aren

مراوغة تركية من أستانا إلى شرق الفرات \\ كتابة : د.محمد نور الدين
السبت - 10 - أغسطس - 2019

 

انتهى اجتماع أستانا الموسع نهاية الأسبوع المنصرم على اتفاق بين الأطراف المشاركة لهدنة جديدة في إدلب، بين القوات الحكومية السورية والجماعات المسلحة المتمركزة في المنطقة، على أن تتوقف غارات الطائرات السورية مقابل انسحاب المسلحين وإقامة منطقة منزوعة السلاح، بعرض عشرين كيلومتراً.

الاتفاق ليس جديداً ببنوده؛ بل عمره من عمر الاتفاق الأساسي الذي وقع في 17 سبتمبر/أيلول 2018، بين روسيا وتركيا وإيران. المفارقة أن الطرف الذي يجب أن ينفّذ الاتفاق أي الدولة السورية ليس عضواً في أستانا. وهذا من جوانب ضعف الاتفاق.

وإذا بحثت عن السبب، فهو أن تركيا هي التي ترفض مشاركة سوريا في أستانا في وقت كان يجب على دمشق أن تفرض الشروط وليس أنقرة. وهذا ينقلنا إلى جوهر المشكلة، وهو الدور التركي في سوريا وفي المنطقة.

فتركيا منذ توقيع اتفاق سوتشي قبل سنة، وهي تماطل بتنفيذ اتفاق نزع السلاح والمنطقة المحايدة في إدلب. ومع أن مثل هذا الاتفاق لا يقدم إنجازاً جذرياً للدولة السورية، فإن تركيا باتت أمام مواجهة الحقيقة. وإذا حانت هذه اللحظة فإنها تراوغ وترفض تطبيق أي بند من الاتفاق.

وهي الآن أيضاً، لن تطبق أي بند من الاتفاق الجديد القديم. فالتطلعات والأطماع التركية غير خافية على أحد، كما في سوريا والعراق، لكن هامش المناورة التركية في سوريا أوسع بكثير.

فقد حصّنت أنقرة وضعها في سوريا عبر مسارين؛ الأول الاتفاق مع موسكو على حزمة مصالح متبادلة تجعل سوريا نهباً للجيش التركي والتنظيمات المسلحة التي يدعمها في كل شيء. فصفقة «إس 400»، ومد خط أنابيب روسي للنفط والغاز عبر البحر الأسود وتركيا، إلى أوروبا، وإلزام روسيا إنشاء مفاعل نووي في مرسين، عناصر أساسية في هذه الصفقة.

في المقابل كانت روسيا تكافئ تركيا بالسماح لها بالعدوان على سوريا واحتلال الشريط الممتد من جرابلس إلى عفرين فإدلب، وتركيا كما هو معروف هي شريان الحياة للفصائل العسكرية الموجودة في إدلب، فعبر تركيا تمر كل الإمدادات العسكرية والغذائية والمالية.

وليس من قدرة لهذه الفصائل على التمرد على قرارات أنقرة. ولا يمكن في هذه الحالة الفصل بين الحركة الميدانية والسياسية لأنقرة، وتلك التي للمسلحين، وعندما يخرج قائد «جبهة النصرة» أبو محمد الجولاني ويعلن أنه لن يتقيد باتفاق أستانا الجديد فلا يأتي بجديد، فهو لا يعبِّر إلا عن رغبة وقرار الطرف الراعي له؛ أي تركيا. وقس على ذلك موقف سائر المجموعات المسلحة أياً كانت تسمياتها أو مصادر تمويلها وتسليحها، وكل الدروب تؤدي إلى طاحونة إسطنبول.

على هذا، فإن حديث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عن نيته شن هجوم على منطقة شرقي الفرات، إنما يأتي في سياق حرف الاهتمام والأنظار عن حراجة موقفه في إدلب، فضلاً عن تخفيف الضغوط الأمريكية عليه في صفقة «إس 400». ومع ذلك ليس هو بسائل عن العواقب ما دام يحظى بغض نظر موسكو، وليست هناك حتى الآن مؤشرات مستقبلية على تغيّر الموقف الروسي. أيضاً، فإن الحملة داخل تركيا على اللاجئين السوريين لن تخدم؛ بل ربما من تدبير الحكومة التركية لتبرير نقل هؤلاء اللاجئين إلى المناطق التي قد تحتلها تركيا شرقي الفرات لتغيير البنية الديموغرافية فيها، في إطار رسم حدود نفوذ تركية جديدة في إطار حدود الميثاق الملّي لعام 1920.

ردّ الخارجية الأمريكية على تهديدات أردوغان بعملية عسكرية شرقي الفرات، حيث قوات الحماية الكردية والقوات الأمريكية كذلك، كان واضحاً، وهو أن البيت الأبيض يعارض مثل هذه العملية ويحذّر منها، ولا سيما أنها يمكن أن تتم في مناطق قريبة من وجود الجنود الأمريكيين، وهو أمر وفق الخارجية «غير مقبول».

ومع ذلك فإن الموقف النهائي هو للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يمكن أن يفاجئ بقرارات خارج المألوف.

وفي كلتا الحالتين لا تزال تركيا تستفيد من التناقضات بين اللاعبين في سوريا، كما من لعبة عض الأصابع في المنطقة ككل، وتعمل على جني مكاسب سهلة، فيما تدفع سوريا من استقرارها ووحدة أراضيها، في لعبة الشطرنج التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.

“الخليج”

طباعة