aren

برحيل "رياض عصمت": مكان ما على الخارطة الثقافية السورية … يبقى فارغا
الجمعة - 15 - مايو - 2020

\التجدد الاخباري\

هذا هو المقال الاخير للدكتور “رياض عصمت” ، والذي نشر قبل رحيله بـ”4″ايام . اذ نعيد نشر هذه المادة ، التي تعد آخر كلام الراحل ، وانتاجه الفكري (المعلن عنه) ، فاننا نتقدم من عائلته الصغيرة بخالص العزاء ، ولاسرته الكبيرة كذلك من محبين وأصدقاء … ولمجتمع المعرفة والوسط الثقافي بأحر التعازي لفقدان هذه الشخصية ، التي يعتبر صاحبها ، واحدا من أبرز “الشكسبيريين” المخلصين، ممن استطاعوا مقارعة النتاج ، والأثر الشكسبيري الإبداعي العالمي العظيم ، ونقله وترجمته عمليا ، ضمن أعمال فكرية وإبداعية كثيرة ، تراوحت بين المقال الصحفي والدراما التلفزيونية والعروض المسرحية، والعديد من الكتب ، التي رفدت الثقافة السورية في هذا الإطار لسنوات طويلة.

ميتات الفلاسفة \\ بقلم : رياض عصمت

A statue of the ancient Greek philosopher Socrates stands in front of a Greek flag in Athens on June 27, 2015. Greece hurtled towards default and a possible euro exit after Europe responded to the leftist government's announcement of a surprise referendum by refusing to extend Athens's desperately needed bailout. AFP PHOTO / ARIS MESSINIS (Photo by ARIS MESSINIS / AFP)

تمثال الفيلسوف سقراط في أثينا

تقدم لنا ميتات بعض كبار الفلاسفة في التاريخ أمثولات جديرة بالتأمل خلال ظروف العصر الراهنة التي نعيشها، لأنهم عانوا من الاستبداد السياسي، وعوملوا معاملة ظالمة نتيجة استقلال رأيهم ورفضهم الانصياع إلى الحاكم.

أول أمثولة هي الميتة المفجعة للفيلسوف الرائد سقراط، الذي يعتبر الأب الروحي للفلاسفة اليونانيين جميعا. لم يؤلف سقراط أي كتاب، لكن إسهاماته الرائدة في دراسة الأخلاق والتربية انتقلت للأجيال اللاحقة عن طريق تلميذيه أفلاطون وزينوفون، كما خلد ذكره مؤلف المسرح الكوميدي الشهير أرسطوفانيس.

يذكر التاريخ محاكمة سقراط الجائرة وتوجيه تهمتين له، إحداهما إفساده عقول الشباب، والثانية الزندقة وعدم إيمانه بالآلهة الوثنية التي كان يعبدها الإغريق في ذلك العصر، فأدين وحكم عليه بالإعدام. اشتهرت محاكمة سقراط في التاريخ، وضرب فيها المثل.

يقال إن سقراط رفض أن يرشي مريدوه وتلامذته الحراس ليتيحوا له الهرب، إيمانا منه أن الفيلسوف يجب ألا يخاف الموت. تم إعدام سقراط بإجباره على تجرع كأس السم، وأرغمه الجلاد على المشي حتى تخدرت ساقاه وعجز عن الوقوف. نخزه الجلاد في ساقه، فلم يشعر بشيء. مات سقراط موتا بطيئا وقد غطى وجهه تماما، ربما ليحجب عن نظره صورة أولئك الذين قتلوه دون ذنب. يروى أنه بالرغم من أن تلميذه النجيب أفلاطون لم يحضر إعدامه، إلا أنه كتب عقب وفاة معلمه العزيز سقراط قائلا: “كل الفلسفة تمرين على الموت”.

الضحية الثانية بين ضحايا الاستبداد هي أفلاطون. ألف أفلاطون عديدا من الكتب في الحقبة الكلاسيكية، وأسس “الأكاديمية”، التي تعلم فيها أرسطو الفلسفة والعلوم والمنطق. شغف أفلاطون بالسفر منذ مطلع شبابه، فلم يعد إلى أثينا إلا وقد بلغ 40 سنة. في مطلع حياته، لم يمارس أفلاطون السياسة بشكل مباشر، وإن كان يدعو إلى جعل الفلاسفة ملوكا، لأنهم قادرون على قيادة العالم وتغييره إلى الخير.

خلال رحلاته، انخرط أفلاطون في السياسة في “سيراكيوز”، التي كان يحكمها ديونيسيوس الكبير. هناك، تأثر به صهر ديونيسيوس، المدعو ديون، لكن الحاكم المستبد ديونيسيوس استاء من أفكار أفلاطون وخشي من خطرها على المجتمع، فأمر ببيع أفلاطون في سوق النخاسة. لم ينقذه من ذلك المصير التعس سوى أن اشتراه شخص ميسور الحال ليعتقه تقديرا منه لمكانته الفكرية.

بعد وفاة ديونيسيوس الكبير، دعاه تلميذه السابق ديون للعودة إلى “سيراكيوز” وتعليم ديونيسيوس الصغير الذي استلم زمام الحكم. عاد أفلاطون ليقيم في تلك المدينة، لكن ـ لسوء حظه ـ أصدر الحاكم قرارا بنفي ديون، فانحسرت مكانة أفلاطون في بلاطه ورغب بالرحيل. لم يأذن الحاكم الفتي لأفلاطون بالرحيل، بل فرض عليه الإقامة الجبرية. بالتالي، مات أفلاطون مقهورا في سريره عن عمر تجاوز 81 سنة بينما كانت صبية تعزف له الناي. هكذا، رحل أفلاطون عن الدنيا دون أن يهنأ في آخر سنوات عمره بالحرية التي حلم بها وكافح من أجلها طويلا.

الفيلسوف الإغريقي الثالث الذي سنروي قصة موته هو أرسطو. تبحر أرسطو في عديد من العلوم والآداب والفنون، وكان أول من نظَّر للمسرح الإغريقي في كتابه “فن الشعر”، وترك ذخرا من الكتابات الفلسفية التي تدرَّس حتى الآن.

هذا الفيلسوف والعالم واسع الاطلاع، عميق المعرفة، لاقى من الظلم الشيء الكثير، واتهمه بعض رجال الدين بالزندقة والإساءة للدين، فاضطر إلى الفرار من أثينا واللجوء إلى ملاذ آمن في أملاك والدته. قال أرسطو بعد نجاته من الموت في تلميح إلى إعدام سقراط الظالم: “لن أسمح للأثينيين أن يرتكبوا الخطيئة نفسها مرتين ضد الفلسفة”. هكذا، قضى أواخر سني حياته لاجئا، منفيا، محروما من الاحتكاك بالمجتمع الذي كرس حياته وفكره لخدمته.

ننتقل زمنيا من عصر الإغريق إلى عصر الرومان، فنجد قصة مقتل الفيلسوفة هيباتيا، عالمة الفلك وعبقرية الرياضيات، التي أجادت التعليم ونشر أفكارها العلمية في حركة تنوير جادة، لكنها تعرضت إلى الاغتيال في شوارع الإسكندرية من قبل حشد من الرعاع المتعصبين دينيا بدوافع يجمع المؤرخون على كونها نتيجة تحريض سياسي خفي ضدها وضد أفكارها التحررية.

كانت هيباتيا شابة ذات حسن فائق، وحضور أخاذ، تتمتع بموهبة فذة في الخطابة والتأثير على الجماهير، بحيث نالت شهرة واسعة. لذلك، تم التخطيط لاغتيالها بشكل بشع وشديد العنف نفذه متطرفون مسيحيون في شوارع الإسكندرية. عرى الغوغاء الفيلسوفة هيباتيا من ثيابها، رجموها بالحجارة، مزقوا أوصالها وجروا أشلاءها مقطعة عبر الشوارع إلى خارج المدينة دون أن يوقفهم عن ارتكاب جريمتهم النكراء أحد، أو يتعرضوا للمحاسبة جواء ما اقترفوا، أو تحدد هوياتهم من قبل الطبقة السياسية الحاكمة آنذاك، التي غضت الطرف عنهم وعن تلك الجريمة الشنعاء تماما.

أنتج فيلم سينمائي جيد عن مصرع هيباتيا تحت عنوان (Agora 2009) أخرجه أليخاندرو أمينابار ولعبت بطولته راشيل وايز، ننصح بمشاهدته.

يشكل مصرع الحلاج أمثولة رهيبة عن الاستبداد. كان الحسين بن منصور الحلاج أحد كبار الفلاسفة والأدباء الذين اضطهدوا دون ذنب، فحوكموا وأعدموا بصورة مرعبة. أسيء تفسير المقولات الصوفية التي نطق بها الحلاج نتيجة نزعته الصوفية، فاتهم بالإلحاد وادعاء الربوبية، واعتقل خلال عهد وزارة علي بن عيسى، الذي أوصل خبره إلى الخليفة العباسي المقتدر بالله، فأمر بمحاكمته وسجنه في داره. لكن عندما لوحظ تأثيره على بعض أتباعه، الذين أصغوا إليه وقاموا بترفيهه، أمر الخليفة بإعدامه صلبا.

هكذا، تم بتر يدي ورجلي الحلاج وهو حي يرزق، وأحرق جسده بالنار، ثم علق رأسه المقطوع على عمود. كتب الشاعر المصري صلاح عبد الصبور مسرحية شعرية رائعة عن فيلسوف الصوفية الشهيد أسماها “مأساة الحلاج”، وهي تعتبر من أروع التراجيديات المسرحية العربية.

آخر أمثولة نود ذكرها عن ميتات الفلاسفة هو مصرع الجاحظ، صاحب كتاب “البخلاء”. ولد الجاحظ في البصرة خلال العهد العباسي، وعاش فقيرا معدما، دميما جاحظ العينين، لكنه اشتهر ببلاغته وعلمه الواسع، فضلا عن ميله إلى الهزل والتهكم. أتقن اللغة الفارسية إلى جانب العربية، واطلع جيدا على ثقافات اليونان والهند. قرأ القرآن في سن مبكرة، وعرف عنه أنه كان يقرأ أكثر من كتاب في اليوم الواحد. أسس منهج البحث العلمي العقلاني القائم على المحاججة بين الشك واليقين. عاش الجاحظ أكثر من 90 عاما، لكن موته جاء عبثيا للغاية، إذ سقط عليه رف من كتبته العامرة، فدفن تحت كتبه.

لا شك أن هناك عشرات النماذج الأخرى لدى مختلف الأمم. توجد قصص عن مصرع فلاسفة ومبدعين قضوا ظلما رغم كل عطاءاتهم الإنسانية، ولم يلاقوا في شيخوختهم التقدير المستحق والتكريم اللائق.

لا يستطيع الحاكم المستبد عبر التاريخ هضم فكرة تمجيد أي شخص سواه. إنه يرغب في أن ينسى الناس إنجازات المفكرين والمبدعين كافة، فلا تذكر إلا إنجازاته ومكرماته هو وحده.

لذلك، يعتقد أنه الجدير بأن تقام التماثيل له، أن ترسم اللوحات، أن تكتب القصائد وتنشد الأغاني، لكن التاريخ له رأي آخر. مهما تكبر المستبد وتجبر، تبقى إنجازات الفلاسفة والمبدعين حية في ذاكرة الأجيال، بينما يحكم على أفعال الساسة عبر التاريخ حسب الخير الذي جلبوه لشعوبهم بحملهم أمانة الحكم بنزاهة وبعد عن المصالح الشخصية، فإن هم قصروا في ذلك، ستطاردهم اللعنة حتى بعد الممات.

…………………………………………………………………………………………………………………………………………………

\المحرر\

الكاتب السوري، رياض عصمت، توفي (أمس) الخميس 14 أيار \مايو ، عن عمر ناهز الثالثة والسبعين عاما في مدينة “شيكاغو” الأمريكية، من جراء إصابته بفيروس كورونا المستجد.

فقد أصيب الراحل بفيروس كورونا (قبل أسبوعين) تقريبا، ونقل إلى مستشفى في شيكاغو بعد أن تدهورت صحته، قبل أن يعلن، فجر اليوم الخميس، وفاته.

الدكتور رياض عصمت من مواليد العاصمة السورية دمشق عام 1947 ، حاصل على الإجازة في الأدب الإنكليزي من جامعتها سنة 1968 حيث بدأت علاقته بالمسرح وهو طالب عبر عرض باللغة بالإنكليزية لمسرحية شكسبير “جعجعة بلا طحن” عام 1967. وتتالى عقب ذلك نشاط الراحل المسرحي من نشر مقالات نقدية وإخراج أعمال لطلبة معاهد التمثيل في سوريا.

وفي عام 1982 نال الراحل دبلوماً عالياً في الإخراج المسرحي عام 1982 من جامعة كارديف في “ويلز”، ثم درجة الدكتوراه سنة 1988 من الولايات المتحدة.

وألف 33 كتاباً منها في الكتابة المسرحية : جمهورية الموز ، وبحثا عن زنوبيا – في النقد : شيطان المسرح ، والبطل التراجيدي ، في المسرح العالمي والصوت والصدى، ودراسة في القصة السورية الحديثة، كما كتب السيناريو والحوار لعدد من التمثيليات والمسلسلات التلفزيونية ، منها : (هولاكو) و (تاج من شوك).

شغل الراحل ، عددا من المناصب الثقافية خلال مسيرة حياته ، حيث عمل وزيرا للثقافة وعميدا للمعهد العالي للفنون المسرحية ومديرا للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون السوري ، وكرم مرات عدة ضمن مهرجانات مسرحية في سورية ، وخارجها.

طباعة