aren

من سيكون جيل كورونا في الصحافة اللبنانية؟ كتابة: جهاد الزين
السبت - 16 - مايو - 2020

صحافيون-كورونا-660x330

لا شك أن كل أزمة كبرى في أي مجتمع تُنتِج وجوهاً جديدة. أعني بالوجوه الجديدة الكفاءات الحقيقية التي تفرض نفسها في حقول مختلفة، تفتح لها الأزمةُ بالمعنى الموضوعي للكلمة، فرصَ إثبات الذات عبر تحقيق إنجازات مكرّسة. من الطبيعي أن يكون الحقل الطبي، هو اليوم في العالم الحقل القيادي لكل ماعداه في مواجهة وباء قاتل ربما، من يدري، ليس هو أسوأ الأوبئة التي ستواجه الأجيال الآتية في المستقبل.

في كل بلد تقريباً بما في ذلك لبنان بدأنا نسمع عن، وننتبه إلى، أسماء جديدة من أطباء وطبيبات وممرضين وممرضات ومسعفين ومسعفات بصورة مختلفة عن السابق. فهؤلاء جميعًا ليسوا هذه المرة مجرد ناجحين أو مؤدّين لوظائفهم أو لمهامهم بل فئة تستأثر باهتمام مختلف : البقاء على قيد الحياة لمجتمع ككل المجتمعات حاليا تأخذه مشاعر ذعر صحي، هذا القطاع الطبي التمريضي ليس فقط جيش الدفاع عن سلامته، بل وبسبب ذلك هو عنصر عقلنة قيادي لتهدئة هذا الذعر وتطويعه.

في الصحافة، أعني الإسم الذي أفضّله للإشارة إلى كل وسائل الإعلام المكتوب والمرئي والمسموع، وهي أحد جيوش الخنادق الأمامية للحرب مع كورونا، في الصحافة أيضاً يجب أن ننتظر أو أننا فعلاً في خضم ذلك، بروز أسماء جديدة. جيل جديد من المراسلين و المعلّقين والمذيعين والمديرين يفرضون، بنجاحاتهم فقط، حضورهم في العمل الصحافي.

حتى الآن يبرز التلفزيونيون وخصوصا بعض المذيعين والمراسلين، المذيعات والمراسلات، في واجهة نجاح حقيقي (ويعنينا الحقيقي دائما). عدد من الزملاء، بعضهم لا أعرفهم ولا حتى أعرف عنهم إلا القليل لم أكن معنيًا بآرائهم، صرت ومنذ بدأ كورونا أنتبه إلى الومضات الذكية أو الشجاعة في كلماتهم بشكل غير مسبوق عندي، لا فقط لأن انتباهي لعملهم صار أكثر تركيزًا، بل أيضاً، وأزعم أن هذه نقطة مهمة، لأن الجبهة الحربية الكورونية الجديدة بمواقفها غير المألوفة أخرجت لديهم طاقاتٍ وتعليقاتٍ وإدارةً شخصية للحوارات أوضح نباهةً وثقافة ومسؤولية. وإذا كنتُ متأكداً من شحنات الحيوية التي يضخها الجيل التلفزيوني الجديد، ومن كون بعضهم مشاريع كتاب ومعلقين وروائيين ناجحين، فلست متأكدا بعد من أن الكثيرين منهم يمارس الكتابة خلف حضوره الشفهي المرئي باللهجة المحكية. وهذه الممارسة، أي الكتابة، شرط العمق الثقافي للمراسل أو المذيع كما نعرف من تجارب أسماء عديدة بارزة لمقدمي برامج تلفزيونية أميركيين وفرنسيين وبريطانيين ألّف كلٌ منهم كتابًا أو أكثر في مواضيع مختلفة يحضر في ذاكرتي الآن منهم تيد كوبل وأوبرا وينفري وآن سان كلير .

أما في الصحافة المكتوبة التي أنتمي إليها مهنياً، فهي اليوم في إنتاجها الورقي، مصنّفة من المواد المعدية لمرض كورونا، وبعض الدول أوقفت إصدارها ولو مؤقتاً، كما في الإمارات والكويت. الصحافةاللبنانية لم تكن تنقصها هذه اللعنة وهي التي تعاني أصلا موتاً مباشرا قبل كورونا وتشهد أوضاعاً غير متزنة من داخلها، ولم يعد لديها داخل، أو من خارجها. الصحافة المكتوبة هاجمها كورونا كما يهاجم المرضُ العجزة، وإذْ تستكين إلى هدنةٍ ما فهي كالعجزة الذين يؤذي سعالُهم أي زينةٍ لَجَأوا إليها.

تصوّر أمام تصنيف الصحافة الورقية كناقلة لعدوى كورونا، أن يصبح أول عمل يقوم به القارئ هو أن يغتسل أو يغسل يديه بعد قراءتك! في جيلي، جيل الحرب الأهلية، كنا نعتقد بسذاجة امتدت طويلاً أن القارئ ما أن يفرغ من قراءة مقالك حتى يذهب إلى الثورة. كانت الثورة، بين هلالين، الثورة اللبنانية على الدولة اللبنانية، هي كورونا جيلِنا كما تبيّن لاحقاً. فمن سوء طالع ذلك الجيل أن ما اعتقده “التغيير” بتأثير من بعض أقوى وأنبل أفكار حركات الاعتراض من أميركا اللاتينية إلى فرنسا،كان يتحول في البلد الهش إلى تدمير ممنهج لكل ماهو رائع فيه. هذا يشبه أن يكون مصدر فيروس كورونا نوعاً معينا من الورود الجميلة والأشجار الباسقة.

الشحنة الأخلاقية التي تنطوي عليها مواجهة كورونا في المستشفى أو البيت أو الشارع لم تملك مثلها دائما المواجهة الصحافية. ولذلك أظن أن لدى الجيل الجديد من الصحافيين فرصة إعادة تأسيس أخلاقية للمهنة لم تتوفر لجيلنا الذي انحصر دوره، ربما في أفضل حالاته، في تطويرها عبر ضخها بعناصر وتجارب جديدة عما كان سابقاً ولكن هذا تعميم قد يكون ظالماً.

أرى من غير اللائق الحديث عن فرص عندما تكون الصحافة أمام أزمة انهيار مقومات بلد ومهنة وصحة عامة دفعة واحدة، ولكن هذا لا يمنع من الإشارة إلى أن تلازم الصدفة بين كورونا وثورة 17 تشرين في لبنان يعطي للجيل اللبناني الشاب فرصة مواجهتين مدمرتين دفعة واحدة! لستُ متفائلاً لكن، قبل هجرته على الأقل، أي في الطريق الصعب والطويل بين ساحات الثورة ومطار بيروت(شبه المقفل حاليا) يمكن لهذا الجيل أن يترك بصمات أمتن على السقوط الأخلاقي والسياسي والمالي لطبقة سياسية له الفضل الأكبر في تعريتها، تعريتها بجميع مكوناتها،كما لم يحصل سابقاً.

“النهار”اللبنانية

طباعة