو نفي وجود هذه الملاحق لأهمية ذلك في مقاربة مسار التطورات ولا سيما العسكرية في سوريا)، في اتفاقية أضنة تقضي بحق تركيا ملاحقة مقاتلي حزب العمل الكردستاني في عمق 5 كلم وربما أكثر.

في مكان آخر تدخل واشنطن في اتفاقيات مع قوات الحماية الكردية من أجل القيام بعمليات عسكرية ضد تنظيم داعش في شرق الفرات، من جهة ، ومن أجل حماية آبار النفط في القامشلي ودير الزور من جهة أخرى. والاتفاقيات هذه أيضاً هي بين أطراف بعضها خارجي وتغيب عنها الدولة السورية وتتعلق بأراض سورية.

“الخليج”الاماراتية

طباعة