aren

معنى عبدالناصر الآن \\ كتابة :عبدالله السناوي
الأحد - 29 - سبتمبر - 2019

استوعب «عبدالناصر» في مشروعه أفضل ما كان مطروحاً من خيارات عصره، دمج التحرر الوطني بالالتزام القومي العربي وبفكرة التغيير الاجتماعي والانحياز للطبقات الفقيرة.

لا يصح لأحد أن يتحدث عن استنساخ تاريخ، أو استعادة تجربة، مر على رحيل زعيمها قرابة نصف قرن، فثورة «يوليو» ولدتها تحديات ما بعد الحرب العالمية الثانية، خاضت معاركها في موازين قوى دولية مختلفة، وتبنت نظاماً سياسياً تعبوياً كان الخيار المعتمد في ذلك الوقت داخل حركات التحرير الوطني في العالم بأسره.

الاستنساخ فِعْل انقلاب على جوهر تجربة «يوليو»، وهو وهم كامل، إذ يستحيل أن تقيس تحديات عصر على عصر آخر.

أمام عالم جديد، يتبقى من التاريخ دروسه الأساسية، وأفكاره، وقيمه، التي صاغت مشروعات بعينها.

هنا معنى «جمال عبدالناصر» بالنظر إلى المستقبل وتحدياته.

قوة أي مشروع في قدرته على بناء أفكار وتصورات وسياسات جديدة، وفق قيمه الرئيسية بالنقد والتجديد والإضافة، وإلا فإنه يدخل في موت سريري لا قيام منه.

أهم قيم مشروع «يوليو»: استقلال القرار الوطني، وانتماء مصر العربي، والانفتاح على العالم الثالث وقضاياه، والعدالة الاجتماعية، ومناهضة التبعية في السياسة والاقتصاد.

اكتسبت «يوليو» قوتها من تفاعلها مع حقائق عالمها، تحدت وحاربت واجتهدت في بناء صيغة جديدة لوحدة دول العالم الثالث خارج الخيار، الذي أعقب الحرب العالمية الثانية، فإما أن تكون داخل المعسكر الغربي الرأسمالي أو داخل المعسكر الشرقي الشيوعي.. هكذا ولدت حركة عدم الانحياز.

المشروعات التاريخية الكبرى ليست نصوصاً ولا دراسات أكاديمية، وإنما تفاعل بين الفكر والواقع.

استوعب «عبدالناصر» في مشروعه أفضل ما كان مطروحاً من خيارات عصره، دمج التحرر الوطني بالالتزام القومي العربي، وبفكرة التغيير الاجتماعي والانحياز للطبقات الفقيرة.

وكانت توجهاته العروبية أفق حركته في محيطه. أية توجهات تكتسب قيمتها من مستويات التزامها.

«يوليو» لا تمثل نظرية يقاس على نصوصها بقدر ما تلخص مشروعاً يقاس على قيمه.

لسنوات طويلة كان السؤال الرئيسي: «ماذا تبقى من ثورة يوليو؟».

السؤال – بذاته – يعني أن نظامها انتهى وتوجهاتها جرى الانقضاض عليها. مع بداية الانفتاح الاقتصادي عام (١٩٧٤) تردد في السجال العام سؤال العدالة الاجتماعية وطبيعة الانقلابات الجارية في البنية الطبقية للمجتمع، التي نظر إليها على نطاق واسع بأنها قطيعة عند الجذور مع شرعية «يوليو».

كانت انتفاضة الخبز في يناير (١٩٧٧) ذروة الصدام الاجتماعي، فالسياسات تناقضت وتناحرت قبل أن تفترق الطرق إلى الأبد بتوقيع اتفاقيتي «كامب ديفيد» عام (١٩٧٨).

في بداية عهد «حسني مبارك» نجح في وضع كمادات ثلج فوق الرأس المحموم، لكنه مال بالوقت إلى جمود طويل لا صلة له بدعاوى الخمسين سنة، حسب التعبير الذي تردد في مطلع القرن.

في «يناير» عاد الكلام مجدداً عن «يوليو» من منظور جديد. هناك من حاول أن يصور «يناير» كأنها ثورة على الستين سنة التي تلت «يوليو»، بزعم، لا يمكن إثباته، أنها حقبة سياسية متصلة، شرعية واحدة ونظام واحد.

بحركة الزمن، يمكن توقع إضافات جديدة تمنع التعرف إلى مناطق القوة والضعف وفرص التصحيح والإضافة، كأن يحمل «عبدالناصر» مسؤولية «السبعين سنة»، ثم «الثمانين سنة».. وهكذا بلا نهاية دون إدراك لمغبة ذلك على سلامة النظر إلى المستقبل.

بقوة التاريخ المشترك، ثورة «يوليو» إرث عام، لا يخص تياراً سياسياً دون آخر، ولا جيلاً دون آخر، ومن حق جميع الأطراف الوطنية أن تبدي وجهة نظرها فيها، وأن تختلف معها في موضع أو آخر، لكن بشرط ألا تزيف التاريخ وحقائقه الأساسية، أو أن تقول كلاماً عاماً مرسلاً لا يستند إلى دليل أو منطق.

كأي نظام ثوري، فهو فعل استثنائي انتقالي، قاد أوسع عملية تغيير في البنية الاجتماعية، وأخرج طبقات رئيسية إلى الحياة وتطلعاتها في التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية وحقوق العمل وتكافؤ الفرص، وخاض في الوقت نفسه معارك مفتوحة في إقليمه وعالمه، ودخل حروباً طاحنة في الصراع على المنطقة.

لا يصح أن نحاسب الثورات بغير قوانين حركتها، أو بأهداف غير التي تبنتها، أو خارج السياق الذي عملت فيه والعصر الذي احتضن تفاعلاتها.

هذه هي الأصول العلمية في النقاش العام، أما إهدارها واعتبار كل ما جرى بعدها يدخل في مسؤوليتها، ففيه اعتداء صارخ على الحقائق الرئيسية التي ترتبت على الانقلاب عليها، وفيه تحميل للثورة بأكثر مما تطيقه الحقائق، فالثورة انتهت منذ عقود طويلة، وشرعيتها طويت صفحاتها، والنظم التي تلتها انقلبت على خياراتها السياسية والاستراتيجية.

القضية ليست الاتفاق على قراءة واحدة للتاريخ، هذا مستحيل تماماً.

القضية أن تكون هناك موضوعية في القراءة حتى يمكن أن يتحدد مجرى رئيسي للنقاش العام يساعد مصر على استيعاب أهم تجاربها السياسية وتجديد مشروعها، الذي هو المشروع الوطني والقومي المتجدد، وفق احتياجات العصور المتغيرة.

“الخليج”

طباعة