aren

محمد مرسي والسؤال الكبير// بقلم : المحامي ادوار حشوة
الثلاثاء - 18 - يونيو - 2019

 

 

اولا ، نختلف مع الاخوان سياسيا في إطار رفضنا لقيام دولة دينية او طائفية!

وفي استعراض التنظيمات الاسلامية المعاصرة ، وحشيتها ، عنفها ، وأهدافها ، فان الاخوان ، هم الأفضل والأقل شرا من مثل (أنصار الشريعة) و(داعش) و(القاعدة) ، وما يماثلهم.

لقد كان هدفهم (الاخوان) ، حسب شعاراتهم ، الاسلام دين ودولة ، وهو تطبيق الشريعة. وأما انه دين ، فامر لا خلاف عليه ، وأما انه دولة ، ففي الامر اختلف الاخوان مع قطاع كبير من المسلمين ، الذين اعتبروا ان الآيات التي نزلت في المدينة ، والتي حددت نظام دولة الاسلام الاولى ، يجوز ان يتغير مع الزمن والمصالح في كل ما لا يتعارض مع العقيدة ، التي تحكمها الآيات المكية .

في مصر قاد الاخوان المعارضة ضد عسكر ثورة ١٩٥٢، التي كانوا محركا أساسياً فيها ، ثم غدر بهم عبد الناصر ليحصل على عدم عداء الامريكيين ، الذين طالبوه بمعاداة الشيوعية والأخوان ، والموافقة على فصل السودان عن مصر ، وتم اعتقال الكثيرين بعد المحاولة المزعومة لاغتياله.

عبد الناصر ، كان كل من يعلن تخليه عن الاخوان ، ويتعاون ، يرسله الى تنظيم اسلامي ، يقوده انور السادات الذي أمن لهم العمل والوظائف ، ومساحة ثقافية حرة ، كبديل عن الاخوان ، ولايجاد انقسام داخل الاخوان.

انور السادات ، استعان بالقسم المباحثي من الاخوان في تنظيم الشباب المسلم ، الذي كان يقوده ضد جماعة صبري ورفاقه من الاتجاه الناصري ، المتعاون مع السوفييات، ويمكن القول ان مصر في عهد السادات كان يحكمها معه تنظيم الشباب المسلم المباحثي!

في عهد مبارك ، كانوا (الاخوان) في المعارضة ، ولكن رموزا تنتسب الى مدرستهم الدينية ، تعاونت مع نظام الحكم. ولَم تشهد فترة مبارك أي عمليات قمع او اعتقالات واسعة ضدهم. ولكن نشاطهم الديني والسياسي شعبيا كان يزداد وعمليات عديدة من قبلهم لم تتوجه للنظام ، بل الى الأقباط !!.

في ثورة كانون الثاني ٢٠١١ ، كانوا مع شباب التظاهرات شركاء فيها ، وبدا للكثيرين انهم سيكونون نافذة أمل في تغيير حكم العسكر !! . عسكر مبارك كانوا الأكثر ذكاء في مواجهة المد الشعبي ضد حكمهم ، فخططوا لإنقاذ مبارك ، ولإعادة حكمهم عن طريق الإسراع في اجراء الانتخابات بظرف لم تتنفس فيه الاحزاب الاخرى ، ولَم تتوحد ، وتعيد ترتيب صفوفها ، والعسكر أرادوا دفع الأمور نحو تسليم الاخوان السلطة عبر انتخابات لا يوجد فيها غير تنظيم الاخوان المتماسك.

كان هدف العسكر ، هو ان خير من يعيد الاعتبار اليهم ، ويعيد دورهم في حكم مصر ، هو تسلم الاخوان للحكم ، الذي ستواجهه قوى عديدة ، تفضل حكم العسكر عليهم ، وبالتالي تعيد الاعتبار لحكم العسكر .

نجح محمد مرسي في الانتخابات الوحيدة الحرة في تاريخ مصر ، وحتى الذين ترشحوا ضده ، لم يعترضوا وتقبلوه ، كما في أي نظام ديمقراطي .

قيادة الجيش ، قدمت استقالتها ودفعت للواجهة رئيس المخابرات ، ليكون وزيرا للدفاع ، فتقبله محمد مرسي على عجل !! وفي فترة حكم محمد مرسي لم يعتقل الرجل من خاصموه في الانتخابات ، وحتى مبارك ، أمر مرسي بان يعامل كرجل مريض في مستشفى. حاول تطمين السعودية التي كانت حليفة لمبارك ، فزارها على عجل ،وأبدى استعداده للتحالف معها. على الصعيد الشعبي ، توقفت كل عمليات ضد الأقباط تطمينا لهم. أما  على الصعيد الاقتصادي ، فقد فشل الرجل فشلا ذريعا ، حيث هاجرت رؤوس الأموال الى الخارج ، وتوقفت عمليات استثمار عديدة، وعانت السياحةً كثيرا ، وتراجعت.

مصادر عديدةً ، نشرت الخوف من الاخوان ، فعاش اقتصاد السياحة ، أسوأ أيامه ، وافتقر كل الذين يرتزقون منه ولَم يكونوا عددا يستهان به. وأيضا السينما والمسرح ، تخوفا من التشدد والرقابة الدينية على النصوص والمسارح والأفلام ، وهاجر كثير من الملحنين والمخرجين والممثلين الى الخارج ، بحثا عن العمل.

في العلاقة مع (حماس والجهاد)، كانت امتدادا لكونهما بالأساس من تنظيم الاخوان الدولي ، وقد قدم لهما مرسي الدعم المالي والعسكري ، فأغضب اسرائيل الى حد كبير ، حيث تحولت مصر في عهده من وسيط بينهما وبين اسرائيل الى حليف لهما ضد اسرائيل .

كانت مخابرات العسكر ، تحرض وتشجع القوى المعارضة ، وتنشر الخوف من استمرار حكم الاخوان ، ونجحت في تدبير تظاهرات حاشدة جدا ضدهم ، فكانت المبرر والذريعة لعودة العسكر لحكم مصر ، ومعهم تاييد شعبي تناسى شرور حكم العسكر ، خوفا من الاخوان ، وطارت الديمقراطية !

شباب التظاهرات الذين عارضوا محمد مرسي في الانتخابات ، لم يعتقلهم مرسي ، بل اعتقلهم حكم السيسي ، لانهم كانوا مع إعطاء الاخوان الفرصة في الحكم ، وراهنوا على فشلهم وسقوطهم في انتخابات قادمة ، وكان رأيهم ان انتقال الاخوان الى العمل بالوسائل السياسية ، فرصة ذهبية لا تجعلهم مضطرين للعنف ، ولا لعودة حكم العسكر .

اعتقل العسكر محمد مرسي ورفاقه ، ونسبوا اليه التخابر مع قطر ومع حماس والجهاد. اما رفاقه الآخرون فاتهموا انهم وراء العنف الذي حصل بعد سقوط حكم مرسي. كانت تهمة التخابر مع قطر وحماس مجرد ذريعة لاعتقاله ، فالتخابر والرسائل بين الدول ، هي جزء من الديبلوماسية ، وليس في الامر جريمة ، ولو وصل الى حد التحالف. والعلاقة مع حماس كانت وما تزال حتى الان موجودة بينهما وبين مصر ، وسياسيا لمصلحة مصر ، ودورها .

بعد الحكم على مرسي بالمؤبد ، نقضت محكمة النقض ، الحكم ، واعادت المحاكمة ، وفِي الحيثيات إشارة الى ضحالة الأسباب ، الامر الذي يوجب على المحكمة التقيد به ، وسيقودها حتما الى البراءة ، لعدم كفاية الأدلة وفِي أسوأ الاحوال الى اعتبار الجرم ، جنحة ، حيث تسريب الأخبار مثل كتم المعلومات ، فيحكم بالجنحة ، ويطلق سراحه لانه أمضى اكثر من المدة المقررة ، لمثل هذه الجرائم .

عند هذه النقطة يجب التحري عن دور مخابراتي في وقوعه ، فعالم المخابرات ملىء بأحداث ، وادوية ، تسبب ذلك ولا تكتشف .

ما اريد ان أوضحه ، ان معاملة حكم العسكر لمرسي في السجن ، لا يوازي ما عامل به مرسي ، حسني مبارك. منعوا عنه الانتقال الى المستشفى ومنعوا زيارة اهله وزيارة المحامين ، وكل الطلبات حول ذلك، ردتها المحكمة بدواعي أمنية.

في يوغسلافيا السابقة حين اعتقل رئيس جمهوريتها ، وأحيل للمحكمة الدولية ، عومل باحترام ، ولَم يمنعوا الزيارات ولا المحامين. ومن المعيب ان رئيسا للجمهورية (سابق) ، يعامل بمثل هذه القسوة ، وعدم الرعاية الصحية خلال فترة المحاكمة ، التي استمرت طويلا بشكل مقصود ، وربما تسبب هذا في انهيار مستمر لصحته -اذا ابتعدنا عن فكرة التآمر عليه-

لم يكن الحاكم الصالح لمصر ، ولكنه لم يكن فاسدا ، ولَم يعتقل احدا ، ولَم يعترض على الوضع الخاص لحسني مبارك . وحتى الاخوان لم يرتكبوا في عهده أية اعمال وحشية ضد الأقباط وغيرهم ، ولكنهم فشلوا في ادارة الدولة لان الخطابات في المساجد لا تصلح في ادارة الدول ، التي تتحكم بها المصالح العليا ، والعلاقات الدولية.

رحم الله الرجل ، احتراما للملايين من المصريين ، الذين صوتوا له بحرية ، وبدون تزوير ، كما يفعل الحكام العسكر في كل مكان.

وهذا هو السؤال الكبير.

طباعة
هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها