aren

محطة جديدة على مسار الأزمة السورية \\ كتابة : رخا أحمد حسن
الأحد - 6 - أكتوبر - 2019

 

لقد مرت الأزمة السورية على العديد من المحطات منذ اندلاعها فى مارس عام 2011 حتى الآن، وفى كل محطة كان يلوح فى الأفق أمل بأن تكون المحطة الأخيرة، ولكن سرعان ما يجرى تحرك الأحداث فى الاتجاه المعاكس، وتوضع العراقيل من طرف أو أطراف غير راغبين فى إنهاء الأزمة السورية قبل أن تتحقق أهدافهم، ولكن يتضح بمرور الوقت تباعد هذه الأهداف بل وتبخّر بعضها وتراجع بعضها الآخر. وقد أوشكت الأزمة السورية على بلوغ عامها الثامن وتنتقل إلى محطة جديدة، وربما تكون من أهم المحطات إذا سارت الأمور كما هو مأمول منها دون عراقيل جديدة من أطراف إقليمية أو دولية.

والمحطة الجديدة هى تشكيل اللجنة الدستورية السورية من 150 عضوا، ثلثهم اختارته الحكومة، وثلث اختارته المعارضة، وثلث يمثل منظمات المجتمع المدنى.. وهو الذى مثل مرحلة طويلة للاتفاق على بعض الأشخاص المكونين له، فمنهم من رأت المعارضة أنه عمليا من رجال الحكومة وإن أظهر استقلالية، ومنهم من رأت الحكومة أنه ينتمى للمعارضة وإن توازى فى إطار منظمات المجتمع المدنى. وبعد جهود ومشاورات مكثفة تم الاتفاق على جميع أعضاء اللجنة الدستورية السورية وكان مطلوبا الانتقال إلى الخطوة التالية وهى صياغة لائحة عمل اللجنة وأسلوب اتخاذ قراراتها، وقد كان لجهود مبعوث الأمم المتحدة للأزمة السورية جير بيدرسون، ورغبته فى أن تكون بداية مهمته نشطة وفعاله، وتعاونه مع الشركاء والفرقاء فى الأزمة السورية، إمكان التوصل إلى صياغة لائحة عمل اللجنة وإقرارها وأصبح المجال مهيأ للانتقال إلى المحطة الجديدة.

وكان حرص ورغبة الأغلبية أن تتضمن اللائحة قدرا كبيرا من المرونة فى العمل فنصت على اتخاذ القرارات أولا بتوافق الآراء بين أعضاء اللجنة تفاديا لإثارة مواقف خلافية قد يؤدى التصويت عليها إلى تعطيل أعمال اللجنة، ومع ذلك ترك الاختيار الآخر وهو التصويت على الموضوعات المختلف عليها على أن يحصل أى قرار على أغلبية 75% من كل أعضاء اللجنة على الأقل ويصوتوا بحضورهم الشخصى، وأيضا لتيسير العمل ثم اختيار لجنة مصغرة من أعضاء اللجنة الدستورية السورية تتكون من 45 عضوا بحيث يمثل كل مجموعة 15 عضوا، وتصدر قراراتها بالتوافق أو التصويت بنفس نظام اللجنة الموسعة، ويمكن أن تعقد اجتماعاتها بالتوازى مع اللجنة الموسعة من أجل سرعة إنجاز المهام الموكلة إليها.

وقد ثار جدل طويل حول الدستور، هل تتم صياغة دستور سورى جديد وهو ما تبنته المعارضة فى الخارج لفترة طويلة، وقدم الروس مشروع دستور، وأعدت المعارضة مشروعا آخر، ولكن الحكومة السورية تمسكت بموقفها القائم على أن موضوع الدستور مسألة سورية بحته ولا يجب أن تتدخل فيه أطراف خارجية وأن لدى سوريا دستورا قائما معمولا به وإذا اقتضى تعديلات لبعض مواده فيكون ذلك عن طريق السوريين أنفسهم، وهذا يفسر ما ورد فى صياغة لائحة عمل اللجنة الدستورية السورية من أنها «ملكية سورية» وأن عملها فى إطار الالتزام بسيادة واستقلال ووحدة وسلامة الأراضى السورية، وأنها تعمل فى إطار التفويض الذى يحتويه قرار مجلس الأمن 2254 بشأن التسوية السلمية للأزمة السورية والعمل على تطبيقه، وأن مهمة اللجنة أن تراجع الدستور السورى الصادر عام 2012 وفى سياق التجارب الدستورية السورية الأخرى.

ولا شك أن اللجنة ستأخذ فى اعتبارها قرار مجلس الأمن المشار إليه والصادر عام 2015 والذى يتضمن خطوطا عريضة لبرنامج تسوية سياسية للأزمة السورية، سواء من حيث إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية أو تشكيل حكومة انتقالية، وأن تجرى الانتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة ويشارك فيها السوريون فى الداخل وفى الخارج واللاجئون فى المخيمات.

ومن أجل موازنة الموقف فقد نصت اللائحة أيضا على أن تأخذ اللجنة فى اعتبارها المبادئ التى أسفرت عنها مؤتمرات جنيف والبيان الختامى لمؤتمر سوتشى، وذلك إرضاء للمعارضة فى الشق الأول الخاص بجنيف، وإرضاء لروسيا وإيران فى الشق الثانى الخاص بسوتشى.

وقد أعلن مبعوث الأمم المتحدة بيدرسون أن أول اجتماع للجنة الدستورية السورية. سيعقد فى جنيف فى 30 أكتوبر 2019، وأن حل الأزمة السورية هو الحل السياسى. وأشار فى تصريحات له أنه يتعين الأخذ فى الاعتبار سيادة سوريا على أراضيها حيث توجد خمسة جيوش (أجنبية) على الأراضى السورية، إلى جانب ما يسمى الحزام الأمنى الذى تريد تركيا إقامته على الأراضى السورية قرب الحدود التركية.

وكان خطاب وزير الخارجية السورى وليد المعلم أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة موضحا لبعض ما جاء فى تصريحات بيدرسون، حيث قال المعلم إن استمرار الوجود العسكرى التركى والأمريكى غير الشرعى فى شمال سوريا، والاتفاق فيما بينهما على ما يسمى منطقة آمنة، دون موافقة الدولة السورية، هى قوات احتلال تتخذ ضدها الإجراءات التى يكفلها القانون الدولى لإخراجها.

هذا بينما وجود القوات الروسية والإيرانية فى سوريا فهو بناء على طلب وموافقة الدولة السورية التى من حقها طلب مساعدة الحلفاء والأصدقاء للدفاع عن النفس وفقا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. وجدير بالذكر أن طلب الحكومة السورية تدخل القوات الروسية لمساعدتها فى محاربة التنظيمات الإرهابية والجماعات المعارضة المسلحة والذى بدأ فعليا فى 29 سبتمبر 2015 كان أهم محطة فى الأزمة السورية حيث أدى إلى بداية عملية تدريجية لتدعيم قوة النظام السورى وإضعاف المعارضة والمنظمات الإرهابية والتى كلما ضعف وضعها على الأرض ومحاصرتها فى مواقع معينة تباعدت إمكانيات الاستجابة لمطالبها التى بدأت عالية للغاية ثم تراجعت تدريجيا.

وقد أدركت واشنطن وقوى أخرى هذه الحقيقة منذ تدخلت القوات الروسية ومن ثم أسرعت بصياغة والموافقة على قرار مجلس الأمن رقم 2254 الصادر فى ديسمبر 2015 أى بعد تدخل القوات الروسية بفترة وجيزة وكان مفترضا أن تبدأ تنفيذ هذا القرار خلال عام 2016 ولكن تدخل قوى إقليمية وأخرى دولية جعل المعارضة تفسد معظم إن لم يكن كل الاجتماعات التى عقدت فى جنيف وفيينا وهى لا تدرك أن الوقت ليس فى صالحها وأنه لا يوجد بديل للنظام السورى سوى الجماعات المتطرفة والمنظمات الإرهابية. وأدى تدخل روسيا وإيران إلى تحقيق الكثير لهما خاصة روسيا التى دعمت وجودها فى سوريا ومنطقة شرق البحر المتوسط وحرصت على أن يكون دعمها للنظام السورى مدعاة لتطلع بعض دول المنطقة للتعاون معها وهو ما حدث فعلا وإلى حد كبير مع تركيا التى تدعمت علاقاتها مع روسيا.

كما أن القوات المسلحة الروسية اتخذت من الحرب بالوكالة فى سوريا مجالا لتجربة أسلحة جديدة لم يسبق استخدامها، كما بينت أن بعض الأسلحة التقليدية لم تعدلها نفس الفعالية ومن ثم يحسن الاستغناء عنها، وأتاحت الحرب فى سوريا مجالا لأن تقوم القوات الروسية بجزء كبير من مناوراتها السنوية على الأراضى السورية وهو ما يحقق هدفين أولهما أن التجارب فى حرب فعلية وليست مجرد مناورات، وثانيهما أن تكلفة المناورات تخصم من تكلفة مساندة سوريا. وأصبح لروسيا اليد العليا فى الأزمة السورية ومعها إيران، ولكن دون إمكانية وقف العقبات الإجرائية أو الميدانية التى تضعها الأطراف الأخرى الدولية وفى مقدمتها الولايات المتحدة، والإقليمية.

أما إيران فإن الكلام عن إخراجها من سوريا غير واقعى لأنها حليف قوى للنظام السورى منذ عهد الرئيس حافظ الأسد وقد بدأت إيران منذ العام الماضى فى توقيع اتفاقات ومذكرات تفاهم مع الحكومة السورية بشأن عمليات إعادة الإعمار والتى بدأت فى بعض المناطق التى اكتملت سيطرة القوات السورية عليها.

ولكن يبقى السؤال مطروحا وهو هل ستكون هذه المحطة الجديدة مع بدء اجتماعات اللجنة الدستورية فى جنيف بداية انفراجة فى الأزمة السورية ورسم خريطة طريق دستورية وسياسية لمرحلة انتقالية نحو الحل السياسى وإعادة الإعمار وإعادة النازحين واللاجئين السوريين، أم ستكون مدعاة للمماطلة فى المناقشات والتمادى فى الخلافات؟

هذا يتوقف على اتجاهات القوى الإقليمية والدولية الضالعة فى الأزمة السورية والتى قد تتضح خلال الجولة الأولى لاجتماعات اللجنة الدستورية السورية.

عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة.

“الشروق”المصرية

طباعة