aren

التجدد في الذكرى الثالثة لرحيل " الاستاذ " : “محمد حسنين هيكل” … كان يحتوى كل أطراف القوة الناعمة التي تريدها (مصر) والعالم العربي
الخميس - 21 - فبراير - 2019

 arton468

\ التجدد الاخباري \

 رئيس التحرير :

في ذكرى رحيل “الأستاذ” محمد حسنين هيكل – عميد الصحافة المصرية والعربية ، (17 شباط \ فبراير 2016) . ينشر موقع التجدد الاخباري ، “وصية هيكل” ، نقلا عن الكاتب الصحفي عبد الله (السناوي) ، في كتابه “أحاديث برقاش” ، والتي جاءت في العنوان الفرعي للكتاب : الأستاذ الكبير محمد حسنين هيكل “بلا حواجز”

كما وينفرد الموقع ، بنشر تفاصيل (اضافية) ، لم تتضمنها “الوصية”- كما رواها- الاستاذ السناوي في كتابه المنشور … وأيضا لمحات ، تناولت صورا متنوعة لأدوار لعبها (الأستاذ هيكل) في الحياة السياسية والصحفية ، كما نتوغل في دور (هيكل) الفرد والإنسان ، ببيته وأسرته ومن حوله، وعناصر تكوينه وعائلته ، ومتى يضحك ، ومتى يبكي … وعن علاقاته بالكتب ، والموسيقى ، والفن ، والمدن ، والعطر ، والشعر العربي ، والعالمي .. 

\ ملاحظة أولية – واجبة \ : هنا ، وباحترازا مهني ومنهجي أساسي ، نقول: ” إننا لا نحتفل ب(هيكل) لنمجد الشخص، بل نحتفل بالقيمة ، لنواصل عملية التراكم المعرفي الضرورية ، لتصحيح المسار، ونقدم (هيكل) كقيمة ثقافية ومهنية ، دون أن نغفل عن أنه بشر ، يصيب ويخطيء ، فلا تمجيد ، ولا تقديس لأحد”.

عبد الله السناوي

عبد الله السناوي

يروي السناوي في كتابه :

اللحظات الأخيرة في حياة “هيكل”

” ان الاستاذ ، بدا متأهبا نفسيا للرحيل. أراد أن يموت على سريره، أن يواجه قدره بلا وسائل صناعية للحياة. لم يك يريد أن تكون نهايته ك«ونستون تشرشل»، الزعيم البريطاني الذي قاد بلاده إلى النصر في الحرب العالمية الثانية، رجل يثير الشفقة على ما وصل إليه بأثر تقدم العمر وأمراضه. بدا أقرب إلى تفكير صديقه «فرانسوا ميتران»، الرئيس الفرنسي الاشتراكي الذي حكم بلاده أربعة عشر عاماً متصلة، رجل يقرر ألا يعاند الطبيعة عندما تعجز طاقته ، وتفتر همته.

وهو على سرير المرض الشديد ، حاول أن يستدعي أسلحته التقليدية في مقاومته. معنى الحياة عنده أن يتابع حركة الأحداث وما خلفها، ويقرأ المستقبل وما قد يحدث فيه. بادرني بسؤال واحد: «قل لي ما الذي يحدث؟». جلست على مقعد بجوار سريره ، أروي وأتحدث، وهو نصف ممدد منتبه للمعاني من وراء الأخبار ، ولا يخفي قلقه على مستقبل البلد ، ومصيره.

بحسب رواية منقولة عن أمين عام رئاسة الجمهورية، على عهد “حسنى مبارك”، فإن “ميتران” أثناء زيارته السنوية الأخيرة لأسوان فى احتفالات رأس السنة استقل سيارة وذهب حيث يتصل الأفق بالصحراء، نظر أمامه طويلاً، وعندما عاد كان قد قرر الامتناع عن تناول أى أدوية وأن تكون النهاية الآن.

35212292

طقوس “هيكل”

فيما بين اليومين العاصفيين تغيرت طقوسه الاعتيادية، وهو رجل مغرم بالطقوس، لكل شىء مواقيته وتنظيمه الخاص وأصوله التى لا يغيرها بسهولة، وكل شىء يبدأ وينتهى فى “برقاش”، كأنه أودع روحه فى المكان فهو: “الوحيد الذى أشعر بأنه بيتي”.. فـ”الجيزة بيت ومكتب كأني على موعد عمل”.

طوال رحلته الطويلة، إذا لم يكن هناك ما يلزمه بالسفر إلى الخرج، أو البقاء بجوار حركة الأحداث فى العاصمة، فإنه يذهب إلى بيته الريفى مساء كل أربعاء ويغادره صباح كل سبت. كانت تلك فرصة للقراءة الحرة بعيدًا عن ضجيج العاصمة وصخب حوادثها، والحوار مع زواره لفترات أطول مما تتيحها الظروف الطبيعية فى مكتب الجيزة. عادة فهو كان يحاور لساعة واحدة بالدقيقة والثانية قد تمتد لساعتين بمقتضى الظروف الملحة. فى “برقاش” كانت حواراته تمتد أحيانًا إلى خمس ساعات.

عندما أحرقت برقاش افتقد جلوسه فى مكان مفتوح، يحتسى قهوته ويطالع كتبًا وجرائد، أو يحاور أصدقاء ومعارف، غير أنه وجد حلولاً تعوض شيئًا مما افتقده إلى حين إصلاح ما خرب. دأب صباح كل جمعة أن يرتاد فندقًا على النيل، على مسافة قريبة من منزله، يجلس فى مرسى ومعه كتاب حديث أو اثنان وبعض جرائد اليوم وحارس شخصى يقف عن بعد ليطمئن على سلامته خشية استهداف حياته بعد ما جرى لـ”برقاش”. ثم اكتشف مكانًا آخر يواجه البناية التى يقطنها على نيل الجيزة للجلوس فى الشمس إذا كان الجو صحوًا ففى نادى تجديف الشرطة لم يكن يوجد فى ذلك الوقت من الصباح رواد يقتحمون عليه خلوته.

“هيكل” على سرير المرض

وهو على سرير المرض ، حاول أن يستدعي أسلحته التقليدية في مقاومته. معنى الحياة عنده ، أن يتابع حركة الأحداث وما خلفها، ويقرأ المستقبل وما قد يحدث فيه ، فبادرني بالسؤال: “قل لي ما الذي يحدث؟”.

وعلى مقربة من سريره ، كتب غربية صدرت حديثا ، كان قد بدأ في قراءتها، وبعض الجرائد اليومية المصرية، وشاشة التليفزيون مفتوحة على محطة أخبار، وفي غرفة نومه تبدت شخصيته، فكل شىء بسيط وذوقه خاص واللون الأبيض سيد المكان، ومن حين لآخر تدخل قرينته السيدة “هدايت تيمور” تطمئن على تناوله الدواء.

لم يكن بوسعه، وهو على ذلك الحال، أن يتذكر ما كتبه عن لقاء أخير مع الزعيم الهندي التاريخي “جواهر لال نهرو”: “كان على عادته، حتى وهو على فراش المرض، يريد أن يسمع ويريد أن يحاور”. استأذنته أن الوقت تأخر، وعليه أن يتخفف من بعض الأعباء واللقاءات ، وشواغل العمل اليومي ، دون أن يغيب عن الساحة ، وإبداء الرأي ، فيما يجري عليها من تفاعلات ، وحوادث. سيطرت على وجدانه ، فكرة أن وقت الرحيل قد حان، كأنه رسم خطا في فضاء الغرفة: “هنا النهاية”. لم تكن قضيته المرض ولا شدته، فجلسة طويلة في تحمل الألم ، وبعضه كـ”طعن الخناجر”: “أنا لا أخفي سني ولا مرضي”.

وصية “هيكل”

كتب وصيته في ثماني صفحات “وديعة” ، مغلفة عند رفيقة حياته عام 1997، ربما يكون قد أدخل عليها تعديلات فيما بعد. بدأها برسالة إلى “حبيبتي هدايت”، والنص قطعة من الأدب الرفيع بعدما يكون قد عبر الجسر ما بين الحياة والموت. وهو ينازع الروح ، أملى على نجله الأكبر الدكتور (علي هيكل) ، أمورا إضافية لم تتضمنها وصيته ، بعضها ترتيبات لما بعده ، وبعضها الآخر رسائل إنسانية لأصدقاء ، أقلقهم التدهور السريع في حالته الصحية ، ولم يتسن له أن يلقي عليهم نظرة الوداع. كما أودع وصيته ، نعيا مقتضبا وبسيطا كتبه بنفسه، بلا أي ادعاء ولا مبالغة، لينشر في صفحات الوفيات ب(جريدة الأهرام) ، عند رحليه.

نعي “هيكل” في الأهرام

كان شبه مستحيل ، أن يمضي الأمر على هذا النحو الذي صممه، فهو مؤسس الأهرام المعاصر، والصحافة المصرية والعربية ، ودعته بملفات موسعة كما يليق بواحد من أهم الصحفيين في القرن العشرين، لعله أبرزهم. لم يكن هناك معنى لعزاء مدفوع الأجر. لكنه تعامل مع نفسه كواحد من عامة الناس. أوصى أن يوضع على قبره مسجل بصوت الشيخ (محمد رفعت) ، يتلو آيات من الذكر الحكيم، الذي يحفظه عن ظهر قلب ، منذ أن كان صبيا صغيرا، ويرى في صوت الشيخ الجليل ، نفحة من السماء.

الشيخ رفعت و”الاستاذ”

“هيكل” والشيخ محمد رفعت

قال: “لو أن صوتا لا يتقن التلاوة أو به نشاز قرأ القرآن على قبره فإنني قد أموت فيها”. التفت إلى المفارقة التي لم يكن يقصدها ، وعلت ابتسامة على وجهه ، بددت كآبة الحديث عن الموت. ولم يتوقع أحد أن يوصي بالصلاة على جثمانه في (مسجد الحسين) ، حتى فتحت وصيته ، ففي اختيار المسجد نزعة صوفية رغم ثقافته المدنية ، وفي اختيار الحي ، انحياز لعراقة التاريخ ، والمكان الذي ولد فيه.

 

 

قصة بناء “هيكل” لمقبرتين … ولماذا اختار إحداهما ؟!

أما عن مقبرته ، فلها قصة – كما يرويها السناوي – ففي مطلع سبعينيات القرن الماضي، بعد رحيل جمال عبد الناصر، في الثانية والخمسين من عمره، قرر مع صديقيه الحميمين سيد مرعي، وزير الزراعة، الذي تولى رئاسة مجلس الشعب فيما بعد، والدكتور عزيز صدقي ، وزير الصناعة ، الذي صعد لرئاسة الحكومة تاليا، أن يسارعوا بشراء مقابر عائلية في حي مصر الجديدة، فربما يداهمهم الموت ، كما داهم جمال عبد الناصر مبكرا.

تشييع جثمان “هيكل” في مسجد الحسين

بدواعي ارتباطه العاطفي بمزرعة “برقاش” ، بنى مقبرة أخرى على أطرافها ، تتداخل مع مقابر القرية أسماها “دار البقاء” ، ثم أعاد التفكير في ذلك الاختيار ، خشية أن تكون مقبرته على أطراف المزرعة ، عبئا على أحفاده عائدا اختياره القديم، الذي أطلق عليه “دار العودة”.

250629_0

جثمان “هيكل”

جنازة “هيكل”

من مفارقات الحياة والموت ، أنه على مدى النظر من المكان، الذي دفن فيه، مقابر أخرى لجنود دول الكومنولوث، التي حاربت تحت العلم البريطاني في الحرب العالمية الثانية، فقد كانت بدايته المهنية تغطية وقائع المواجهات العسكرية في صحراء العلمين عام 1942 لـ”الإيجيبشان جازيت” أول صحيفة عمل بها.

عزاء “هيكل”

يشير عبد السناوى إلى أن وصيته ، تضمنت ألا يقام له عزاء في دار مناسبات، فراجعه فيما استقر عليه رأيه لمرات عديدة على مدى سنوات. وقال له: “ليس من حقك يا أستاذ محمد أيا ما تكون أسبابك أن تصادر المشاعر الطبيعية عندما يحين الفراق، أو أن تحجب حق أسرتك في التعزي”. لم يعلق مرة واحدة، وترك ذلك – رغم نص الوصية – لتقدير أسرته والظروف التي تطرأ.

haikal

التجدد \\ ( اضافات) أخرى

داخل غرفة نوم “هيكل” :

شاشة التلفزيون مفتوحة (بشكل شبه دائم) على محطة «C.N.N» الأمريكية الإخبارية.كل شيء بسيط ، وذوقه خاص ، واللون الأبيض ، سيد المكان.

“هيكل” في لحظاته الاخيرة :

دون أن يغيب عن الساحة ، وإبداء الرأي فيما يجرى عليها من تفاعلات وحوادث. كان هو نفس الرجل، يريد أن يسمع ويريد أن يحاور حتى النفس الأخير. بقي كما هو دائما ، يريد أن يدقق في المعلومات، ويسأل في الخلفيات ويستقصي الأبعاد، كما كتب يوما.

مرض “هيكل” :

كان يعاني من مرض “الفشل الكلوي”، وهو الذي ألم به قبل الرحيل … وينقل المقربون منه ، قوله في تلك الايام : «سوف أمتنع عن أي نشاط وكل حضور حفاظاً على صورتي». وقبل آخر إطلالة تلفزيونية له على شبكة (cbc) المصرية مع الاعلامية لميس الحديدي – قرب نهاية (٢٠١٥) – لم يكن متحمسا لأي حديث جديد، أراد أن ينسحب بهدوء من المجال العام كله. حى ينقل عنه ، انه تساءل يومها : «ألم يحن الوقت للتوقف النهائي عن مثل هذه الحوارات؟».

لم يأبه بالقيود المفروضة على حركته ، بعد عملية جراحية في عنق فخذه اليمنى، إثر سقوط من فوق درج في «الغردقة» ، أثناء إجازة عيد أضحى ، وقد طلبت قرينته ألا يقترب منه أحد ، حتى تأتي سيارة إسعاف تنقله لأقرب مستشفى، خشية أن تؤدي أي حركة خاطئة لمضاعفات لا يمكن السيطرة عليها.

حاول بقدر ما يستطيع ، أن تمضي الحياة على وتيرتها السابقة، رغم مصاعب الحركة ب«الووكرز»، الذي استعان به حتى يأمن أي مفاجآت. كان واضحا أمام نفسه قبل الآخرين ، وهو يقول: «لا يهمني إن ظهرت صوري وأنا أمشي بالووكرز». وينقل عنه قوله: « أنني في سن، السقوط فيها محتمل بأيّ لحظة ، ولأي سبب طارئ».

“هيكل” والسيسي :

في مرضه الأخير ، اتصل به الرئيس عبد الفتاح (السيسي) لمرات عديدة، كلما كان بقدرة «الأستاذ» أن يتحدث. طلب نقله إلى المركز الطبي العالمي على طريق الإسماعيلية لتلقي العلاج. وهو لم يكن يريد أي علاج على نفقة الدولة، أو في أحد مستشفياتها.

بذات القدر ، فإنه لم يكن يريد أن تكون جنازته عسكرية، كما جرى حوار بهذا الشأن بينه وبين الرئيس (السيسي) في لقاء ضمهما بقصر «الاتحادية» ، قبل أن يداهمه المرض الأخير. قال بما هو نصه: «أنت لا تملك لي سوى أن تأمر بجنازة عسكرية، وأنا لا أريد مثل هذه الجنازات».

السيسي يصافح “الأستاذ”

قبل أن يداهمه المرض ب”يوم واحد” ، استنكر بقوة مابثته إحدى الفضائيات ، من أنه اخترع زعيم ثورة يوليو \ تموز ، ولم يأبه بكلام آخر على نفس الفضائية ، يستعجل رحيله هو . قال: «جمال عبد الناصر؟!». وأردف استنكاره ببيت شعر : «هانت حتى بالت عليها الثعالب».

يروي مقربون منه أيضا ،”  انه قرب النهاية ، تبدت كبرياؤه الإنسانية رغم شدة المرض، أراد أن يعتمد على نفسه ، وان لا يطلب مساعدة من أحد، لا يشتكي ، وكان يواجه قدره ، رافعا رأسه. أراد أن يرحل على الصورة التي حرص عليها طوال حياته ، ورسم بدأب أدق تفاصيلها”.

عن وصية “هيكل” الوديعة:

انتهى من كتابتها قبل أن يدخل إلى عامه السابع والسبعين في (٢٣) سبتمبر عام (٢٠٠٠). ربما يكون قد أدخل عليها تعديلات فيمابعد. وقد قال: «لنكن واقعيين، بعدد السنين فأنا قرب النهاية ومستقبلي ورائي». تعامل مع نفسه كواحد من عامة الناس، فمن يدري كيف تكون الظروف السياسية عند رحيله؟.

“هيكل” … وآخر رحلة :

بحلول عام 2016 ، وفي تلك الظروف الصحية التي يمر بها ، والسياسية التي تمر بها مصر ، سوف يقرر ” الاستاذ” أن يطل على (الأندلس) بعد ثلاثين سنة من آخر زيارة ، وذكرياته فيها لا تغادر مخيلته. وعن تلك الرحلة يقول المقربون منه : ” بدا مسحورا بجمال الأندلس ، وإرثه الحضاري ، كأنه يراه لأول مرة. في كل مكان أثر جليل من تاريخ أمة عريقة ارتبكت هويتها ، وضاعت بوصلتها ، وجرفت نظرية أمنها القومي”. أيضا فكر في ان يزور (اليونان) و(أماكن أخرى)، لكن شيئا ما دعاه إلى الأندلس.

من وداع في الأندلس إلى الوداع في القاهرة :

عندما بلغ الثمانين من عمره عام (٢٠٠٣) ، كشف هيكل في مقاله الأشهر «استئذان في الانصراف» ، أن «السرطان» قد زاره. وكانت تلك شجاعة اعتراف أمام الرأي العام.

زيارة «السرطان» ، استدعت تدخلاً جراحياً خريف (١٩٩٩) في «كليفلاند كلينك» بالولايات المتحدة ، استؤصلت فيها : (كلية وحالب وقمة المثانة على الجانب الأيسر). في فبراير (٢٠٠٨) ، زاره «السرطان» مرة أخرى ، أثناء إجازة عيد أضحى في الغردقة. بدأت الأزمة الصحية لدى (الاستاذ) بظواهر قصور في الدورة الدموية .

وخلال رحلة علاج له ، في «بوسطن» ، كان يتردد يوميا على أحد مستشفياتها، لكنه لم يضطر إلى المبيت فيه يوما واحدا. وقد استبقاه الأطباء، وهو يتأهب للعودة، لإجراء اختبار إضافي للحساسية، والتأكد من سلامة الفحوص الأخيرة. ويذكر عنه ، انه عندما أخضع لتدخل جراحي بالأذن في أحد مستشفيات مدينة «فرايبرج» الألمانية في مارس (٢٠٠٩) بادر- فور تعافيه النسبي- بالسؤال عما يحدث في مصر، خشية أن يكون فاته حدث جوهري، أو تطور طارئ.

“هيكل” … :

لم يكن يميل للإفراط في المجاملات ولا المراثي. سؤاله وأولويته كانت دائما ، أين القيمة؟ . الإفراط بغير منطق ، يأخذ من المعنى حرمته ، ومن الكلام احترامه. أحد مصادر قوته ” أن الماضي لم يكن يقيد نظرته إلى المستقبل”. يقول : «لا يمكن أن تنظر إلى المستقبل وتفكيرك مقيد بالماضي … » ، ويضيف «للماضي أهميته بقدر ما يشير إلى معنى لا يصح إهداره وخطأ لا يجوز تكراره».

هيكل

من هذا المنظور حاور أكثر من أي أحد آخر في هذا البلد الأجيال الجديدة. كل الأسماء التي برزت بعد «يناير» وأثناء «يونيو» التقته في مكتبه. استمع بلا وصاية ، لأحلام تولد ، وأفكار تبحث عن تجربتها، أراد أن يرى الصورة التي يمكن أن يكون عليها المستقبل بعده.

قبل أن يدخل في تعقيدات المرض الأخير طلب من الرئيس الإفراج عن الشباب الموقوفين وفق قانون التظاهر. وفي هذا الطلب يقول المتابعون : انه انحياز إلى المستقبل ودعوة إلى فتح صفحة جديدة لا تحجب حركة إلى الأمام.

إرث «هيكل»- هنا بالضبط- في اتساع نظرته إلى المستقبل، وفيما خلفه وراءه من رؤى في الأمن القومي والفكر السياسي والتأريخ للصراع على مصاير المنطقة، هو نفسه لخص تجربته ب«عمر من الكتب».

7566e6af-e1a7-4721-9b0e-d1cb3a14851d

وديعته في كتبه :

لم يكتب سيرة ذاتية، ولا كان واردا في تفكيره أن يكتبها، فكل ما أراد أن يتركه أشار إليه في كتاباته وكتبه، أو أودعه على شرائط مسجلة بثتها محطة «الجزيرة» في برنامجه «سيرة حياة»، ونصوصها فرغت على ورق ، وضبطت صياغتها لتكون صالحة للنشر، وقد راجعها بنفسه.

على عكس ما اعتقد كثيرون أنه سوف يخلف وراءه سيرة مكتوبة بأسلوبه ل«جمال عبد الناصر»، فإنه كان على يقين طوال الوقت أن هناك قضية واحدة ، هي من يستحق أن يترك وديعة عند أصحاب الحق في المستقبل، أن يعرفوا ماذا جرى في مصر وحولها، وأين كانت معاركها، ولماذا يراد أن تتكرس فيها ثقافة الهزيمة؟

قبل رحيله بثلاث سنوات ، عرضت عليه دار «هاربر كولينز» البريطانية، التي تتولى نشر الطبعات الدولية من كتبه، أن يكتب كتابا جديدا عن «الربيع العربي» ، مقابل مليون جنيه استرليني. شرع في زيارات خارجية ، ابتدأها بلبنان للحصول على وثائق ، يؤكد بها روايته للحوادث العاصفة التي جرت، وكان لديه ما يقوله جديدا وموثقا. أثناء تلك الزيارة ، ظن الإعلام العربي كله ، أنه قدم إلى بيروت للتوفيق بين الفرقاء اللبنانيين ، حيث التقى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس المجلس النيابي ، وقادة التيارات والأحزاب الرئيسية بلا استثناء تقريبا.

… وإرثه في مدرسته :

كتب يوما الصحافي المصري المعروف (سلامة ) أحمد سلامة ، والذي يتميز بعقلانيته وموضوعيته في الاقتراب من الظواهر السياسية : “لا أعرف كيف يمكن للأجيال السابقة واللاحقة أن تعرف كثيراً من الحقائق التي حجبت، أو أخفيت عمداً، أو نتيجة عدم الاكتراث، لولا ما نشره هيكل؟!”.

… وحقا كان”هيكل” ظاهرة فريدة ، يصعب كتابة تاريخ مصر المعاصر والاقليم العربي، دون التطرق إليها ، والتوقف عندها، فقد كان دائما (هناك) ، حيث التاريخ يتحرك. وقدم هيكل في مسيرته ، نموذجا رفيعا فى الاهتمام بالثقافة ، وعلاقة الصحفى بالدولة. وانطلاقا من أن “مؤلفات هيكل” ، هي مصادر أساسية لقراءة تاريخ (مصر) ، والمنطقة .

2019-636860381621552113-155

هدايت (تيمور) في أثناء التوقيع مع د. مصطفى الفقي

وقعت هدايت (تيمور) قرينة الراحل الأستاذ محمد حسنين هيكل ، والدكتور مصطفى (الفقي) مدير مكتبة الإسكندرية ، الاتفاق النهائى ، لحفظ مكتبة الأستاذ هيكل ، الفريدة ، بجناح داخل مكتبة الإسكندرية، متضمنة كتبه وأوراقه ، فضلا عن بعض المتعلقات الشخصية ، ومنها المكتب الذى جلس عليه ، وشهد كتاباته، وذلك وفق الشروط ، والمتطلبات التى اتفق عليها الطرفان.

وقد استغرق التفاوض ، لإتمام الاتفاق ، بين عائلة الأستاذ “محمد حسنين هيكل” ومكتبة الإسكندرية ، شهورا ، … وحضر التوقيع في منزل الأستاذ هيكل بالجيزة ، كل من الدكتور (علي) هيكل ، والدكتور (أحمد) هيكل ، و(حسن) هيكل.

mohamed_3578706b

«علامات على طريق طويل»..سجل إنسانى وثائقى من حياة «الأستاذ هيكل »

هنا ، بعضا يسيرا جدا من (آلاف) المواقف واللمحات الإنسانية والثقافية ، التي كانت في غاية الخصوصية والدقة والفلسفة ، الطرف الأول فيها ، بحضوره الشديد الأستاذ “محمد حسنين هيكل” .

 الدكتور جابر عصفور :

” هيكل، مثقف رفيع القدر ، نادر الوجود ، كان يرى المعرفة قوة، ليس فقط للجريدة التى يترأس تحريرها ، بل قوة للأمة كلها، كان هيكل يتردد على الدور السادس بالجريدة (الاهرام) ، ويلتقى بعمالقة الأدب مثل نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ولويس عوض وبنت الشاطئ ولطفى الخولى ويوسف إدريس.. أسماء لا يزال لها قوة الأثر الذى تركوه فى المجتمع المصرى والعربي، فقد كان هذا المجتمع يتعلم من جريدة الأهرام ومن كُتابها ومن الآفاق التى تفتحها، ولذلك لم يكن من المصادفة أن تصبح الأهرام الجريدة العربية الأولى بلا منازع.

102014822106

عندما كانت اتولى منصب الأمين العام للثقافة ، قررت إطلاق المشروع القومي للترجمة، ليتيح للقارئ المصري روائع التراث العالمي في ترجمة جيدة وبأسعار معقولة، وتم طبع الكتب الأولى، وأرسلنا عينة منها إلى الأستاذ هيكل، ولم يكن وقتها يتقلد أي منصب رسمي وإنما تقديراً له ولثقافته ولدوره العظيم. وجاءني منه خطاب يشكرني فيه، مع نقد لاذع لمستوى طباعة الكتب وإخراجها.

ولم يكتف هيكل بذلك بل قدم لي ، شيكا بثلاثين ألف جنيه باسم المشروع القومي للترجمة، وكان هذا الفعل بمثابة تشجيع لم يقم به أحد من قبله، ولذلك فان هذا المشروع ، يدين لهيكل في مراحله الأولي، وبعد عدة شهور عندما احتفل مشروع الترجمة بإصدار الكتاب رقم ألف، أرسل هيكل شيكاً آخر بمبلغ 35 ألف جنيه، بعدها تنبهت الدولة إلى أهمية المشروع فرصدت له الملايين بعد إشارة هيكل”.

وتابع عصفور : “ولم يكن هيكل من رؤساء التحرير التقليديين الذين ينحصر دورهم فى إدارة جريدة تصدر أخبارا وتنشر مقالات فقط، بل كان صاحب رؤية حقيقية، منفتحا واسع الأفق. وكان يعرف أن قوة الدولة في ائتلافها القومي أو الوطني وفي التعددية الفكرية والثقافية لجميع كتابها ومبدعيها ومفكريها، بمختلف انتماءاتهم الفكرية والفلسفية والدينية. ولذلك كانت الأهرام تضم من الماركسي إلى الإسلامي، فكان يضم لويس عوض مثلا مع بنت الشاطئ مع لطفى الخولي. ومن ذلك التكوين القائم على التنوع الخلاق صنعت جريدة الأهرام مجدها”.

كما أن هيكل – بحسب عصفور – ” قدم نموذجا فذا في علاقة رئيس التحرير بالدولة، وهو – أي هيكل – لا يراها علاقة إذعان وتبعية مطلقة. فعندما نشرت الأهرام رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ في العام ١٩٥٩، بدأت الأصوات الرجعية في الاحتجاج، وطالبوا بوقف نشر الرواية إلا أن هيكل قرر الاستمرار ونشر الرواية كاملة مسجلا موقفا ثقافيا وسياسيا رفيعا في فهم رئيس التحرير لموقف الجريدة من الدولة والمجتمع ، والطبعة الكاملة التي يعتمد عليها ، هي التي تم نشرها على صفحات جريدة الأهرام”.

ولم يكن نموذج رواية أولاد حارتنا ، هو الموقف الوحيد لهيكل في هذه الزاوية، فقد نشر يوسف إدريس رواية بعنوان (العملية الكبري)، من يقرؤها يجد أنها اعتراض رمزي على ما كان يتصوره إدريس من ديكتاتورية عبد الناصر”.

الكاتب مرسى عطا الله :

يستذكر عطا الله ، واقعتين له مع هيكل: الأولى عندما قامت حرب أكتوبر، “وكان وقتها على اتصال بالقيادة العسكرية بصورة يومية. ودخل يوماً على هيكل فوجده متهللاً قائلاً: عثرت اليوم على الكنز على لسان توفيق الحكيم، الذى لم يقل عبرنا القناة وإنما قال مقولته الشهيرة (عبرنا الهزيمة)، وهنا يقدم هيكل درسا في إنكار الذات لصحفى عرف عنه ابتكار العناوين، ولكنه عندما وجد عنوانا جيدا لغيره تبناه ن واحتفى به ، لأنه عنوان ثقافي أكثر منه سياسيا ، ويعطي عمقا رمزيا لعملية العبور ،ودلالتها..

مرسي-عطالله

وهذا هو هيكل الذى كان مؤمنا بأهمية الثقافة في العمل الصحفي كله ، وليس فقط في القسم الثقافي ، أو في صفحات الثقافة، ولذلك جمع كتاب مصر في صفحات الرأي بمختلف مشاربهم، وهم من أسهم في القوة الناعمة لمصر” .

” والواقعة الثانية ، عندما حدث الغزو العراقي للكويت، اخترت عنوانا من ثلاث كلمات ، هو كارثة عربية مفزعة، ففرح به الأستاذ هيكل ، لأنه يلخص المسألة بعيدا عن لغة التحالفات ، ويجعل موقف مصر واضحا من رفض الغزو بكل المعاني”.

” كان هيكل يضع الرجل المناسب في المكان المناسب ، وليس مجرد حشد لقدرات مهنية فقط، وهذا خطاب ثقافي. فقد كان أول من جعل قسم المعلومات في الجريدة جزءا من الديسك المركزي ، الذي يقوم بمراجعة كل صفحات الجريدة، لأن ثقافة الدقة كانت منهجه كما أنه كان يرفض أن يتم تكذيب الأهرام ، وهذا سر نجاح الجريدة وخطابها الأساس: المصداقية ”

الكاتب محمد سلماوي :

يقول سلماوي في تذكر لقاءه الأول بهيكل : ” عندما بدأت العمل بالأهرام كنت متهيبا اللقاء، وقد فاجأني الأستاذ عندما سألني عن دراستي في الأدب الإنجليزي ، وهل كانت مسرحية هاملت ، مسرحية غير مكتملة – كما يقول بعض نقاد الأدب الإنجليزي-

index

لم يكن اختياره لي للعمل في القسم الخارجي ، إلا لأن نظرته للعمل الصحفي كانت شاملة لما ينبغي أن تكون عليه الصحافة. فقد اختار للعمل فى هذا القسم من يجيد الانجليزية ومن يجيد الفرنسية ، ومن يتخصص في السياسة ، ومن يعرف الثقافة، لأن المتابعة الخبرية للأحداث ، تتطلب التنوع ، وقد حرص على مد القسم الخارجي بكل التخصصات العلمية والفكرية ، والثقافية”.

 

كان الأستاذ هيكل يحفظ عن ظهر قلب عددا هائلا من الأشعار العربية ، يرددها في مناسبات مختلفة ، تلخيصا لما يريد أن يقوله سواء في مقالاته أو حواراته التليفزيونية الأخيرة. كذلك كان هيكل مولعا بالموسيقى من خلال متابعته لبرنامج الدكتور حسين (فوزي) عن الموسيقى العالمية ، الذي كان يحلل فيها السيمفونيات الشهيرة لبيتهوفن وغيره.

ومما ساهم في سعة الأفق لدى هيكل تمتعه بقدرات عالية في سرعة القراءة، وأذكر أن لندون (جونسون) نشر مذكراته في ال(نيويورك تايمز) ، فقام هيكل بشراء حق نشر هذه المذكرات ، كسبق صحفي.

9789773202835

 

…و هنا ، قطوف نادرة ، وصور مشبعة بالانسانية عن حياة “الاستاذ” :

تعود أصول عائلة ” الأستاذ هيكل” إلى محافظة أسيوط ، المنتمية لإحدى القبائل العربية (البحاروة) المقيمة في قرية ديروط الشريف ، التابعة لمركز ديروط، وقد رحل جزء منهم إلى الوجه البحري خلال القرن التاسع عشر، وأقاموا في بلدة “باسوس” التابعة لمركز القناطر الخيرية في محافظة القليوبية.

وبعدها ، قدم والده إلى مدينة القاهرة ، مزاولا تجارة القطن والقمح، وكان لديه شونة (مخزن غلة) في حي أثر النبي (جنوب القاهرة) لمحاصيل الوجه القبلي، وشونة في حي روض الفرج (شمال القاهرة) لمحاصيل الوجه البحري، وابوران طحين في حي ابو السعود (مصر القديمة)، ومحلج قطن قرب مدينة بنها.

أسرة الأستاذ ، وجده لأمه (بيومى سلاّم) ، مارسا كلاهما التجارة، وكان والده مشاركا لجده في تجارة الغلال السودانية، بين القاهرة والريف. كان جده لأمه من كبار التجار، فكان لديه عدة وكالات في السكة الجديدة والحمزاوي (منطقة الجامع الأزهر).

ولد “الأستاذ” ، ( 23 أيلول\ سبتمبر عام 1923) ، في حي الحسين (التابع لحي الجمالية) ، أحد أحياء القاهرة الفاطمية، في بيت جده لأمه (رقم 8 شارع جوهر القائد)، المجاور لبيت الرافعي وبيت الرزاز. وقد ترعرع الأستاذ مع أبناء خاله (الوحيد) عبد القادر.

عن الطفولة

يقول عن هذه المرحلة : أنا ضعيف جدا مع أولادى (عليّ وأحمد وحسن) ، وضعيف جدا مع أحفادى (محمد وهدايت ومنصور وتيمور ونادية وراشد وعليّ) .. ضعيف أمام أى طفل، وبيني وبين الطفولة علاقة دافئة. فليس أجمل في الدنيا من الجلوس برفقة طفل، ملامسة الإنسانية في براءتها الأولى، خطوات البداية في رحلة الاستكشاف ..

ـ عندما قمت برحلة إلى أمريكا اصطحبت فيها أولادي لاكتشفها معهم من جديد، ربما كان هدفي وقتها سياسيا إلى حد ما، فقد كنت أشعر بقوة الانبهار بكل ما هو أمريكي في منتصف السبعينات، ولهذا رافقني أولادي لمشاهدة أمريكا على أرض الواقع ليعرفوا أنها ليست بالصورة التي تسكن خيالهم، وليست بلاد المعجزات! .. ويسترسل في حديثه:

ـ أولادي متعة ومسؤولية، فأنا مضطر لتحمل همّ تربيتهم وتعليمهم ومتابعة تقدمهم. بينما الأحفاد متعة دون مسؤولية، وهنا تكمن الميزة!

عن شريكة العمر ورفيقة الدرب

هي ، هديت (تيمور) ، كريمة (علوى) محمد أمين تيمور (توفي يوم الأحد 8 فبراير 1976)، ووالدتها ، هي (أمينة) بسيم (توفيت سنة 1965)، … اقترنت بالأستاذ هيكل ، يوم الخميس 27 يناير\ حزيران  1955، وأنجبت له ثلاث أولاد ، هم: علي و أحمد وحسن.

طار في وجهي نَسْر

يروي خالد (عبد الهادي) في كتابه (هيكل لمحات إنسانية ـ علامات على طريق طويل) : في تشرين الثاني \ نوفمبر 1997 ، وجهت له(هيكل) ، سؤالا: «أي من الحيوانات أو الطيور أو حتى الحشرات معجبا بها؟»

وأجاب الاستاذ دون تردد: «النسر»!

وعندما طالبته بتوضيح، أجاب: «أن النسر له سبع مزايا، هي:

– رؤية ثاقبة ومركزة، قادر على قيادة الآخرين!

– لا يعترف بالخوف، ويواجه الخطر وجها لوجه!

– يمتاز بالعناد الإيجابي لا السلبي، فهو على سبيل المثال لا يحني رأسه للعاصفة، بل يرتفع ويرتقي فوقها!

– مغامرا، فعلى سبيل التقريب له طموح الملوك، لا دسائس القصر، كما الحمام على سبيل المثال!

– بعكس ما هو شائع فهو لا يأكل اللحوم الميتة (جثث خامدة جامدة) بل النيئة والطازجة (متعة الخروج للبحث عنها ورصدها)، بمعنى قضاء وقت مع المتحررين فكريا وعاشقي الحياة (لا الموت)!

– رغم حيويته، ولكنه في سن الثلاثين تقريبا يعيد صياغة نفسه (ليجدد ويعيد انتاج نفسه)، بمعنى تقييم الماضي وعلى أي أرضية يقف (وقفة مع النفس)!

ثم توقف لبرهة، وأمسك علبة كبريت ضخمة، وأشعل عود ثقاب بسيجاره الكوبي الفاخر، وشد نفسا عميقا، واستطرد قائلا:

– المشهور عنه شراسته، لكن ليس مع صغار النسور وشبابها، بل رعايتهم وتوجيههم»!

عن الوطن .. سنوات البهجة والسرور

رد الأستاذ هيكل على سؤال ، متى فرحت للوطن؟ ، فكانت إجابته، فرحت مرتان:

– الأولي: يوم الخميس 26 يوليو 1956، عندما أتخذ جمال عبد الناصر قرار تأميم قناة السويس، تصحيحا لجريمة تاريخية وسعيا وراء ربح مصري مشروع … وإذ الدنيا تقوم كلها على أطراف أصابعها، تحبس أنفاسها المبهورة وهو لم يفرغ بعد من قراءة باقي مواد القـانون.

– والفرحة الثانية : يوم السبت 6 أكتوبر 1973، في الساعة الثانية ظهرا، عندما اتخذ أنور السادات وحافظ الأسد قرارا مصيريا بقبول التحدي، والقرار كان يعنى وقتها امتلاك الإرادة، وقيام الجيشان المصرى والسورى باجتياز حائط الخوف، عبر عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف، بينما القوات السورية تتخطى جميع تحصينات العدو في الجولان وتتقدم بسرعة نحو مدينة القنيطرة ..

كانت عاصفة برق ورعد، وكانت ملحمة شجاعة وتضحية، وكان الجندي العربي قد حقق بالعبور ما يشبه المعجزة، ودون تجاوز فقد تغيرت خرائط، واهتزت عواصم، وتلاشت صورا، وصحح خلل الموازين، وتبدى تماسك الأمة العربية وتناسقها، بغض النظر عن الصور النهائية المتباينة مع البدايات!

ففي الساعات الثلاث من بعد ظهر السادس من أكتوبر 1973، كانت مصر وسوريا، والأمة العربية كلها، قد اجتازت حائط الخوف، كاسرة في كل ساعة أسطورة!

في الساعة الأولى انكسرت أسطورة العجز العربي عن اتخاذ قرار الحرب، وفي الساعة الثانية انكسرت أسطورة الخوف من العدو، وفي الساعة الثالثة انكسرت أسطورة قوة الردع الإسرائيلية التي لا تقهر!

.. ومن أغرب الشهور

في أغسطس سنة 1999 كان الأستاذ هيكل يقضي إجازته في منزله بالساحل الشمالى ويطالع كتاب: «Endgame: Solving The Iraq Crisis – نهاية اللعبة: حل أزمة العراق» وهو لسكوت ريتر Scott Ritter (مفتش الأمم المتحدة على الأسلحة فى العراق 1991 – 1998).. ب

عد قليل رن الهاتف (الواحدة ظهرا تقريبا)، وحولت إليه المكالمة (لم تستغرق بضع دقائق)، تحمل له خبر وفاة سكرتيرته السابقة السيدة نوال المحلاوي (الثلاثاء 17 أغسطس) – كان الخبر مزلزلاً .. قرر الأستاذ قطع إجازته فورا، والعودة إلى القاهرة للمشاركة في جنازة الراحلة (هي خريجة الجامعة الأمريكية، وباتت شخصية ذائعة الصيت في مصر والعالم العربى كونها مديرة مكتب الأستاذ هيكل.

عن الشعر وزمنه !

مما قاله الأستاذ : أنا أحفظ حوالى عشرة آلاف بيت من الشعر ، أرددها باستمرار كلما أمكن. ليس فقط من باب التذوق. ولكن أيضا لتقوية الذاكرة..وعلى فكرة أنا في يوم من الأيام ، حاولت أن أكون شاعرا وكتبت شعرا رديئا.. هي محاولات ساذجة في أيام الصبا، والمذاكرة. وبنت الجيران.

وأنا اذكر واقعة محددة ، قلت فيها شعرا، لأنه سبب لي مشكلة ، فقد كانت بنت الجيران تخرج إلى الشرفة لابسة ثيابا سوداء. ويبدو أن أمها التي كانت تكره السواد ضغطت عليها، فغيرت البنت ثوبها إلى اللون الأحمر، وفوجئت بها في الشرفة مرتدية هذا الثوب. فسارعت إلى كتابة بيتين من ذلك الشعر الرديء ، قلت فيهما:

مَاذَا بِقَلْبِكِ يا حَسْنَاءُ مَنْ وَجْدٌ يَضْطَرِبُ

أَحَالُ الْفَحْمَةُ السَّوْدَاءُ إِلَى حَمْرَاءُ تَلْتَهِبُ

نقلت البيتين في ورقة ناولتها لشخص كان يعمل في بيتنا، وطلبت منه أن يوصلها إلى بنت الجيران، وذهب إلى بيتها فعلا، لكنه أعطى الورقة إلى أمها .. وجرى ما جرى .. لكن لم استمر في كتابة الشعر لحسن حظ الناس ولحسن حظي .. ثم خطفتني الصحافة».

عن (أَحْمَدْ شَوْقُي) :

غُلِبُوا عَلَى أَعصَابِهِمْ فَتَوَهَّمُوا           أَوْهَامَ مَغْلُوبٍ عَلَى أَعْصَابِهِ

الأستاذ هيكل :« أنه من بعد أحمد شوقي لم تشهد مصر تجربة شعرية ضخمة»! .. ويضيف الأستاذ «أن شعر العقاد بنيان عقلي أخاذ، لكن تلك هي النقطة الرخوة فيه، فهو عقلاني تجاوز الضروري من الشعر: عقل وروح، مفتقرا بقسوة إلى الإحساس».

في شهر تشرين اول \ نوفمبر 1997 ، وبينما كانت الأخبار متواترة عن نية الإدارة الأمريكية بشن ضربات على العراق. سأل أحدهم، الأستاذ هيكل: عن تصوره لشكل المنطقة بعد الضربة الأمريكية وإزاحة الرئيس صدام حسين؟ وكان رد الأستاذ بالحرف تقريبا، سأحكي لك حكاية قصيرة وسريعة ، وأنت بعدها تستطيع ، أن تستخلص الإجابة!

يضيف هيكل : كان صديقي الأستاذ كامل الشناوي يحضر حفلاً لتأبين زعيم حزب الوفد سعد (زغلول)، وقد حضرها الأستاذ عباس محمود (العقاد)، و ألقى قصيدة لهذه المناسبة : بعنوان «ذكرى الأربعين»، وبداية القصيدة:

أَمْضَيْتُ بَعْدَ الرَّئِيس الأربعون             عَجَّبَا كَيْفَ إِذَنْ تَمْضِي السَّنُون

وعندما انتهى العقاد من إلقاء قصيدته، عاد لمكان جلوسه، وكان يجلس بجانبه الأستاذ كامل الشناوي، وطلب رأيه، فرد عليه الشناوي: كما مضت الأربعون!

هيكل و أَبُو الطَّيِّبِ الْمُتَنَبِّيَّ:

وَمَاذَا بِمِصْرَ مِنَ الْمُضْحِكَاتِ                       وَلَكِنهُ ضَحِكٌ كالبُكا

يرى الأستاذ «أن الشاعرين: شوقي والمتنبي، سياسيان، كان الشعر وسيلتهم ومنبرهم للتعبير عن آرائهم وتوجهاتهم السياسية».. حينما تطالع ديوان المتنبي ، تتحسس الكلمة وبلاغتها وموسيقاها ، وصورتها.

عن (صَلَاَحَ جَاهَيْنِ) :

مَلَاَيِين الشِّعْب تُدَقُّ الْكَعْب تَقُولُ: كُلّنَا جَاهِزِين

عن (محمود درويش) :

عندما تناول هيكل ، ديوان ( جدارية ) لمحمود درويش ، قلب الديوان ، ثم توقف أمام تلك الجملة:

وَكُلَّمَا صَادَقْتُ أَوْ آخيت سُنْبُلَةً تَعَلَّمْتُ

الْبَقَاءَ مِنَ الْفَنَّاءِ وَضَدَّهُ

أَنَا حَبَّةُ الْقَمْحِ الَّتِى مَاتَتْ لِكَيْ تَخْضَرَّ ثَانِيَةً

وَفِى مَوْتِى حَيَاةٌ مَا …

ثم توقف الأستاذ هيكل وقال بصوت مطمئن:

مَا قَيِّمَةُ الرّوحِ إِنْ كَانَ جَسِّمِى مَرِيضًا وَلَا يَسْتَطِيعُ الْقيَامَ بِوَاجِبِهِ الْأَوْلِيِّ؟

فقد توقف الأستاذ برهة، ثم قال بحزم: أنا من الذين يفضلون الحياة مع الخطر على الحياة مع الألم، فالأول مقدس ، بينما الثاني مهين!

وفى يوم الخميس 12 فبراير 2016 كان الأستاذ على موعد مع ما استقر في وجدانه من كلمات محمود درويش، قد هرمت السنوات وانزوت الأيام، ووهن الجسد، وبلغت الروح نزعها الأخير، ووصلت الرحلة إلى منتهاها، واكتملت الرسالة، مستعدا لحياة ثانية، داعيا المحيطين به بأن «لا تشاكسوا القدر»!

فكما كتب ذات يوم: «الموت حدث طبيعي من داخل السياق وليس من خارجه، فالموت جزء من الحياة بل هو تجديد لها عبر تدفق إنساني شاءت له عناية الخالق الأعظم أن يتواصل بمثل تواصل الزمن، وختام كل يوم في الزمان غروب، ثم إن الغروب سهر في انتظار شروق جديد، وكذلك تمضي الحياة غلابة على الموت!»..

… وعن (الشعر الفكاهي) :

عندما سأل الأستاذ عن الشعر (الحلمنتيشي \ الفكاهي أو المنولوجي)، وقدمت له قصيدة قد نظمها الأستاذ عبد السلام شهاب ، بمناسبة مرور عشرين عاما على اشتغال الأستاذ بمهنة الصحافة (فبراير 1962) ..وهي بعنوان : “هيكل .. زميلا” ، سأل : «كيف تم العثور عليها ؟ ، ثم سمعها … وفي النهاية ، ابتسم:

… مطلعها :

عِشْرُونَ عَامًا وَأَكْثَر .. وَلَيْسَ عَقْلِى دَفْتَر

قَدْ حَلّ فِيهَا زَميلٌ .. مَنْ خَيِّرِ أَبَنَّاء عَبْقَر

فَتًى طَرُوبُ الْمُحَيَّا .. كَالْنِّيلِ أَسْمِرْ أحْمَر

يَطَلُّ مِنْ نَاظِرِيهِ فَكَرٍّ ذَكِيّ .. مُصَوَّر

بِمثلِهِ .. صَحَفِيًّا .. كُلُّ الصِّحَافَةِ تَفْخَر

وفى السياسة أدهى .. من أي نمس وأمكر

وفى السياحة أمضى .. من جاجارين وأمهر

تراه فى مصر ليلا .. والصبح فى مدغشقرْ

والظهر فى نيويورك .. والعصر فى مانشستر

وكلنا قد عرفنا .. هَذَا الزَّميلَ الْمُوَقَّر

مَا زَالَ هَيْكَل يَبْدُو .. أَبْهَى كَثِيرًا وَأبْهَر

وَهَا هُوَ الْيَوْمَ فِينَا.. مَا بَيْننَا قَدْ تصَدَّرْ

شَبَابُهُ لَيْسَ يَبْلَى بِالدَّهْرِ لَا يَتَأَثَّرْ.

\التجدد\ ملاحظة ثانية… وأخيرة : ليس هذا الملف ، هو مديح الظل العالي لهيكل ، مع أن أهم هدية نقدمها لروحه ، هي أن ننتقد خطابه . ان وفاءنا الحقيقي للاستاذ ، هي أن ننقد أسلوبه في الكتابة وفي التأريخ … وانما هذا الملف ، يأتي في ذكرى رحيل هيكل الثالثة ، وهي مناسبة تستحق منا جميعا، أن نتذكره مع أسرته (الصغيرة) و (الكبيرة).

طباعة